الكويت – دفعت الحرب في الشرق الأوسط دول الخليج إلى إعادة النظر في مسارات التجارة وتصدير النفط والغاز الطبيعي المسال، ضمن مقاربة إستراتيجية تصطدم بقيود هيكلية وتنافسات اقتصادية، وفق ما يرى خبراء.
ولجأت هذه الدول الغنية والمستقرة، ذات الدور الحيوي في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، إلى تعزيز تعاونها اللوجستي وإنشاء طرق بديلة للتصدير، في مواجهة إغلاق إيران فعليا مضيق هرمز الحيوي منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية أواخر فبراير الماضي.
وفي مقال نُشر مطلع أبريل في صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، اعتبر بدر جعفر، المبعوث الخاص لوزير الخارجية الإماراتي لشؤون الأعمال والعمل الخيري، أن “أيا تكن الطريقة التي ستُحل بها الأزمة الراهنة، فلن تعود أي دولة إلى الاعتماد الإستراتيجي على ممر ضيق تسيطر عليه دولة مجاورة لا يمكن التنبؤ بسلوكها”.
وأضاف أن “خطوط أنابيب النفط ستتوسع، وستُطوَّر الطاقة الاستيعابية للموانئ، كما سيُضفى طابع مؤسسي على شبكات الكهرباء وأنظمة المياه والممرات التجارية التي تربط اقتصادات المنطقة”.
ويشكّل مضيق هرمز شريانا حيويا لصادرات دول الخليج، خصوصا في مجال الطاقة، إذ مرّ عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام ومشتقاته خلال عام 2025، وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة.
ويُعدّ المضيق المنفذ البحري الوحيد لكل من الكويت وقطر والبحرين، التي تعتمد عليه بشكل كامل للتصدير البحري، في حين تمتلك كل من السعودية والإمارات منافذ بديلة عبر خطوط أنابيب تصل إلى البحر الأحمر وخليج عُمان على التوالي.
ويقول روبرت موغيلنيكي، من معهد دول الخليج العربية في واشنطن، إن “إيجاد مسارات تصدير بديلة سيستغرق وقتا”، مشيرا إلى أن تنويع هذه المسارات “سيكون عاملا حاسما في السنوات المقبلة”.
ويرى موغيلنيكي أن التوترات المرتبطة بمضيق هرمز تولّد زخمًا لصالح مشاريع التكامل الإقليمي، لكنه يحذّر من أن هذه المشاريع ستواجه تحديات اقتصادية، إضافة إلى تركيز الحكومات على أولوياتها الوطنية.
وتبرز أهمية هذه التحولات بشكل أكبر في قطاع الغاز الطبيعي المسال، حيث تُعد قطر من أبرز المنتجين في الخليج وعلى مستوى العالم.
السياسية، والتكاليف المرتفعة تجعل مثل هذه المشاريع أقل تنافسية مقارنة بتصدير الغاز عبر الناقلات في الظروف الطبيعية”.
ومع تمركز معظم موانئ الخليج الرئيسية قرب مضيق هرمز، اتجهت سفن الحاويات إلى مرافئ بديلة في سلطنة عُمان أو على الساحل الغربي للسعودية، على أن تُنقل البضائع برًا إلى وجهاتها داخل المنطقة.
وفي هذا السياق، أطلقت السعودية — التي تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز لوجستي إقليمي — ممرات تجارية تعتمد على شبكات الطرق والسكك الحديدية لربط الخليج بالبحر الأحمر وصولًا إلى حدود الأردن.
إلا أن شنايدر يحذّر من أن “الطاقة الاستيعابية لهذه المسارات لا تزال محدودة، كما أن تكاليف النقل البري أعلى بكثير من النقل البحري”، ما يقلّص من جدواها الاقتصادية في المدى القصير.
ورغم ذلك، قد تكتسب هذه المشاريع جدوى أكبر إذا ما جرى ربطها بشبكة السكك الحديدية لدول مجلس التعاون الخليجي، التي كان من المقرر إنجازها بحلول عام 2030، لكنها لا تزال تواجه تأخيرات متكررة.
كما يمكن للأزمة الراهنة أن تعيد إحياء مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي طُرح عام 2023، ويهدف إلى تجاوز مضيق هرمز جزئيًا وقناة السويس عبر دمج النقل البحري بشبكات السكك الحديدية في شبه الجزيرة العربية.
غير أن هذا المشروع لا يزال، بحسب شنايدر، “هشا وأقرب إلى الطرح النظري”، خاصة في ظل عقبات سياسية، من بينها مسار يمر عبر ربط السعودية بإسرائيل، وهو ما يبدو غير مرجّح في الظروف الحالية.
ومن جانبه، يرجّح موغيلنيكي أن تسهم التوترات الراهنة في دفع مشاريع التكامل الإقليمي قدمًا، لكنها ستظل محكومة بقيود اقتصادية وبحسابات سيادية لكل دولة.
ويختم شنايدر بالإشارة إلى أن تراجع عائدات النفط، وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار، وزيادة الإنفاق العسكري، ستضغط جميعها على الموازنات الحكومية، ما قد يؤدي إلى تصاعد “التنافسات الاقتصادية الصفرية” بين دول الخليج.
في المحصلة، تكشف الأزمة الحالية هشاشة النموذج اللوجستي الذي اعتمدت عليه دول الخليج لعقود، والقائم على ممرات بحرية ضيقة يسهل تعطيلها في أوقات النزاعات.
وبينما تفتح التوترات الباب أمام إعادة تشكيل خريطة التجارة والطاقة في المنطقة، فإن الانتقال إلى بدائل أكثر تنوعا واستدامة لن يكون سريعا ولا سهلا، في ظل كلفة مالية مرتفعة وتعقيدات سياسية متشابكة.
وعليه، يبدو أن مستقبل الأمن الاقتصادي الخليجي سيتحدد بمدى قدرة هذه الدول على تجاوز منطق المنافسة الضيقة نحو شراكات إقليمية حقيقية، قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة البناء الإستراتيجي طويل الأمد.