صحيفة العرب
واشنطن- رغم الجهود المتواصلة التي تبذلها الولايات المتحدة لتقديم نفسها باعتبارها وسيطاً للاتفاقات الكبرى الهادفة إلى إرساء السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما تجلى أخيراً في اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمه الرئيس دونالد ترامب مع إيران والمقرر استكماله يوم الجمعة، فإن التطورات الأخيرة في السياسات الخارجية والدفاعية، إقليمياً ودولياً، تثير تساؤلات جوهرية حول الاستراتيجية الأميركية.
فهل تتجه الولايات المتحدة فعلاً نحو تحقيق سلام مستدام في الشرق الأوسط؟ أم أنها تنتقل إلى نمط جديد من التدخلات العسكرية الدورية التي تُبقي الخصوم في حالة استنزاف وعدم استقرار دائم، على غرار سياسة “جز العشب” التي تعتمدها إسرائيل ضد خصومها، من دون رؤية واضحة لحل طويل الأمد؟.
وبعد ثلاثة أشهر من الحرب المتقطعة مع إيران، لا يزال من غير الواضح ما الذي حققته هذه المواجهة فعلياً للولايات المتحدة. فقد وصف مؤيدو ترامب وخصومه الصراع تارة بأنه حرب ضرورية لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وتارة أخرى بأنه عملية مكلفة أعادت جميع الأطراف إلى نقطة البداية تقريباً.
وفي ضوء اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، يعيش المجتمع الدولي حالة من الترقب وعدم اليقين. فالسؤال الرئيسي اليوم لا يتعلق فقط بمضمون الاتفاق، بل بمدى قدرته على الصمود مستقبلاً.
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن ترامب نفسه كان قد انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي المبرم مع إيران في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.
وتواجه إدارة ترامب اليوم تحديات كبيرة في تقييم نتائج الحرب التي خلفت آلاف الضحايا، وكلفت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 35 مليار دولار من الإنفاق العسكري المباشر، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية والمالية والدفاعية التي تكبدتها الشركات الأميركية متعددة الجنسيات ودول الخليج وأوروبا وآسيا والاقتصاد العالمي ككل.
وأدت الحرب إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وإرباك حركة التجارة والطاقة، وأثارت أزمات في الوقود والسلع الأساسية، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن الاقتصاد العالمي خسر ما يصل إلى 22 تريليون دولار من النمو المحتمل نتيجة تداعيات الصراع.
وعند تقييم النتائج الجيوسياسية للحرب بصورة موضوعية، تبدو محدودة مقارنة بتكاليفها البشرية والاقتصادية الضخمة. فالصراع انتهى بإعادة فتح الممرات البحرية التي كانت تعمل بصورة طبيعية قبل اندلاع الحرب، كما انتهى بتجديد إيران تعهداتها بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، وهي تعهدات سبق لطهران أن أعلنتها مراراً في السابق.
وفي المقابل، شهدت إيران تحولات داخلية مهمة تمثلت في مقتل أو خروج قيادات بارزة وصعود شخصيات أكثر تشدداً داخل مؤسسات الحكم، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الحرب قد ساهمت في تعزيز الاستقرار أم أنها دفعت نحو مزيد من التشدد والتطرف على المدى البعيد.
وطوال فترة الحرب، استثمرت دول مثل قطر والسعودية ومصر وتركيا وباكستان جهوداً سياسية ودبلوماسية كبيرة للتوصل إلى اتفاق يوقف القتال ويجنب المنطقة كارثة واسعة النطاق. لكن التطورات على الأرض تشير إلى أن هذه الجهود تصطدم بواقع أكثر تعقيداً، إذ لا تزال الأطراف الرئيسية تتعامل بعقلية الصراع أكثر من تعاملها بعقلية التسوية.
وفي ظل استمرار انعدام الثقة والتصريحات المتناقضة، يواجه الاتفاق، الذي يُقدَّم على أنه بداية مرحلة جديدة من الاستقرار، خطر التحول إلى مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من المواجهة، ما يهدد الجهود الإقليمية التي بذلت لمنع الحرب من التحول إلى أزمة طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
ومن بين الأسئلة التي لم تجد إجابات واضحة حتى الآن مسألة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. فالتقديرات تشير إلى أن إعادة بناء ما دمرته الحرب قد تتطلب ما يصل إلى 300 مليار دولار، وهو الرقم الذي أشار إليه نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بعد الإعلان عن الاتفاق.
ويثير ذلك تكهنات بأن دول الخليج الغنية قد تُطلب منها مرة أخرى المساهمة بدور رئيسي في تمويل مرحلة ما بعد الحرب، كما حدث في أزمات إقليمية سابقة.
وهنا يبرز سؤال أوسع: هل سيستمر نموذج الأمن الإقليمي القائم على تحمل دول المنطقة كلفة حروب خُطط لها ونُفذت خارج إرادتها المباشرة؟
فالمسألة اليوم لا تتعلق فقط بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل أيضاً بترسيخ نموذج سياسي واقتصادي تنقل فيه واشنطن أعباء مغامراتها العسكرية إلى حلفائها وشركائها.
لا تبدو الحرب وكأنها أنتجت تسوية نهائية بقدر ما أعادت رسم خطوط الصراع وأعادت تشكيل موازين القوى.
ويتمثل التحدي الأكبر أمام الاتفاق الحالي في أنه يترك العديد من القضايا الأساسية من دون حل، ما يجعل الحديث عن نهاية نهائية للحرب أمراً سابقاً لأوانه. فقد لا يكون الاتفاق أكثر من هدنة مؤقتة تؤجل المواجهة المقبلة بدلاً من أن تؤسس لتسوية استراتيجية طويلة المدى.
وفي حال تعثر تنفيذ الاتفاق أو نشوب خلافات حول تفسير بنوده، فقد تجد الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم أمام دورة جديدة من المواجهات العسكرية المفتوحة في الشرق الأوسط.
ويظل مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار. فالحرب أثبتت أن قدرة إيران على تهديد أو تعطيل هذا الممر الحيوي تمنحها ورقة ضغط استراتيجية يصعب أن تتخلى عنها بسهولة.
ورغم تأكيد طهران التزامها بمبدأ حرية الملاحة، فإن قدرتها الكامنة على إغلاق المضيق أو تهديد أمنه ستبقى عاملاً دائماً في معادلات الردع الإقليمية والتوازنات الدولية. وبالتالي لم يعد أمن المضيق قضية محسومة، بل ملفاً مفتوحاً قابلاً لإنتاج أزمات متكررة في المستقبل.
كما تمثل أزمة الثقة بين الأطراف المعنية عقبة كبرى أمام أي تسوية دائمة. فمن وجهة النظر الإيرانية، أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية التي نُفذت خلال فترات التفاوض إلى تقويض الثقة في جدية المسار الدبلوماسي. وقد يدفع ذلك المفاوضين الإيرانيين مستقبلاً إلى تبني مواقف أكثر تشدداً وفرض شروط أكثر صرامة في أي جولات تفاوض مقبلة.
وإلى جانب ذلك، يظل الصراع بين إسرائيل وشبكة الحلفاء الإقليميين لإيران عاملاً قادراً على تقويض أي تفاهم أميركي إيراني. فالتوترات المستمرة مع حزب الله في لبنان، وكذلك مع الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران في العراق واليمن، لا تزال تمثل مصدر قلق استراتيجي لإسرائيل.
ومن المتوقع أن تتعامل الحكومة الإسرائيلية بحذر شديد مع أي اتفاق لا يفرض قيوداً صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، الذي تعتبره تل أبيب تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وربما أكثر خطورة من بعض القضايا التي تركز عليها الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن مستقبل الاتفاق لن يتوقف فقط على طبيعة العلاقات بين واشنطن وطهران، بل أيضاً على قدرة جميع الأطراف على إدارة شبكة معقدة من الصراعات الإقليمية المتداخلة.
ولا تبدو الحرب وكأنها أنتجت تسوية نهائية بقدر ما أعادت رسم خطوط الصراع وأعادت تشكيل موازين القوى. وبينما يتحدث البعض عن نجاح دبلوماسي أنهى المواجهة المباشرة، يرى آخرون أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الهدوء الهش، حيث لا تزال الأسباب الجذرية للصراع قائمة، فيما يبقى احتمال تجدد التصعيد العسكري حاضراً بقوة.
وعليه، لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل ما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو سلام مستدام بالفعل، أم نحو جولة جديدة من الصراع المؤجل.