ملخص
السؤال الذي يستحق وقفة حاسمة في واشنطن ليس متى ستغير إيران سلوكها؟ بل عن كيف تفكر الدول التي تراقب نتائج هذه التجربة (الحرب الإيرانية – الإسرائيلية) الآن، والتي كما يبدو ترسخ الانطباع الدولي بأن استنزاف الولايات المتحدة أقل كلفة بكثير من مواجهتها المباشرة، بهذه النتيجة والقراءة السياسية للمشهد فإن التحدي الأميركي مستقبلاً لن يقتصر على طهران وحدها.
في واشنطن وتل أبيب يتكرر سؤال واحد كيف ينجح كيان محاصر ومفلس في فرض حرب استنزاف قاسية على أقوى تحالف عسكري في التاريخ؟ الإجابة ليست عبقرية إيرانية، بل في غياب العامل الاستراتيجي عن أدوات التقييم الأميركية، فواشنطن لا تزال تتعامل مع طهران وفق منطق معايير الدول المستقرة التي تخاف الانهيار الاقتصادي متغافلة عن طبيعتها كنظام عقائدي يقتات على الأزمات، الحقيقة أن إيران تحولت إلى كيان يستثمر في أزماته الداخلية وتوظيفها سياسياً مستفيدة مما يمكن تسميته “حصانة ضد السقوط”.
هذا على مستوى خسارة إسرائيل، بينما في المقابل تتعامل أميركا مع نظام إيراني أثبت أنه بما معناه (ليس لديه ما يخسره) فهو قياساً بدول التحالف ليس لديه هذه الخسارة المحتملة، فعلى رغم أن طهران تتكبد خسائر فادحة تتمثل في تهاوي قيمة عملتها وغياب الاستثمار الأجنبي وتراجع قدرتها الصناعية فإنها طورت عبر أعوام طويلة من الأزمات الاقتصادية شبكات اقتصاد موازٍ مكنتها من التعايش مع العقوبات، والتلويح بضغوط اقتصادية إضافية لم يعد مجدياً مع نظام اعتاد العمل خارج منطقة تحركات وتعاملات النظام المالي العالمي.
على جانب آخر ميدانياً عمدت إيران إلى فرض إرهاق مالي ونفسي طويل المدى على التحالف الأميركي – الإسرائيلي، وتتكشف عبثية هذا المسار عند مقارنة السردية السياسية بالواقع، فبينما تسوّق مسودة تفاهمات واشنطن لإنهاء الحرب ثم الاحتفاء بفكرة أن الاتفاق جاء بعد تدمير أميركي لشبه كامل قدرات إيران العسكرية والصاروخية، تأتي التقديرات التي نشرتها شبكة “سي أن أن” لتنسف هذا الادعاء، كاشفة بالاعتماد على صور الأقمار الاصطناعية أن طهران لا تزال تحتفظ بنحو 1000 صاروخ، وأعادت بناء 50 منشأة صاروخية محصنة تحت الأرض، وجود هذه المعطيات يقود إلى نتيجة مباشرة تستدعي إعادة قراءة المشهد الحربي والسياسي، وبحسب هذه المعطيات فإن الضربات العسكرية لا تعني تدمير القدرة الإيرانية، بل دفعت النظام الإيراني ببساطة إلى إعادة تدوير نظامه العسكري وتقليل أثر تلك الضربات.
هذا الواقع الميداني يفسر التعقيد الحاصل في المسار الدبلوماسي اليوم ويفضح التناقض بين طموح التفاوض الأميركي وحقيقة مكاسبه.
تقارن واشنطن اليوم بين اتفاق أوباما لعام 2015 الذي حصر التنازلات بالملف النووي والإفراج عن أكثر من 100 مليار دولار من الأصول، وبين مسودة ترمب الحالية التي تشترط وقف القتال بجميع الجبهات وتضع سقفاً مالياً لتخفيف القيود لا يتجاوز 6 مليارات دولار، قد يعتقد المخطط الأميركي أن تقليص المبلغ جذرياً يمثل انتصاراً سياسياً لكنه في لغة الاستنزاف في الحروب مجرد فخ.
هذا الفخ يتجلى بوضوح عند تفكيك مبدأ (قابلية استبدال الأموال) ففي كل الاتفاقات بما فيها مسودة الـ6 مليارات دولار تضع واشنطن شرطاً يقضي بأن هذه الأموال مخصصة للأغراض الإنسانية فقط كالغذاء والدواء، لكن في قراءة اقتصادية أعمق المال قابل للاستبدال، فإذا كان النظام الإيراني مجبراً على اقتطاع مليار دولار من موازنته الداخلية المتهالكة لشراء الدواء لتهدئة الشارع على سبيل المثال ثم جاءت أميركا ودفعت هذا المليار من الأموال المجمدة فإن طهران ستأخذ المليار الداخلي الذي وفرته وتضخه مباشرة في موازنة الحرس الثوري، والنتيجة العملية هي أن هذه الأموال موّلت السلاح بصورة غير مباشرة.
وتكتمل هذه العبثية بلغة أرقام الحرب والسياق العسكري غير المتكافئ، فمبلغ 6 مليارات دولار قد يبدو ضئيلاً جداً بالنسبة إلى الاقتصاد الأميركي لكنه ثروة فلكية في اقتصادات الحروب غير المتكافئة، فتكلفة الطائرة الإيرانية المسيّرة تراوح ما بين 20 و50 ألف دولار كحد أقصى، بعملية حسابية بسيطة، لو تم توجيه نصف مليار دولار فقط من هذه الأموال المفرج عنها لخطوط الإنتاج فهذا يعني إنتاج أكثر من 10 إلى 20 ألف طائرة مسيّرة إضافية.
هذا ما حذر منه مركز الحرب الأميركي صراحة حول الإفراج عن الأموال المجمدة، وأن اعتقاد ترمب أنه يستخدم هذه الأموال كورقة ضغط لترويض دولة تحتاج إلى السيولة لإنقاذ عملتها المنهارة وشعبها الجائع، لكن النظام الإيراني لا يفاوض لإطعام الجياع، هو يفاوض لانتزاع السيولة النقدية التي ستسرع وتيرة إعادة بناء قدراته الصاروخية، وطاولة المفاوضات اليوم لا تصنع سلاماً، بل تناقش توقيع شيكات تمويل.
السيناريو الأكثر سخرية الذي يلوح في الأفق الآن هو أن تنجح طهران فعلياً في تمرير هذه التسوية تحت عنوان (التهدئة) ولقراءة المشهد من جانب مختلف ربما يكون الخطأ الأكبر الذي ارتكبته واشنطن هو أنها ما زالت تنظر إلى إيران باعتبارها المشكلة، بينما تكشف التجربة الإيرانية عن مشكلة مختلفة تماماً، وإذا صح هذا التقدير، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق بقدرة إيران على الصمود بقدر ما يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على الصورة الذهنية لخياراتها الاستراتيجية التي تباهت بها عقوداً.
إن السؤال الذي يستحق وقفة حاسمة في واشنطن ليس متى ستغير إيران سلوكها؟ بل عن كيف تفكر الدول التي تراقب نتائج هذه التجربة (الحرب الإيرانية – الإسرائيلية) الآن والتي كما يبدو ترسخ الانطباع الدولي بأن استنزاف الولايات المتحدة أقل كلفة بكثير من مواجهتها المباشرة، بهذه النتيجة والقراءة السياسية للمشهد فإن التحدي الأميركي مستقبلاً لن يقتصر على طهران وحدها.
في هذه الحال ستكون إيران قد حققت مكسباً يتجاوز مجرد الصمود والخسارة، وهو إثبات أن هناك قوى أصغر وأضعف قادرة على إرهاق القوة الأعظم في العالم وفرض خسارة استراتيجية واقتصادية حقيقية عليها من دون الحاجة إلى تفوق عسكري، ويبقى السؤال: لماذا تحولت المفاوضات من نقاش حول وقف الحرب إلى نقاش حول آليات إعادة بناء القوة الإيرانية بعد الحرب؟
