ملخص
تضع “صفقة ترمب الكبرى” مع إيران لبنان في قلب اختبار إقليمي صعب، إذ يطالب الرئيس الأميركي بوقف الهجمات الإسرائيلية بينما ترفض إسرائيل فعلياً إدراج لبنان في مسار التهدئة. استمرار القصف والتوغل الإسرائيليين، وتمسك “حزب الله” بخطاب التحرير، يهددان بتحويل الاتفاق من فرصة سلام إقليمي إلى هدنة هشة قابلة للانهيار.
كتب دونالد ترمب بلهجة غاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي أنه ينبغي ألا تشن إسرائيل “أية هجمات أخرى في أي مكان من لبنان”، منزعجاً من أن حليفته التي باتت تثير له متاعب متزايدة عادت وقصفت العاصمة اللبنانية بيروت.
ويخشى ترمب أن يؤدي ذلك إلى نسف “الصفقة الكبرى” مع إيران، كما يحب أن يكتبها بحروف كبيرة بالإنجليزية Great Deal. ومن المقرر توقيعها في سويسرا يوم الجمعة، على أمل أن تضع حداً لحرب أودت بحياة آلاف الأشخاص، وتسببت في أسوأ اضطراب شهده التاريخ في إمدادات الطاقة، ودفعت العالم نحو صراع متعدد الجبهات.
وتمسك ترمب بموقفه عبر منصة “تروث سوشيال”، مؤكداً أن الاتفاق، الذي ظل محل شد وجذب طوال أشهر، سيجلب “السلام إلى المنطقة بما فيها لبنان”، وأضاف “على جميع الأطراف التراجع، دعونا لا نضيع الفرصة!”.
وتردد هذا الموقف لدى كل الأطراف المعنية، من باكستان الوسيطة إلى وزارة الخارجية الإيرانية التي وصفت لبنان بأنه “جزء لا يتجزأ” من الهدنة. الجميع، ما عدا إسرائيل، وهو استثناء لافت.
هنا تكمن المعضلة، فهل تصمد “الصفقة الكبرى” إذا أصرت إسرائيل على التصرف منفردة وخارج الحسابات الأميركية؟ وما الذي ينتظرها إذا استمرت، على ما يبدو، في التحرك بصورة أحادية، متجاهلة رغبة الولايات المتحدة في لبنان؟ وهل يستطيع نتنياهو، الذي يواجه انتخابات وشيكة، إرضاء الإسرائيليين إذا لم يقدم على أي تحرك؟
بات واضحاً أن الحكومة الإسرائيلية، مدعومة بغالبية الرأي العام، لا تريد إدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار. كما أظهرت استطلاعات الرأي مراراً أن هدنة أوسع مع إيران، وفق هذه الشروط، لا تحظى بشعبية داخل إسرائيل أيضاً.
وأصر وزير الدفاع في حكومة نتنياهو يسرائيل كاتس الإثنين، على أن القوات الإسرائيلية ستبقى منتشرة “إلى أجل غير مسمى” في الأراضي التي تحتلها داخل لبنان، بهدف القضاء على ما تصفه إسرائيل بتهديدات المسلحين.
وأضاف كاتس أنه إذا هاجمت إيران إسرائيل بسبب الأحداث في لبنان، فإن بلاده سترد، مما زاد الشكوك حول مصير الاتفاق.
وفي خطوة صبت مزيداً من الزيت على النار، قال كاتس أيضاً إن ما يسمى “المنطقة الأمنية” داخل الأراضي اللبنانية السيادية سيخلى من السكان المحليين ومن “كل البنى التحتية الإرهابية، بما في ذلك المنازل في قرى التماس”، في إشارة إلى جماعة “حزب الله” اللبنانية المسلحة.
وفي الوقت الراهن، تقع أكثر من خمس مساحة لبنان إما تحت الاحتلال الإسرائيلي أو ضمن مناطق صدرت أوامر بإخلائها، مما أدى إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص.
وعلى رغم أن “هدنة” مع “حزب الله” قائمة منذ أبريل (نيسان)، واصلت إسرائيل قصف مناطق واسعة من البلاد والتوغل أعمق داخل الأراضي اللبنانية، وفي المقابل قصف “حزب الله” أيضاً مناطق عدة في إسرائيل.
ويدمر الجيش الإسرائيلي منذ أسابيع قرى في جنوب لبنان المنهك بالحرب ويسويها بالأرض، فيما يخشى كثيرون في لبنان أن تكون إسرائيل تتبع “نموذج غزة”، أي إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان وتخضع لاحتلال دائم.
وقال “حزب الله”، في بيان مكتوب صدر بمناسبة الاتفاق مع إيران، إن الهدنة “مقدمة لاستكمال الطريق نحو التحرير الكامل لأرضنا”.
لا يوحي أي من ذلك بأننا أمام اتفاق سلام شامل وعملي وقابل للتطبيق.
ومن ثم فإن رفض دعم وقف إطلاق النار في لبنان، ومواصلة التوغل داخل البلاد، يضعان نتنياهو على مسار صدام متزايد التعقيد مع أقرب حلفائه، ترمب، المنشغل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتهنئة نفسه بوصفه الرئيس الوحيد الذي صنع السلام مع إيران، وأول قائد أميركي يحقق “سلاماً حقيقياً” في المنطقة.
وفي مطلع الشهر الجاري، أفادت تقارير بأن ترمب وصف نتنياهو، خلال مكالمة هاتفية غاضبة، بعبارة نابية تعني أنه “مجنون تماماً”، وأمره مجدداً بعدم ضرب بيروت في وقت كانت الولايات المتحدة تسعى إلى إبرام اتفاق مع إيران.
ويبدو أن نتنياهو تجاهل التحذير مرة أخرى، فوجه إليه ترمب رسالة لاذعة جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإن بنبرة أكثر تهذيباً هذه المرة.
وحتى بعد إعلان الاتفاق، تحدثت وسائل إعلام لبنانية عن هجوم بطائرة مسيرة على موقعين في جنوب إسرائيل، في حين قالت مصادر أمنية محلية وأجنبية إن الضربات الإسرائيلية تراجعت.
لا تزال تفاصيل كثيرة تنتظر الحسم خلال الأشهر المقبلة كي تصمد “الصفقة الكبرى” إقليمياً، وأية حرب ضارية بين إسرائيل ولبنان كفيلة بنسفها.
© The Independent
