بعد سقوط نظام بشار الأسد، يقف الرئيس السوري أحمد الشرع أمام تحدٍ مزدوج: بناء دولة قائمة على الحوكمة والشفافية، ومواجهة إرث الفساد والمحسوبية التي خلفها النظام السابق. وبين وعود الإصلاح ومخاطر إعادة إنتاج القديم، تبدو تجربة الشرع اختبارًا لشرعية جديدة في سوريا المنهكة.
دمشق- في سوريا الخارجة من واحدة من أكثر الحروب تدميراً في تاريخها الحديث، يقف الرئيس أحمد الشرع أمام معركة من نوع مختلف؛ معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بمفاهيم الحكم الرشيد والحوكمة، في مواجهة إرث ثقيل من الفساد والمحسوبية الذي تركه نظام بشار الأسد، وتورّطت فيه لاحقاً بعض القوى التي شاركت في إسقاطه.
وبين وعود الإصلاح ومخاوف إعادة إنتاج النظام السابق، تتبلور ملامح صراع جديد داخل السلطة السورية الوليدة، عنوانه الموازنة بين الولاء والكفاءة.
وفي أحد الاجتماعات التي جمعته بأكثر من مئة من أنصاره السابقين في قاعدته القديمة التي كانت يوماً مركزاً للمعارضة المسلحة (إدلب)، أبدى الشرع استغرابه من ارتفاع رواتب المسؤولين الحكوميين ومن مظاهر الثراء التي تحيط بهم.
وقد تساءل أمام الحاضرين، وهو يشير إلى السيارات الفاخرة المصطفة في الخارج، إن كان المسؤولون قد نسوا جذورهم الثورية. ولم يطل الوقت حتى تحولت كلماته إلى أوامر مباشرة، إذ طالب الموظفين الذين يمتلكون سيارات فخمة بتسليم مفاتيحها أو مواجهة التحقيق بتهم الفساد.
◙ بين وعود الإصلاح ومخاوف إعادة إنتاج النظام السابق، تتبلور ملامح صراع جديد داخل السلطة عنوانه الموازنة بين الولاء والكفاءة
ورغم أن وزارة الإعلام حاولت لاحقاً التخفيف من حدة المشهد ووصفت اللقاء بأنه «غير رسمي»، مؤكدة أن أحداً لم يسلّم مفاتيحه فعلاً، إلا أن الواقعة كشفت عن توتر حقيقي في العلاقة بين الرئيس الجديد وبيئته الموالية.
ويجد الشرع، القادم من خلفية فصائلية تعتمد على الولاء والهيمنة، نفسه اليوم مطالباً ببناء مؤسسات قائمة على الانضباط الإداري والمساءلة، وهي ثقافة لم تعرفها سوريا منذ عقود.
ومنذ إسقاط نظام الأسد في ربيع 2024، واجهت سوريا فراغاً مؤسسياً خانقاً. فشبكات الولاء والاقتصاد الموازي التي كانت تديرها الأجهزة الأمنية والنخب التجارية ظلت فاعلة في الظل، حتى بعد سقوط النظام.
ومع وصول أحمد الشرع إلى السلطة، بفضل تحالف هش بين فصائل عسكرية سابقة وتكنوقراط منشقين، بدأ التحدي الحقيقي: كيف تُبنى دولة على أنقاض دولة منهارة، دون الوقوع في فخّ إعادة إنتاج أدوات القمع ذاتها التي أطاحت بها الثورة.
واكتسب الشرع، الذي صعد من صفوف المعارضة المسلحة، شعبيته من خطابه الثوري الرافض للفساد، لكنه يواجه اليوم انتقادات متزايدة من أطياف داخلية ترى أن حكومته لم تنجح بعد في تحقيق القطيعة المطلوبة مع منظومة الامتيازات القديمة. فالكثير من رجال الأعمال الذين عادوا إلى دمشق بعد سقوط الأسد احتفظوا بمواقعهم الاقتصادية، وإن بواجهة جديدة، وهو ما يثير الشكوك حول مدى عمق عملية التغيير.
وتواجه سوريا الجديدة واقعا شديد الصعوبة. فالبنية التحتية مدمّرة، والاستثمار الخارجي شبه غائب، والعملة المحلية تواصل الانهيار رغم محاولات البنك المركزي وقف النزيف.
وقدّر خبراء اقتصاديون خسائر البلاد منذ اندلاع الحرب بأكثر من 500 مليار دولار، فيما يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر. وفي ظل هذا المشهد، تصبح أي حملة لمكافحة الفساد محكومة مسبقاً بحدود الواقع المالي المنهك ومصالح النخب النافذة.
◙ تراهن موسكو وطهران – اللتان ساهمتا في رسم خريطة ما بعد الأسد – على بقاء نظام مستقر ولو على حساب الإصلاح الحقيقي، خشية أن يؤدي أي تفكك جديد إلى فراغ يعيد الفوضى إلى البلاد
وواجهت محاولات الشرع لإرساء نموذج جديد من الحوكمة أيضاً تحديات سياسية داخلية. فالمؤسسات الأمنية، التي لم تُحل بالكامل بعد، لا تزال تتصرف بعقلية ما قبل الثورة، وتتعامل مع ملف الفساد أحياناً كأداة لتصفية الخصوم السياسيين لا كإصلاح إداري حقيقي.
كما أن الصراعات داخل المعسكر الحاكم، بين جناح إصلاحي يسعى إلى بناء دولة مؤسسات وجناح مصلحي متمسك بمكتسبات النفوذ، تجعل مسار الشرع محفوفاً بالمخاطر.
ورغم رفعه شعار «محاربة الفساد»، إلا أن خطوات الشرع أثارت أيضاً شبهات بالمحاباة العائلية. فحكومته تضم عدداً من أقاربه في مواقع اقتصادية حساسة، خصوصاً أشقاءه الذين يديرون قطاعات الاستثمار والأعمال.
وقد تعرض أحدهم، جمال الشرع، للتحقيق وإغلاق مكتبه بعد اتهامات باستغلال نفوذه لتحقيق مكاسب شخصية. لكن السلطات لم تُعلن توجيه أي تهم رسمية له، مكتفية بالتأكيد على أنه لا يشغل أي منصب حكومي، ما فتح باب التكهنات حول مدى جدّية الرئيس في كبح الفساد داخل دائرته المقربة.
ويقول محللون إن الرئيس الشاب يحاول أن يوازن بين الحاجة إلى الثقة في إدارة الملفات الحساسة، والخشية من تغوّل المحسوبية التي أسقطت سلفه.
ويدرك الشرع أن تجربة الأسد تحولت إلى نموذج تحذيري لأي زعيم في المنطقة: سلطة عائلية مطلقة، بلا شفافية، أدت في النهاية إلى انفجار شعبي دمّر البلاد. لكن، في المقابل، يواجه ضغوطاً من داخل معسكره الثوري الذي يخشى أن يؤدي تطهير جذري وسريع إلى انهيار التحالفات التي يستند إليها الحكم.
ودفعت شكاوى المواطنين من البذخ الذي يعيشه بعض المسؤولين الجدد الشرع إلى إصدار أوامر تلزم جميع كبار الموظفين بالكشف عن ممتلكاتهم وأنشطتهم الاستثمارية، ومنعهم من الانخراط في أي أعمال تجارية خاصة. غير أن تلك التوجيهات لم تغيّر كثيراً في الواقع، إذ تستمر التقارير التي تتحدث عن الرشاوى والوساطات، خصوصاً في ملفات الإفراج عن المعتقلين واسترجاع الممتلكات المصادرة من النظام السابق.
◙ في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، لا يبدو الطريق نحو “سوريا الجديدة” مفروشاً بشعارات الإصلاح وحدها، بل بمعارك صامتة داخل أروقة السلطة، حيث يتقاطع الطموح بالتغيير مع شهوة النفوذ
وتشير شهادات عدد من رجال الأعمال إلى استمرار دفع رشى بمبالغ كبيرة لضمان استمرار أنشطتهم أو للإفراج عن موظفين محتجزين، في حين تنفي الحكومة هذه الممارسات وتؤكد أن كل الحالات المشتبه بها تخضع للتحقيق.
ومع ذلك، تبقى صورة الدولة الجديدة متأرجحة بين خطاب النزاهة وإرث الفساد المتجذر، في ظل مؤسسات ما زالت تتشكل ومجتمع أنهكته سنوات الحرب والعقوبات.
وتزداد الصورة تعقيداً مع الجدل حول «صندوق الثروة السيادية» الذي أُنشئ لإدارة أصول النظام السابق. فبينما تُقدّمه الحكومة كآلية لاستعادة الأموال المنهوبة وإعادة توزيعها، يرى منتقدون أنه قد يتحول إلى أداة جديدة لترسيخ النفوذ الاقتصادي للنخبة المقربة من الحكم، خاصة بعد اعتقال محامين ومسؤولين في لجنة مكافحة الكسب غير المشروع بتهم فساد.
ويقول خبراء اقتصاديون إن الصندوق، الذي يُفترض أن يدير مئات العقارات والشركات التي كانت مملوكة لعائلة الأسد، قد يكون مفصلاً أساسياً في بناء اقتصاد سوري جديد قائم على الشفافية، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى نسخة جديدة من “الإمبراطورية الاقتصادية العائلية” إذا لم تُخضع إدارته لمعايير رقابة صارمة ومستقلة.
وخارجيًا، يسعى الشرع إلى استعادة موقع سوريا الإقليمي من خلال فتح قنوات مع دول الجوار العربي، خاصة العراق والأردن ولبنان، إضافة إلى محاولات حذرة للتقارب مع تركيا عبر وساطات روسية. غير أن استمرار العقوبات الغربية وتردد المستثمرين الأجانب في دخول السوق السورية بسبب ضعف الثقة في بيئة الأعمال، يجعل محاولات الإنعاش الاقتصادي بطيئة ومحدودة.
وفي المقابل، تراهن موسكو وطهران – اللتان ساهمتا في رسم خريطة ما بعد الأسد – على بقاء نظام مستقر ولو على حساب الإصلاح الحقيقي، خشية أن يؤدي أي تفكك جديد إلى فراغ يعيد الفوضى إلى البلاد.
ويضع هذا التناقض بين أجندة الحلفاء ومطالب الإصلاح الداخلي الشرع أمام معادلة صعبة: كيف يرضي داعميه دون أن يفقد مصداقيته أمام السوريين الذين أوصلوه إلى السلطة؟
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، لا يبدو الطريق نحو “سوريا الجديدة” مفروشاً بشعارات الإصلاح وحدها، بل بمعارك صامتة داخل أروقة السلطة، حيث يتقاطع الطموح بالتغيير مع شهوة النفوذ، وتتنازع الذاكرة السورية بين الخوف من الماضي والأمل في مستقبل لم يتشكل بعد.
المصدر العرب اللندنية