ابراهيم زرقه.. موقع درج
بعد سقوط النظام، بدا أن البعض لا يريد فقط محاسبة القاتل، بل العثور على جماعة كاملة يمكن اختصار “الشر” فيها. لم يعد السؤال دائماً عمّا فعله الأفراد فعلًا، بل إلى أين ينتمون!
هرب الأسد، وبتّ أشرح لماذا لا يجب أن أُعامل كمجرم! لم يسألني أحد تقريباً عمّا فعلته، أو عمّا كنت أؤمن به، أو حتى عمّا خسرته. النظرات كافية والسؤال الضمني دائماً: “ماذا ستفعل بهويتك الآن؟”، الإجابة: “لا أعلم”.
هل المقصود بالسؤال هويتي المكسورة التي كنت أخشى استبدالها خوفًا من الفيش الأمني، أم هويتي الطائفية؟ لا يهم. بدا أن اعتقالي من نظام الأسد لا يمنحني صك البراءة، ولا ضبط التحقيق وحكم المحكمة المخبآن في خزانتي.
“هويتي” اليوم كافية لإدانتي حتى يثبت العكس، كما في أيار/ مايو 2012، بعد خروجي من المعتقل، حين نزلت من القرية الى الجامعة. لم يرد أحد عليّ التحية، إلا قلة لم تتجاوز العشرة. تحاشاني الجميع، كنت بمثابة شبح الطاعون!
وبعد التحرير أو السقوط أو هروب المخلوع؛ (لأن أي كلمة من الكلمات السابقة ستحدد موقفك)، تكرر المشهد نفسه بشكل آخر، من تجنب النظر إلي بعد السجن في الجامعة والمستشفى، كان اهتمامه يتحول فوراً إلى طائفتي، وكأن موقفي السابق لم يكن مهماً أمام هذا الانتماء السخيف بالولادة.
لم تعقد المحاكم جلساتها، ولكن محاكم يومية عُقِدت؛ محاكم يكون “الجمهور” فيها القاضي والجلاد والخصم، وأنا الجاني، أو جماعتي التي أنتمي إليها. لم أجمع نفسي بهم، لكن كل خطاب يُوجَّه إلي يتحول إلى مرافعة في محكمة تصرّ على وسمي بدم ضحايا بكيتهم ودافعت عنهم.
في الأفلام الأجنبية التي حضرتها، يعتذر الناس بعضهم من بعض عند الموت، كنوع من التعزية: “نأسف لخسارتك”. بدت لي جملة بسيطة وواضحة. في سوريا، كنت أظن أن شيئًا مشابهًا سيحدث على مستوى الخسارة العامة نفسها، لا على مستوى توزيع الاتهام.
أعي أن الهوية تتحول في الحروب الطويلة إلى ملف قضائي، وأن الفرد يصبح ممثلًا إجبارياً عن جماعته. لكننا في سوريا أضفنا طبقتنا الخاصة إلى ذلك: لم يعد المطلوب فهمك أو مساءلتك، بل مطالبتك بالاعتذار عن شيء لم تختره أصلًا. طلب مني الاعتذار من دون أن أفهم التهمة، وأحياناً قبل أن يُسمح لي أصلًا أن أشرح أي شيء!
بعد سقوط النظام، بدا أن البعض لا يريد فقط محاسبة القاتل، بل العثور على جماعة كاملة يمكن اختصار “الشر” فيها. لم يعد السؤال دائماً عمّا فعله الأفراد فعلًا، بل إلى أين ينتمون!
وبدا كأن الخوف نفسه يُعامل بدرجات: خوفٌ يُفهم ويُبرَّر، وآخر يُنظر إليه كأنه أقل شرعية، أو تفصيل يجب أن يسبقه اعتراف. حتى التعاطف، حين وُجد، لم يكن دائماً متساوياً؛ كان يُمنح أحياناً من موقع أخلاقي أعلى، لا بوصف الضحايا بشراً متساوين في الحق بالخوف والنجاة.
أحياناً لم يكن المطلوب من الفرد إدانة القاتل فقط، بل التبرؤ من حقه نفسه في أن يكون فرداً خارج جماعته. ومع الوقت، صار بعض من رفضوا لسنوات أن يُختزلوا بطوائفهم، يعيدون إنتاج الاختزال نفسه تجاه الآخرين. وهكذا لم يعد الفرد يُرى بوصفه حياة مستقلة، بل بوصفه دليلًا حياً على تهمة جماعية جاهزة.
في كل حديث عما يحصل وسيحصل في سوريا، تُستعاد قصة الثور الأبيض، كتبرير للتقاعس عن التضامن والمناصرة الضرورية لكل الضحايا. لكن، هل كان الثور الأبيض بريئاً بالضرورة، أم كان مختلفاً بما يكفي ليُترك وحيداً؟ ومن هو “الثور الأبيض” في بلاد يتنافس شعبها على تضخيم أوجاعه؟
تميل الجماعات البشرية إلى توحيد الذنب واختصاره في جماعة واحدة تحمل الشرور كلها، بما يخفف عبء التفكير في مراجعة الذات. وهكذا يصبح التعامل مع الناس ككتل وطوائف أسهل من التعامل معهم كأفراد، إذ يحمل الجميع وزراً واحداً!
في المجتمعات الضيقة، قد تُوصم الفتاة بسمعة سيئة بسبب سلوك أحد أفراد عائلتها، وقد تُوصم عائلة كاملة بسبب فرد واحد. وفي مجتمع مذعور كسوريا، قد يكفي تلميح أو اتهام كاذب لتتحول التهمة إلى حقيقة اجتماعية، تُلصق بجماعات كاملة ويتبناها كل طرف ضد الآخر، لا يحتاج الأمر إلى ذنب فعلي كي تقع الإدانة؛ يكفي الانتماء إلى جماعة معينة أو تبنّي فكر مختلف.
تكررت أخيراً عبارة “هذا من إرث الأسد” عند كل انتهاك وكل خلل اجتماعي، وكأن كل شيء يحتاج إلى أصل يُعاد إليه. لكن خطر الاستبداد لم يكن في فعله المباشر فقط، بل في أنه ورّث ضحاياه لغته، وترك لهم قاموسه مفتوحاً بعد غيابه.
ربما ليست المشكلة أننا عشنا تحت الخوف، بل أننا حملنا منطقه معنا، وبدأنا نرى بعضنا بالطريقة نفسها التي كنا نُرى بها. والمفارقة أن الاستبداد لا يورّث الخوف فقط، بل قد يورّث أيضًا إغراء امتلاك القاموس نفسه، هذه المرة من الجهة المقابلة.
كلما حاولت الكتابة، أسعى إلى إلا أبدو كمن يتحدث باسم طائفة. لكن هذا الجهد نفسه يبدو بلا معنى حين يراني القارئ أصلًا كطائفة كاملة، وقفت بوجه النظام بما يكفي لأُعتقل، لكن ذلك لم يكن كافيًا لتبرئتي من تهمة الأسدية التي تُلصق بكلّ العلويين بشكل أوتوماتيكي!
كان شعوري أنني، إن متّ، لن تُنشر صورتي مع رقم كما يحدث عادة، بل مع هوية طائفية تختصر كل شيء آخر عني. استغرق الأمر وقتاً لأفهم أن البشر في الحروب لا يرون الأفراد، بل يرون الجماعات فقط.
في الفيزياء، قد يتشابه الفعل ورد الفعل، لكن في الحياة حيث السياقات مختلفة ولا متناهية، إن صار رد الفعل نسخة من الفعل، فماذا يبقى ليميز الضحية السابقة عن جلادها؟ وهل يتحول الظلم الذي تعرضنا له إلى مبرر لإعادة إنتاجه؟ حتى أنبل القضايا تفقد نبلها حين تستخدم منطق خصومها.
لم تبدأ المقتلة السورية من رصاصة، بل من كلمة وتبرير، سرديات وقصص تُعيد تشكيل معنى العنف قبل أن يحدث. لا يولد العنف فجأة، وإن تلاشى بشكله الفج الفاحش، يتسلل عبر لغة يومية وجمل تبدو بريئة، لكنها تحمل في طبقاتها تمييزاً خفياً. ومع الوقت، يتحول الانتماء نفسه إلى شبهة أو تهمة، وتصبح العدالة بعيدة المنال، لا تُمنح إلا لمن تُرجَّح كفة ميزانه مسبقاً.
ربما لن أبرأ من تهمة هويتي، كما لم أبرأ من سجني. لكن ما أتعبني أكثر هو أن أُختزل دائمًا في محاكم لا تريد إلا محاسبتي طائفيًا. لست ثوراً أبيض، ولا جلادًاً، ولست حتى ضحية نموذجية تليق بتوقعات أحد، أنا فقط شخص عاش معكم ذات يوم، وحاول أن يبني كلمة بعد السقوط، فاكتشف أن الكلمات نفسها لم تنجُ من التقسيم.
وإذا كان لا بد من خاتمة، فلتكن: “لم نحرر سوريا إذا كان تحريرها يعني أن نتبادل مفردات القاموس نفسه”.