يقول مثل فرنسيّ: “On ne va pas au marché sans panier” أي “لا يذهب المرء إلى السوق بلا سلّة”. حين طرق إيمانويل ماكرون باب دمشق الجديدة أمس، حيث كان في استقباله بمطارها الدولي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، لم يأت إليها بيدين فارغتين، ولا بعين دبلوماسيّة فقط. بل حمل معه انتقالاً فرنسيّاً واضحاً من مراقبة التحوّل السوريّ إلى محاولة الدخول المباشر في صناعته: سياسياً، واقتصادياً، وحتى على مستوى الذاكرة.
تقول مصادر دبلوماسيّة متابعة لـ”أساس” إنّ باريس تتعامل مع الزيارة كاختبار مزدوج: تثبيت قناة سياسيّة رفيعة مع دمشق الجديدة، وفتح باب اقتصاديّ مبكر أمام الشركات الفرنسيّة في مرحلة إعادة الإعمار. الرئيس الفرنسيّ، بحسب المعلومات، لا يأتي وحده، بل يرافقه وفد اقتصاديّ يضمّ نحو عشرة فاعلين وممثّلين عن شركات فرنسيّة كبرى، بعضها من نادي الشركات المدرجة في مؤشّر CAC 40، أي المؤشّر الأبرز في بورصة باريس، الذي يضمّ أربعين من أكبر الشركات الفرنسيّة المدرجة والأكثر تداولاً.
بحسب معطيات فرنسيّة، لا يتوقّف الأمر عند حضور اقتصاديّ عامّ، فالوفد المرتقب يضمّ شخصيّات من شركات كبرى تعمل في قطاعات حسّاسة وسياديّة، من الطاقة إلى البنى التحتيّة والقطاعات ذات الطابع الاستراتيجيّ. بهذا المعنى، لا تبدو الزيارة رسالة سياسيّة إلى دمشق، بل محاولة فرنسيّة لحجز موقع مبكر في السوق السوريّة المقبلة.
ذاكرة اللّوفر
تزامناً مع الزيارة، تبرز خطوة فرنسيّة ذات بعد رمزيّ لا يقلّ أهميّة عن السياسة والاقتصاد. فبحسب معلومات متداولة، ستسلّم فرنسا إلى سوريا ثلاثاً وعشرين قطعة أثريّة تعود ملكيّتها إلى سوريا، وكانت موجودة في متحف اللوفر. هذه الخطوة، إذا اكتملت في توقيتها، تمنح زيارة ماكرون معنى إضافيّاً: لا تعود باريس إلى دمشق عبر الشركات والعقود فقط، بل عبر الذاكرة أيضاً.
سوق مفتوحة
تدرك باريس أنّ سوريا الجديدة فتحت باباً واسعاً أمام الدول الراغبة في العودة إلى المشرق من بوّابة الاقتصاد. لذلك، وباللغة الأقلّ دبلوماسيّة، لا تريد باريس أن تكتشف لاحقاً أنّ كعكة سوريا قُسّمت، وأنّها لم تحجز مقعدها على الطاولة.
تأتي الزيارة أيضاً بعد تحوّل أساسيّ في ملفّ العقوبات، فباريس كانت قد تعهّدت، منذ استقبال الشرع في الإليزيه، بالدفع نحو تخفيف العقوبات الأوروبيّة والأميركيّة، وهو ما فتح الباب أمام انتقال النقاش من السياسة وحدها إلى الاقتصاد وإعادة الإعمار.
بحسب مصادر متابعة لـ”أساس”، لا تقف الحركة الفرنسيّة عند زيارة ماكرون وحدها. فهناك تنسيق لزيارة اقتصاديّة أوسع في نهاية العام، على مستوى رجال الأعمال والشركات، تضمّ عدداً أكبر من الفاعلين الفرنسيّين، وتفتح باب تواصل مباشر بين الشركات الفرنسيّة والسوريّة. بهذا المعنى، تبدو زيارة ماكرون دفعة أولى، على أن تكون نهاية العام محطّة ثانية في مسار اهتمام فرنسيّ متدرّج بالسوق السوريّة.
اعتراف مشروط
لكنّ البعد الاقتصاديّ لا يلغي البعد السياسيّ. فبحسب مصادر “أساس”، ترى فرنسا أنّ التعامل مع الشرع بات أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه. كان استقبال الشرع سابقاً في باريس خطوة أولى، وأمّا ذهاب ماكرون إلى دمشق فهو خطوة أكثر رمزيّة.
تمنح الزيارة الشرع دفعة دوليّة مهمّة. فهي لا تأتي من دولة عاديّة، بل من فرنسا، الدولة الأوروبيّة التي لطالما اعتبرت نفسها معنيّة بسوريا ولبنان وبلاد الشام. لكنّ هذه الدفعة ليست شيكاً على بياض. فباريس، وفق مصادر متابعة، تريد من دمشق أجوبة واضحة عن حماية الأقليّات، بناء المؤسّسات، ضبط الأمن، محاربة التنظيمات المتطرّفة، وإعادة تكوين الدولة على أسس أكثر استقراراً.
تأتي الزيارة بعد التفجير الذي شهدته دمشق في الثاني من تمّوز، وهو ما يجعل البعد الأمنيّ حاضراً بقوّة في محادثات ماكرون والشرع. تنظر فرنسا إلى استقرار سوريا باعتباره جزءاً من أمن المنطقة وأوروبا معاً، لا ملفّاً داخليّاً سوريّاً فقط.
تقول مصادر “أساس” إنّ النقاشات ستشمل مكافحة الإرهاب، ضبط الحدود، منع عودة الفوضى، وإعادة بناء المؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة بمنطق جديد. تعرف باريس أنّ أيّ انهيار أمنيّ جديد في سوريا لن يبقى محصوراً داخل حدودها.
ظلّ لبنان
ليس لبنان بعيداً عن جدول الزيارة، حتّى لو لم يكن العنوان المعلن. فبحسب مصادر دبلوماسيّة متابعة، تنظر باريس إلى دمشق الجديدة كطرف لا يمكن تجاهله في ملفّات الحدود، النازحين، الاستقرار اللبنانيّ–السوريّ، والتوازنات الإقليميّة المحيطة بلبنان.
ستكون إسرائيل وتركيا والعراق والخليج حاضرين أيضاً في خلفيّة النقاش. فسوريا الجديدة ليست ملفّاً واحداً، بل عقدة ملفّات. ومن يزور دمشق اليوم لا يزور عاصمة معزولة، بل يقترب من مركز توازنات إقليميّة قيد التشكّل.
في الشكل، سيظهر ماكرون في دمشق كأوّل رئيس غربيّ يزور سوريا الجديدة. في الجوهر، ستكون الصورة أكبر من ذلك: رئيس فرنسيّ يعيد فتح الباب الغربيّ إلى دمشق، ورئيس سوريّ جديد يحصل على لحظة اعتراف دوليّة عملياً، وبلد يحاول الخروج من ركام الحرب إلى حسابات الدولة والاقتصاد والنفوذ.
عادت دمشق إلى الطاولة، وفرنسا قرّرت أن تحجز كرسيّها باكراً.
