علي عيد……كاتب سوري. عنب بلدي
سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لم يكن دفعة واحدة، وعانى البلد كثيرًا في ظروف تشبه إلى حد معقول ما يحصل في سوريا، مع اختلاف طبيعة الوضع في سوريا، الذي بدأ بحراك ثوري عام 2011، وانتهى بسقوط النظام نهاية عام 2024.
خلال الفترة التي أعقبت هروب الرئيس المخلوع، بشار الأسد، ورموز نظامه وأدواته، بقيت الهواجس على الأرض، لأن حقبة الأسد امتدت طويلًا بآلامها، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
ليس من السهل تفكيك بنية الجريمة والفساد، وتحقيق العدالة والجبر، وربما يحتاج الأمر إلى سنوات بل عقود، وتجربة نظام الفصل العنصري في إفريقيا مثال حي عن أثر تركه الظلم والتمييز، إذ بدأ سقوط نظام “بريتوريا” العنصري عام 1990، عندما تم الإفراج عن نيلسون مانديلا، ورفع الحظر عن المؤتمر الوطني الإفريقي.
وجاء السقوط الرسمي والنهائي في 27 من نيسان عام 1994، حيث جرت أول انتخابات ديمقراطية عامة بمشاركة جميع الأعراق، وانتخاب نيلسون مانديلا رئيسًا، لتكون نهاية نظام الفصل العنصري قانونيًا وسياسيًا بالمعنى الدستوري الصارم.
أما بالمعنى الاجتماعي- الاقتصادي فاستمرت آثار ذلك النظام حتى اليوم، وكانت البلاد بحاجة إلى قانون “قانون تعزيز المساواة ومنع التمييز غير العادل” (PEPUDA / Equality Act) الذي صدر عام 2000.
أسوق هذه المقدمة الضرورية للقول، إن أكبر أثر خلّفه نظام الفصل العنصري، في مجتمع متنوع (أقل تنوعًا من المجتمع السوري)، هو أزمة عدم الثقة وخطاب الكراهية.
مثال جنوب إفريقيا يمكن أن يعطي مؤشرات على حجم التحديات في سوريا، وهي تحديات لا تتعلق بالسلطة بقدر ما تتعلق بالمجتمع نفسه، إذ يتصور كثيرون أن العدالة تتحقق بمجرد قرار، بينما تجد السلطة نفسها أما عقدة ملف العدالة الانتقالية والمصالحة وأزمة خطاب الكراهية، وتسير بخطى غير واضحة المعالم لتفكيك هذه العقدة.
يظن البعض أو الكثيرون، لا أعلم، أن المسألة تبدأ وتنتهي بالإعلام، وهذا أمر غير محسوم، قياسًا بتجربة جنوب إفريقيا، لأن “قانون تعزيز المساواة ومنع التمييز غير العادل” ربما تعثر في تحقيق أهداف الضحايا، على الرغم من أنه نجح في تفكيك إرث العنف قانونيًا ورمزيًا، من دون إعادة إشعال حرب أهلية.
وجاءت محتويات القانون الذي صدّق عليه الرئيس، ثابو مبيكي، مكملًا لأدوات أخرى، عدالة انتقالية، هندسة دستورية، تشريعات ضد التمييز، وسياسات “بناء أمة” مع كثير من التوترات والنتائج المختلطة.
في سوريا، يحتاج الوضع إلى مسار طويل، وإن كان غير مضمون النتائج كليًا، لأن طبيعة المجتمع السوري، والموقع الجغرافي، خلقت تداخلًا يزيد من التحديات أمام أي سلطة، إذ يتغلب الشعور الشعبوي أو العرقي أو الإثني أو المذهبي على كثير من الأولويات دون وعي، وتغذي هذا التناقض عوامل مختلفة منها الولاءات “ما دون الوطنية” وتدخلات الجوار القريب.
هناك تركة ثقيلة تحتاج إلى حزم السلطة، حتى ولو اعتبرت نوعًا من الإكراه و”الهيمنة”، دون عنف، إذا كان هدفها بناء هوية الأمة، كما فعلت جنوب إفريقيا، بهدف تجفيف مستنقع الكراهية والتناقض المجتمعي، فمع الدعوة للتسامح هناك سقف للمسموح به علنًا عندما يصبح الكلام تحريضًا أو أذى أو تمييزًا مؤسسيًا.
وسياسات “”التماسك الاجتماعي” وبناء الأمة، ركزت على “الهوية الجامعة” (أعياد وطنية، ذاكرة عامة، برامج ثقافية/تعليمية، مبادرات حوار مجتمعي).
وقامت الحكومة بصياغة وثائق واستراتيجيات حول التعافي المجتمعي (social cohesion) وبناء الأمة (nation-building)، للتحول من فكرة التعايش والهدنة إلى نمط حياة.
لا يبدو أن هناك من يستطيع إقناع السوريين بأن يحبوا بعضهم بعد كل هذه الأسوار الشاهقة التي بنتها الحرب، والعقم السياسي، والأيديولوجيات، والنزعات الانفصالية، ولا ينبغي التعويل على الإقناع، بل على القوانين التي تحاصر مظاهر نزعات “ما قبل المجتمع”، بعد نجاح تفكيك جماعات “ما دون الدولة”.
بالعودة إلى الإعلام، الذي يشكل أبرز أدوات الصراع وتفكيك الأمم، ليس هناك جدوى من أن يعمل منفردًا، ولا أن تبث برامج لردم الهوة، طالما أن عوامل أخرى تحفر تحت أساسات الثقة بين السوريين.
هل المطلوب من هذا الكلام أن يستقيل الإعلام؟ بالطبع لا. المطلوب هو أن توضع خطة متكاملة يشارك فيها الجميع. وطالما أن هذا الجميع غير منسجم، فالخطوة الأولى تبدأ من توحيد المفاهيم وسن القوانين وتطبيق العدالة على الجناة السابقين واللاحقين، وجبر الضرر للجميع.
مع أن الطريق طويل، أخشى أن تأخير ما سبق يبقي الإعلام خارج دائرة الثقة، مهما قال أو فعل.. وللحديث بقية.
