لكن السؤال الأهم لا يكمن في توصيف اللحظة، بل في اختبار صدقيتها. هل نحن أمام تحوّل حقيقي في بنية التفكير السياسي، أم أمام هدنة لغوية فرضها الإرهاق العام وانسداد الأفق؟ فالتاريخ السوري الحديث علّمنا أن تبدّل الخطاب لا يعني بالضرورة تبدّل الممارسة، وأن المصالح الصلبة كثيرًا ما تعود لتغلب أي مراجعة فكرية عابرة.
لقد أنتجت سنوات الصراع الطويلة طبقات متراكمة من عدم الثقة، ليس فقط بين القوى السياسية، بل داخل المجتمع ذاته. فالتخوين لم يكن مجرد مفردة إعلامية، بل تحوّل إلى ثقافة سياسية كاملة، تُقصي المختلف، وتجرّده من الشرعية الأخلاقية قبل السياسية. وهنا تكمن خطورة المرحلة: إن لم تُستبدل هذه الثقافة بثقافة اعتراف متبادل، فإن أي تقارب سيبقى هشًا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار.
التحوّل الحقيقي لا يبدأ بإعادة تعريف الخصم، بل بإعادة تعريف الذات. أي اعتراف كل طرف بحدود تمثيله، وبأن الوطن أكبر من أي سردية أيديولوجية أو عسكرية أو مناطقية. فالدولة الحديثة لا تُبنى على فكرة “الأكثر نقاءً”، بل على فكرة “الأكثر قدرة على التعايش”. ومن دون هذا الإدراك، ستبقى السياسة السورية تدور في حلقة مفرغة: خطاب تصالحي في العلن، ومنطق إقصائي في العمق.
ثمّة أيضًا بعدٌ اجتماعي لا يقل أهمية عن البعد السياسي. فالمجتمع السوري، المنهك اقتصاديًا والممزق اجتماعيًا، لم يعد يحتمل مزيدًا من الاستقطاب الحاد. الناس اليوم تبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار، وعن إعادة تعريف السياسة بوصفها أداة لتحسين شروط الحياة، لا ساحة لإعادة إنتاج الانقسامات. وهذا التحول في المزاج العام قد يشكّل ضغطًا صامتًا على النخب السياسية لمغادرة منطقة الشعارات والدخول إلى مساحة الحلول العملية.
غير أن الانتقال من “خفض التخوين” إلى “بناء الشراكة” يتطلب ما هو أكثر من النوايا الحسنة. يتطلب قواعد واضحة للعمل السياسي، وضمانات متبادلة، ومسارات حوار جدية لا تُختزل في لقاءات بروتوكولية. كما يتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، لا بوصفها تنازلًا مهينًا، بل كشرط لإعادة بناء الثقة.
المفارقة أن الجميع بات يدرك، بدرجات متفاوتة، أن لا أحد قادر على الحسم الكامل، ولا أحد قادر على الإلغاء النهائي. ومع ذلك، لا يزال بعض الخطاب السياسي يتصرف وكأن لحظة الغلبة الشاملة قابلة للتحقق. وهنا تحديدًا يكمن جوهر المفارقة التاريخية: إدراكٌ نظري بعدم جدوى الإقصاء، يقابله تردّد عملي في مغادرته.
إن كانت هناك فرصة فعلية في هذه اللحظة، فهي تكمن في تحويل التعب الجماعي من الحرب إلى طاقة لإعادة البناء السياسي. أي الانتقال من سؤال “من ينتصر؟” إلى سؤال “كيف نعيش معًا؟”. ومن دون هذا التحوّل في الأولويات، ستظل السياسة أسيرة سرديات الماضي، حتى وإن تغيّرت مفرداتها.
في النهاية، ليست المعجزة أن يتوقف التخوين، بل أن تبدأ الثقة. وليست البطولة أن يُصافح الخصوم أمام الكاميرات، بل أن تُبنى بينهم قواعد اشتباك سياسي تضمن استمرار الاختلاف من دون انفجار. فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية مسار وطني جديد، أو ستُضاف إلى سجل طويل من الفرص الضائعة التي عرفتها سوريا، وأهدرتها.