وُلِد إسكندر حبش في بيروت في عام 1963 من عائلة هُجِّرت من مدينة اللد في فلسطين عام 1948. بدأ مشواره الشعري من على صفحات جريدة “النهار” في سبعينيات القرن الماضي فيما كان لا يزال على مقاعد الدراسة. ثم بدأ مشواره الصحافي النقدي شابًا مشاكسًا ينتقد الجو الثقافي، مع جريدة “ميكروب” الذي كان يطبعها ورفيقه شبيب الأمين على الدكتيلو ويوزعانها باليد في شارع الحمرا؛ يقول عنها في كتاب حوارات جمعه بالزميلة دارين حوماني بعنوان “هجرتان وأوطان كثيرة”: “حاولت ’ميكروب’ عبر نصوصها أن تنتفض على ما كان سائدًا، أن ترمي حجرًا صغيرًا في بركة مياه. نقد الواقع؟ ملنا أكثر إلى نقد الواقع الثقافي الذي كان يلف تلك الفترة. لا أنسى ما كتبناه – بل لا أنسى مهاجمتنا مثلًا – لملف كانت أعدته الصفحة الثقافية لجريدة ’السفير’، حيث كتبنا ضده بسخرية كبيرة (وغير ذلك بالطبع، كأن نضع مثلًا كلمات النشيد الوطني اللبناني، بكونه أهم قصيدة سوريالية كتبت في لبنان)”.
بدأ إسكندر حبش مشواره في جريدة “السفير” منذ ثمانينيات القرن الماضي، صحافيًا ومترجمًا لأبرز المقالات والنصوص الأدبية في الصحافة الفرنسية والأوروبية، واستلم رئاسة القسم الثقافي فيها في السنتين الأخيرتين من عمر الجريدة حتى نهاية عام 2016.
ترجم حبش عن الفرنسية ما يزيد عن أربعين كتابًا. وكتب 7 دواوين شعرية، منها “بورتريه رجل من معدن” (1988) – “نصف تفاحة” (1993) – “تلك المُدن” (1997) – “أشكو الخريف”، و”لا أمل لي بهذا الصمت” (2009) – “لا شيء أكثر من هذا الثلج” (2013) – “إقامة في غبار” (2020)، وكان آخرها “نتأخر عن الحياة” (2023). علمًا أن العديد من دور النشر العربية أعادت نشر مختارات شعرية له. كما أن له العديد من الكتب في النقد.
من ترجماته الأخيرة التي صدرت هذا العام:
“مقالة عن فلسفة باسكال” للفيلسوف ليون شيستوف؛ “رسالة متأخرة إلى ريلكه” للكاتب كريستيان بوبان؛ “الأمس والغد- أفكار مختصرة” للفيلسوف غوستاف لوبون؛ “الممهدون للفلسفة النقدية” للفيلسوف إتيان فاشورو؛ “إله سبينوزا” للفيلسوف فيكتور بروشار؛ “حين أكون وحدي” للشاعر أوجين غيوفيك؛ “حاجة الإنسانية إلى الميتافيزيقيا” للفيلسوف آرثر شوبنهاور؛ “كنت الجزء الأنثوي من ظلك” للشاعرة أكسينيا ميخايلوفا؛ “انظرْ كيف نموتُ ببطء” مختارات شعرية للشاعر يوجينيو دو أندرادي؛ “تحذير إلى أوروبا” للروائي توماس مان؛ “هبة النبوة- حول فكر دوستويفسكي” للفيلسوف ليون شيستوف؛ “لا أجرؤ على تصديق النهر” مختارات شعرية للشاعر آلان بوسكيه؛ “راعي القطيع وقصائد أخرى”- الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر ألبرتو كايرو.
كما أصدر حبش سلسلة من الكتب جمع فيها مختارات من مقالاته التي كتبها منذ فترة عمله في جريدة “السفير”، وجاءت السلسلة بعنوان “ترحلات في الثقافة والكتابة” وكان آخرها الكتاب الخامس بعنوان “سقوط الذاكرة سقوط الشعر”.
عاش إسكندر حبش للكتابة فقط، وترك لنا وفينا الكثير. يقول في كتاب “هجرتان وأوطان كثيرة”: “نحاول أن نقنع أنفسنا في النهاية، بأننا ننتمي إلى الكتابة، التي شكّلت لنا وطنًا نفصّله على مقاساتنا؛ وطنًا لا تلعب فيه الأفكار القومية الصافية دور الجلاد. لا مكان في الثقافة لهذه “القومية الصافية” البلهاء. إننا نتاج كلّ ما عشناه”.
وكان حبش يكتب على صفحته الفيسبوكية بشكل أسبوعي نصوصًا بعنوان “يوميات مستر س” وهي يومياته مع مرض السرطان. ومن نصوصه:
عاد السيد س (وهو الذي لم يغادر) ليقرع الباب بقوة أكبر. عادة، لا أفتح إلا لمن لا يطرق على بابي (كما يقول بيسوا)، لكنني هذه المرة أرغب في تغيير عاداتي. هباء تبدو هذه الرحلة بأسرها. فحبّ الحياة هو قمة اليأس الفعلي.
يوميات مستر س 3:
لا شيء، على مرّ هذه الأيام، سوى الشعور الحاد بأن قدرتي – على القيام بأي شيء، ومنها القراءة – تبدو وكأنها تختفي. ما أن أصل إلى صفحتين، حتى أشعر بدوار. “عليك أن تتعاطف مع نفسك”، يقول لي الطبيب. لا أعرف إن كانت جملته مزاحًا أو حقيقية طبية. مقابل هذا الوهن، لجأت إلى بديل، يبدو بدوره بديلًا ضعيفًا للغاية: تجميع أشياء لم أكن أقوم بها قبلًا. ثمة شعور بحاجة ماسة إلى أن أراكم وأخزن علبًا كرتونية، صناديق صغيرة، دفاتر، أقلام رصاص، لأضع لها قوائم، وبيانات. كأنني بذلك أرغب في حفظ الكلمات، أو الجُمل، التي قرأتها ذات يوم. هناك بالتأكيد مكان يتحرر من هذا الهوس، لكنه سرعان ما يجد هوسًا آخر ليحلّ محله. قبل أشهر، كان بإمكاني السكن في جميع الأجساد الموجودة على الأرض، أما اليوم، فأشعر بسعادة غامرة، فيما لو تمكنت من الانتقال من غرفة إلى أخرى، من غرف جسدي التي تقفل خلفها الأبواب. ثمة غرفة لا تزال مفتوحة أمامي: غرفة الطفولة. يا ليتني بقيت فيها ولم أغادرها…
يوميات مستر س 11:
“الوحدة هي غياب الزمن”. كما يكتب ليفيناس. ويضيف: “لا يُشكل الزمن حدود الكائن بل علاقته مع اللانهائي”. الكتابة أيضًا، هي العلاقة مع هذا اللانهائي، لأنها كينونة أيضًا. كلّ سؤال عن موت الكتابة، يصبح لاغيًا. لأن الموت – وأقتبس من ليفيناس أيضًا – “لا يبدو فناء، بل هو سؤال ضروري كي تحدث هذه العلاقة مع اللانهائي أو الزمن”.
وحدة الكتابة لا تعني مطلقًا أن تكون وحيدًا. يتوقف الكاتب (والإنسان بشكل عام) “عن أن يكون كائنًا، حين يكون وحده بالضبط” (ليفيناس، أيضًا).
حين تكتب، فأنت لست وحيدًا. على الأقل، لأن الكلمات مأهولة بأشياء كثيرة: أشخاص، مدن، حروب، أمراض، إلخ… فقط لا تدعها تصرخ. غلّفها بالصمت.
كل ما يهب الحياة لعبارتك، سوف تشاهده وهو يموت في الكلمة التي تكتبها؛ الكلمة إذًا، هي حياة هذا الموت، هي الحياة التي تحمل الموت وتنتصب في داخلها.
| يقول في كتاب “هجرتان وأوطان كثيرة”: “نحاول أن نقنع أنفسنا في النهاية، بأننا ننتمي إلى الكتابة، التي شكّلت لنا وطنًا نفصّله على مقاساتنا” |
كلمات في رحيله
ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بكلمات العزاء والحب إثر نشر زوجته، الإعلامية شيرين موسى،خبر وفاته ببضع كلمات مؤثرة: “حبيبي راح.. الصحافي الشاعر والمترجم إسكندر جبران حبش… الله معك يا اسكندر.. متل ما خبرتك اليوم ومبارح وكل يوم… ناطرتك تزورني كتير، وما تطول الغيبة عليي.. بحبك”.
ومما كتب في رثائه:
المخرج المسرحي يحيى جابر (لبنان): مات إسكندر حبش. عشنا صداقة شعر ونثر وكبة نية وسجق وميكروب شبيب الأمين ومقهى الويمبي وجريدة سفير وكاس شي اندريه، عشنا كثيرًا ثم افترقنا بصمت ودخلنا في غيبوبة صداقة.
مات المترجم لجيلنا. مات فتى الحانة والراقص بكأس.
إسكندر المثقف الإسكافي بلغته مضى بلا حذاء. يا اسكندرنا، شارع الحمرا لن يفتقدك ولن يفتقدني لأن شارع الحمرا مات قبلنا.
سرطانك كان أسرع من سرطاني… الحياة والموت مزحة.
اضحك يا إسكندر.
الشاعر أسعد الجبوري (العراق): الصاعقةُ تتمادَى الآن… فتحرقُ أجمل الأشجار في غابة اللغة. الأخ الشاعر المترجم إسكندر حبش يتحرّر من آلامه بالذهاب إلى فضاءات ما بعد الموت. مَنْ غير الكلمات ستمشي خلفك حِدادًا يا صديقي.
الروائي مروان عبد العال (فلسطين): وداعًا إسكندر حبش رفيق وصديق وفقيد الثقافة العربية.
مثّل إسكندر حبش نموذج المثقف الملتزم، المؤمن بأن الكلمة موقف، وأن القصيدة لا تنفصل عن قضايا الحرية والعدالة. احتضن التجارب الثقافية الفلسطينية الشابة، وكان صوته الداعم لكلّ محاولةٍ تُعيد للثقافة معناها التحرّري، مجسّدًا بفكره وسلوكه معنى المقاومة الثقافية بوصفها جبهةً موازيةً لجبهة الكفاح الوطني.
برحيله، تخسر فلسطين ولبنان والأمة العربية صوتًا نبيلًا من أصوات الوعي الجمالي والسياسي، وشاهدًا على زمنٍ ظلّ فيه الشعر بيتًا للكرامة، والموقف فعلاً للمقاومة، واللغة وطنًا لا يُنفى.
الفنان والروائي عبد الحليم حمود (لبنان): غادر إسكندر حبش هذا العالم كما يعبر الطائر من غيمة إلى غيمة، بحبرٍ حيٍّ لا يجفّ. ترك وراءه عبق جريدة “السفير”، مقهى الكلمات، والكرسي الذي طالما حمل جسده المتعب وروحه المشتعلة بالأسئلة.
كان الكاتب الذي تنفّس عبر الحروف، وجعل من الورق مساحة حياة، ومن الجملة معركة ضد الفناء.
في سنوات عمله الطويلة، حوّل الصحافة إلى شكل من أشكال الشعر، وترك في كل مقال نبرةً دافئة كأنها حديث شخصي مع القارئ. كان الحرف عنده مقاومة، والقلم رفيقًا صلبًا يشبه نبضه العنيد.
واجه السرطان بصلابة الجبال، كتب في قلب المعركة، ورفع الحبر درعًا في وجه الألم. كان يحوّل الورم إلى حافز، ويستخرج من وجعه معنى إضافيًا للحياة.
في حضوره طاقة إنسانية آسرة، صداقة تشبه العافية، وكرم يشبه بيروت حين تبتسم بعد المطر. كان يرى الجمال في التفاصيل: في ورقة شجرةٍ على الرصيف، في لفتة صديقٍ يمدّ فنجان القهوة، في لحظة الكتابة التي تشبه صلاة بلا طقوس.
عاش إسكندر حبش بكرامة المبدع الذي يرفض الانكسار، وأحب الحياة كما يحب البحّار الموج الذي يختبره كل يوم. كتب ليعيش أكثر، وليمنح الحبر معنى الدهشة.
الشاعر والمترجم محمد مظلوم (العراق): إسكندر حبش، ها أنا أرثيك من بغداد وهي مرثية عجلى ليس إلا.
الأسبوع الماضي اتصلت بك متمنيًا أن تخبرني عن جديد (مقاومتك) وانتصاراتك على (السيد س).
فقبل أشهر وعدتني حين زرتك في بيروت أن هناك المزيد لتنجزه قبل أن ينتهي الصراع المحسوم سلفًا. حاولت أن تكون (اسكندرًا حبشيًا) وأنت تواصل التدخين والكتابة رافضًا الاستسلام المبكر، لكن إرادة الحياة، مهما كانت الروح سامية، محكومة بذبول الجسد.
الأسبوع الماضي جاء صوتك على الهاتف ضعيفًا ولمحت فيه اعترافًا بأنها الجولة الأخيرة في الصراع مع (السيد س) لكنك لم تنس أن تسأل عن صحة أصدقاء محتضرين ومرضى من جيلنا حتى وأنت في احتضارك. نرثي الأصدقاء لكننا في الواقع نرثي العمر.
إنه عمر من الصداقة، صداقة بعمر منفاي (35 عامًا). منذ أول حوار صحافي معي في المنفى أجريته ونشرته في (السفير). عمر بين بيروت ودمشق ومدن لبنانية وسورية شتى.
عمر بين مكتبك في (السفير) ونهاراتنا في المودكا والويمبي وليالينا في الحانات الأرمنية الصغيرة وأحلامنا في الشعر والترجمة ورثاء الآخرين من أحياء وموتى.
عمر نشترك فيه بتاريخ الميلاد ونفترق بتاريخ الرحيل.
هل هو فرق كبير؟
هل كان العمر هباءً بكل أحلامه وخيباته؟
أيهما النار وأيهما الرماد؟
هل أجهزت الخيبات على الأحلام؟
هل أتممت كتبك المكدسة في ملفاتك ورأسك ليكتمل طقس رحيلك حيث ما من مزيد يستحق البقاء؟
في هذه الليلة لا طقوس سوى الحزن
أودعك يا إسكندر
أودعك أيها الصنو
أودعك من بغداد إلى دمشق وبيروت؟
الكاتب حمزة البشتاوي (فلسطين): نشيد الوداع إلى صديقي الحلو إسكندر حبش.
كيف لي وأنا أستعيد شريط الذكريات عنك ومعك أن أكتب في رحيلك نشيدًا ملحميًا وأنت أخذت حلو الكلام معك وبقيت رغم التعب جميلًا كالوطن وصاحب تجربة أدبية فذة وفريدة وشعرًا من لحم ودم.
ستبقى يا حلو الكلام بيننا كلهفة الأغاني ودمع العنب ودالية الكرمل وبيارات اللد وسحر بيروت.
يا صديقي الحلو والمحب أحاول الآن البحث في قاموس المراثي عما يليق برحيلك المر الذي لن يجعل اسمك الحلو يغيب لأنه من أسماء البلاد بلادنا التي تعيش جنازاتنا المؤجلة في الذاكرة والتاريخ والوجود والحكايات.
أيها الصديق الصحافي الشاعر والمترجم والأديب الحلو ما زلنا بحاجة لنصوصك النثرية الباهرة التي يمكن لنا أن نستلهم منها أول النشيد عن الروح والحب وفلسطين التي تنشد لك بصعوبة بالغة مع بيروت نشيد الوداع.
المخرج يوسف الرقة (لبنان): قالوا لي اسكندر حبش رحل، وأنا لا أصدق الرحيل، هو يسير على ضفة النهر معانقًا شيرين، وهو يتأمل الحياة، اسكندر لا يرحل…
المبدعون لا يرحلون…
اسكندر، الذي كنت أناديه تحببًا “الإسكندر” وجه ثقافي في الإعلام والنقد والشعر والترجمة، سألته يومًا عن الشعر النثري فقال “الشعر بالنثر” هو التعبير الأصح، وهو الذي يواكب العصر.
تاريخ إسكندر حبش لا يمكن اختصاره بكلمات قليلة.
الشاعر سعيد الباز (المغرب): مات إسكندر حبش أعزّ الشعراء اللبنانيين في حياته وشعره وعمله الصحافي ظلّ كبيرًا وصامدًا. غلبه المرض ولم تغلبه الذاكرة… كان قويًا في داخله. عمق لم أستطع أن أعرف كنهه إلّا في ليلة عابرة في الدار البيضاء، كان يلفّ سيجارته وينفث دخانها بعيدًا كأنّه يطرد الواقع بعيدًا عنه. الآن، فهمتُ جيدًا، لماذا تزيح مجال الرؤية عن وجهك وترسلها طواعية إلى أكثر الأمكنة سرية في حياتك. أنا حزين، لكنّي مطمئن أن الحزانى أيامنا قليلون، والباقي لم تعد لديهم ما يكفي من المشاعر ليدركوا ماذا يعنيه موت شاعر.