تُصادف هذه الأيام ذكرى اندلاع الثورة السورية المباركة، التي خرج فيها الناس في جميع المدن والقرى السورية، رجالاً ونساءً، في مسيرات سلمية ضد نظام الاستبداد مطالبين بالحرية والكرامة. غير أن نظام الإجرام واجههم بعنفٍ مفرط بدأ بإطلاق النار على المتظاهرين، وانتهى بقصفهم بمختلف أنواع الأسلحة، ما دفع إلى تحوّل الثورة السلمية إلى نزاعٍ مسلح. وقد استشرس النظام في سحقها حتى وصل به الأمر إلى استخدام جميع أنواع الأسلحة، بما فيها السلاح الكيماوي، ضد المدنيين العزّل.

ولا شك أن تدخل أطرافٍ إقليمية ودولية عدة أدى إلى تفاقم النزاع العسكري، وتحويل سوريا إلى مسرحٍ لحروبٍ بالوكالة، لم تكن غايتها بالتأكيد مصلحة الشعب السوري، بل تنفيذ مصالح تلك الدول ونقل نزاعاتها ومحاولاتها لتوسيع مناطق نفوذها إلى الأراضي السورية. وكان الشعب السوري الضحية الأكبر لهذه الحروب التي حصدت أرواح مئات الآلاف من السوريين، وقسّمت البلد إلى مناطق نفوذ متعددة سادها الانفلات الأمني، ودمّرت بناها التحتية، وأفقرت الشعب. فبحسب إحصاءات عدة، غدا نحو 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر. ومن المعروف أن الضحايا الأشد تأثراً في هذه الحروب هم النساء والأطفال والفئات الهشة من المجتمع؛ ففي آخر إحصاء لمؤشر المرأة والأمن والسلام، صُنِّفت سوريا من بين آخر ثلاث دول من حيث أمن النساء، ولم يأتِ بعدها في التصنيف سوى اليمن وإفريقيا الوسطى.

منذ أن ثبّت النظام الذكوري أقدامه في حكم العالم، تحوّل منطق العنف الذي يُمارسه البشر من منطق الدفاع عن النفس إلى منطق استهداف الآخر من أجل السيطرة على الأرض وخيراتها، وعلى الشعوب ومقدراتها بقوة السلاح. وكانت النساء أولى ضحايا هذه الحروب، كما كنّ أولى ضحايا هذا النظام الذكوري الذي شرعن العنف ضدهنّ، ووضعهنّ في مرتبةٍ دنيا بتصنيفه للبشر إلى طبقة ذكورية حاكمة تتمتع بكل الامتيازات، وتُسيطر على النساء والمستضعفين من الرجال والأطفال والشيوخ.

وقد طمس التاريخ البشري الذكوري محاولات عديدة للنساء في المقاومة، لكننا نستطيع أن نعثر على شذراتٍ منها هنا وهناك، كما يرد في كتاب المؤرخة الفرنسية ميشيل بيرو المعنون «زمن النسويات» (Le temps des féminismes). إلى أن جاءت الحركة النسوية التي بدأت أولى ملامحها تتضح في منتصف القرن التاسع عشر، مطالِبةً بحقوق النساء في التعليم والانتخاب. ثم تطورت في منتصف القرن العشرين، من خلال أدبياتها ومنظماتها ومؤتمراتها، إلى حركةٍ نسوية عالمية ذات طابعٍ سياسي، تهدف إلى تغيير النظام الذكوري الذي تطوّر بدوره إلى نظامٍ رأسمالي عالمي مُتوحش أبقى الحضارة الإنسانية تراوح في مكانها من حيث حقوق البشر، رغم التقدم التكنولوجي الذي استُخدم أساساً في خدمة الحروب عبر تطوير تقنيات السلاح.

وقد وقفت الحركة النسوية في العالم كله، منذ نشأتها، ضد هذه الحروب، وأعلنت صراحة أنها لن تسمح بأن تُصنَّف النساء مجرد ضحايا لها، بل سيكون لهن دور في طليعة النضال السلمي من أجل إنهائها، عبر النضال المستمر ضد القوى المستبدة صانعة الحروب في العالم.

ونحن نشهد الآن وصول هذا النظام الرأسمالي الذكوري العالمي إلى أقصى مراحل استبداده ورغبته في الانفراد بحكم العالم والسيطرة على مقدراته، من خلال حروب عبثية، كان آخرها الحرب الدائرة في المنطقة اليوم.

كنت دائماً أحنّ إلى العراق، البلد الحبيب الذي قضيت فيه جزءاً من طفولتي، وكنت أحنّ إلى زيارته لاحقاً. لكن منذ أن تبلور وعيي السياسي والنسوي، عاهدت نفسي ألا أزوره ما دام الحكم الاستبدادي قائماً فيه.

في عام 2003، عندما اخترعت الإدارة الأميركية أسطورة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل مبرراً لغزوه، وقفتُ أمام معضلة أخلاقية يضعنا فيها المتحكمون بمقدرات العالم: هل أفرح بسقوط الطاغية أم أحزن لما ستؤول إليه أوضاع العراق، لمعرفتي الجلية بأهداف الاستعمار الإمبريالي في السيطرة، التي لا يُمكن أن تكون في صالح الشعوب المستضعفة؟ وقد تكررت هذه المعضلة الأخلاقية كثيراً فيما بعد، وكان آخرها الدوس بأقدام الإدارة الأميركية على المعاهدات والقوانين الدولية باستخدامها القوة العسكرية لاعتقال رئيس دولة من بيته وجرّه مكبلاً إلى الولايات المتحدة.

ورغم كل مآخذنا سابقاً على الأمم المتحدة، التي عجزت عن تحقيق هدفها بعد تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية في نشر السلام والأمن في العالم، وعلى تركيبة مجلس الأمن الذي ضم دول العالم الاستعمارية، حيث كان فيتو واحد من أحد أعضائه كافياً لاستمرار ارتكاب المجازر والجرائم بحق الشعوب المستضعفة، فإنها على الأقل كرّست مجموعة من الاتفاقات والمعاهدات والقوانين التي سعت إلى حماية حقوق الإنسان.

إلا أن التطور الذي حدث منذ تسلّم ترامب السلطة في الولايات المتحدة تمثل في إعلانه، دون خجل أو حياء وفي مناسبات عدة، أنه لا يأبه بقرارات الأمم المتحدة ولا بالاتفاقات والمعاهدات والقوانين الدولية، بل إنه لا يأبه حتى بالديمقراطية الأميركية نفسها. ويبدو أنه أقنع نفسه، متوهماً، بأنه ملك العالم، وبدا وكأنه يُريد حكم العالم كله بمنطق التاجر المستغل الذي يسعى إلى الاستيلاء على جميع الثروات مستخدماً منطق القوة. وقد نالنا من سياساته ما نالنا من كوارث ومصائب في مخططه لشرق أوسط جديد يخدم مصالحه على حساب الضحايا من المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة، مستعيناً بإسرائيل، صنيعة الإدارة الأميركية في المنطقة. فكان تشجيعه لحرب الإبادة في غزة، وتصريحاته المتتالية حول هندسة المنطقة برمتها على أساس تقسيمها وشرذمتها، وتخليه ببساطة عن حلفائه فيها بعد أن استنزفهم وباعهم الأوهام. وآخر ذلك الحرب المفتعلة ضد إيران، التي نعرف جميعاً أنها ليست ضد قياداتها الاستبدادية كما يدّعي، بل لتحقيق مصالحه ومصالح إسرائيل في المنطقة على حساب الشعوب، في حرب لن يدفع ثمنها سوى المدنيين؛ ففي أول يوم منها ارتُكبت مجزرة بحق أكثر من 175 طالبة ومدرّسة باستهداف مدرسة ابتدائية في إيران.

وتوالت الضحايا مع ردِّ إيران باستهداف دول المنطقة، ثم بدخول حزب الله على خط المواجهة مع إسرائيل، ليتحول لبنان إلى ساحة لمقتلة عشوائية لكثير من المدنيين، وتسجيل نزوح نحو نصف مليون مدني من ديارهم، أُغلقت في وجوههم الأبواب، ولا يزال أكثرهم يبحثون عن مأوى.

وقد بلغت الصفاقة بترامب حدّ تكليفه وزير خارجيته ماركو روبيو بحمل رسالة إلى العالم كله، في مؤتمر ميونيخ الأخير، يدعو فيها بوقاحة إلى عودة الاستعمار القديم، مطالباً الدول الأوروبية بمساندته في ذلك. أما بالنسبة للشرق الأوسط، فقد أوضح المبعوث الأميركي توم برّاك رؤية الإدارة الأميركية لشرق أوسط جديد، تقوم على اعتبار أن المنطقة – بحسب مزاعمهم – مجرد مجموعة من القبائل والقرى التي لا تُحكم إلا بعقلية القبيلة، أي بعقلية ما قبل الدولة، وأننا لسنا أهلاً لدول حديثة تُدار بمنطق الدستور والقانون والمؤسسات المبنية على قيم العدالة والمواطنة المتساوية.

في أجواء الحرب التي سيطرت على المنطقة، والفوضى الأمنية التي صاحبتها، بدت الساحة مُهيأة لاستهداف الناشطات النسويات المدافعات عن حقوق النساء والمناهضات للحروب. ولم يقتصر الأمر على تهديدهنّ والتشهير بهنّ، بل وصل إلى اغتيال واحدة من أبرز الناشطات النسويات في العراق، ينار محمد، في محاولة لترهيب الحركة النسوية وإسكات أصوات الناشطات.

في ظلّ هذه الصورة القاتمة يبرز السؤال ملحّاً: ما الذي نستطيع فعله كنسويات في هذه المرحلة؟

لقد وضعنا في حسباننا دوماً أن نضالنا هو نضال طويل الأمد ضد قوى الشر، لأنها تمتلك القوة والسلاح، بينما لا نملك نحن سوى أصواتنا. لكننا على ثقة بأن هذه الأصوات لن تذهب أدراج الرياح، بل ستتغلغل في المجتمعات شيئاً فشيئاً ليظهر تأثيرها لاحقاً.

تبرز الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التضامن النسوي، ليس على مستوى كل بلد على حدة فحسب، بل على صعيد الحركة النسوية في المنطقة والعالم كله، ومع جميع القوى الحرة في العالم، لإعلاء الصوت: لا للحرب، ونعم لحل النزاعات سلمياً استناداً إلى القانون الدولي.

ومسؤوليتنا اليوم هي العمل على تغيير الرأي العام داخل المجتمعات، بحيث لا نكون وقوداً لهذه الحروب الهمجية ولا ننصاع لما تريده القوى العظمى، وذلك عبر محاربة خطاب الكراهية وكل أشكال التحريض (مناطقية وإثنية وطائفية)، والتأكيد أن ضحايا الحروب من المدنيين ليسوا مسؤولين عن قرارات وجرائم حكامهم، وبالتالي لا ينبغي أن يدفعوا أثمانها، والدعوة إلى فتح الحدود أمام اللاجئين الهاربين من جحيم الحرب.

ستكون السنوات القادمة صعبة ومريرة. ورغم معرفتنا أننا قد لا نرى نتائج عملنا اليوم، فإننا نذرنا أنفسنا للعمل من أجل الأجيال القادمة، كي يعيش أبناؤنا في عالم أكثر عدلاً وسلاماً.