رووداو ديجيتال
شرعت السلطات التركية في إعداد قانون جديد يتيح لآلاف من مقاتلي حزب العمال الكوردستاني (PKK) والمدنيين العودة إلى ديارهم من مخابئهم في شمال العراق، في إطار مفاوضات تهدف إلى طيّ صفحة نزاع مسلّح امتدّ لعقود.
وبحسب مسؤول رفيع في منطقة الشرق الأوسط ومصدرٍ في حزبٍ كوردي بتركيا، فإن التشريع المرتقب يوفّر حماية قانونية للعائدين لكنه لا يتضمن عفواً شاملاً عن الجرائم المنسوبة للمقاتلين السابقين، مع طرح خيار إرسال بعض القادة إلى دولٍ ثالثة. وأضاف المصدران أن العودة قد تُنظَّم على دفعات منفصلة بين المدنيين والمقاتلين. وأشار المسؤول الإقليمي إلى أن مشروع القانون قد يُطرح أمام البرلمان هذا الشهر.
الإطار القانوني المحتمل
تركيا تمتلك سوابق تشريعية تسند مثل هذا المسار ففي تموز 2014 أقرّ البرلمان التركي القانون رقم 6551 المعروف بقانون «إنهاء الإرهاب وتعزيز “الاندماج الاجتماعي”، لتأطير خطوات السلام وتهيئة عودة وانخراط من ينبذون العنف في الحياة المدنية. وقدّم القانون مظلةً سياسية – إدارية للمسار التفاوضي دون أن يكون عفوا شاملا.
في المقابل، بقي قانون مكافحة الإرهاب رقم 3713 مرجعيةً رئيسية للتجريم والعقوبات في قضايا الانتماء والنشاط المسلح، وهو ما يفسّر حساسية أي نصٍّ جديد بين مقتضيات العدالة ومتطلبات المصالحة.
تفكيك الحزب وتحوّلات إقليمية
يتزامن الحديث عن التشريع مع تحوّل كبير في مسار الصراع هذا العام، إذ أعلن حزب العمال الكوردستاني في أيار 2025 قراره حلّ نفسه ووقف الكفاح المسلح، في خطوة وُصفت بأنها “تاريخية” بعد أربعة عقود من النزاع الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص.
إقليمياً، عزّز العراق وتركيا تعاونَهما ضد وجود الحزب في العراق، إذ حظر مجلس الأمن الوطني العراقي الحزب في آذار 2024، وأعلنت الحكومتان آليات أمنية مشتركة، بالتوازي مع عمليات تركية جوية متكرّرة ضد مواقع للحزب في مناطق متينا وهاكورك وقاره.
وخلال تشرين الثاني 2025، شدّد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى جانب نظيره التركي هاكان فيدان على نزع سلاح عناصر الحزب المتبقّين في سنجار ومخمور، في استمرارٍ لمسار التنسيق الأمني العراقي – التركي – الكوردي.
العودة إلى الواجهة الآن
يرى مراقبون أن حزمة قانونية تركية تُنظم العودة قد تكون الحلقة المفقودة بين إعلان حلّ الحزب من جهة، ومتطلبات إعادة الإدماج وطيّ الملفات الجنائية من جهة أخرى، لا سيما بعد تجارب سابقة مثيرة للجدل، أبرزها محاولة 2009 التي شهدت عودة عشرات العناصر عبر معبر “الخابور/إبراهيم الخليل” والاستقبال الشعبي الحاد، ما أفضى إلى ارتدادٍ عكسي على “الانفتاح الكوردي” حينها.
وتؤكد المصادر أن التشريع لا يقدّم عفواً شاملاً، ما يعني بقاء الجرائم الثقيلة ضمن ولاية القضاء، مع احتمال استخدام إجراءات تخفيف أو تدابير بديلة للعقوبات لمن ثبت تركه العنف والتزامه بالقانون. الخلفية القانونية هنا معقّدة في ظل تعريفات موسّعة لـ “الإرهاب” في المنظومة التركية ونداءات حقوقية سابقة لمراجعتها.
قد يخفف خيار إعادة توطين القادة من حساسية عودتهم داخلياً، لكنه يستلزم ترتيبات دبلوماسية مع الدول المضيفة وضمانات قانونية تتسق مع تصنيف الحزب “كمنظمة إرهابية” في تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
ويتطلب تثبيت أي عودة “آمنة ومنظّمة” تنسيقاً مع بغداد وأربيل بالنظر إلى تمركز تاريخي لعناصر الحزب في جبال قنديل ومناطق حدودية وعناصر لا تزال مسلّحة.
ماذا بعد؟
إذا طُرح المشروع على البرلمان هذا الشهر “كما رجّحت مصادرنا” فسيختبر ذلك قابلية أنقرة لتفكيك إرث أمني–قانوني تراكم منذ 1984، ويقيس حساسية الرأي العام في الداخل التركي، كما سيُرتّب على بغداد وأربيل مسؤوليات مشتركة في الإخراج العملي للعودة ونزع السلاح وإعادة الإدماج.
وبينما تمضي الدبلوماسية الأمنية قُدماً، يبقى الرهان على أن يُفضي المسار إلى مكاسب ملموسة للأمن وحقوق الإنسان والتنمية في جنوب شرق تركيا ومناطق الشريط الحدودي، وألّا تتكرّر مطبات 2009 أو انهيار عملية 2013–2015 التي انتهت بمواجهات دامية.
خلفية تطورات
يشار إلى أن عام 1984 شهد بداية النزاع بين مقاتلي حزب العمال الكوردستاني والحكومة التركية كانت حصيلته أكثر من 40 ألف قتيل على مدة أربعة عقود.
وفي العام 2013 حصل وقف لإطلاق النار، ثم وجه حينها عبد الله أوجلان رئيس الحزب رسالة للانسحاب قبل انهيار المسار في 2015.
في 2024 تم حظر الحزب في العراق، فيما وجهت تركيا ضربات متكررة في إقليم كوردستان، وفي 2025 تم إعلان حلّ الحزب وتسليم سلاحه رافقته تفاهمات عراقية–تركية.
المصدر ،رووداو