(1)

﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ.

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ

قرآن كريم. سورة سبأ

(2)

نشأ الفن مع نشأة البشرية، أو حتى قبلها. أشباهُ الإنسان العاقل زيّنت أدواتها، ودفنت أمواتها. الحيوان العاقل، أو الضاحك، أو المتدينّ، كان فناناً أيضاً.

لا تمارس الحيوانات الفن: غريزتها تكفيها لتُدرِكَ مصيرها. وعلى الأغلب، لا تلتفتُ إليه الملائكة في السموات: كمالُها يحجبها عنه. وبالطبع، لا تفهمه الشياطين في جحيمها: يعجز خبثها عن تلحين العالم وزخرفته.

إذ يقوم الفن على النقص: هناك نقصٌ عجيبٌ في الكون، وعلينا عبء مواجهته، في دواخلنا الحلزونية. وحدنا ندرك النقص، ونحاول سدّه، باستمرار.

بقي الإنسان يُزيّن كونه؛ والنقص يظل حاضراً أبداً: لا يتقهقر، ولا يتضاءل!

(3)

طلسم: عين حورس، عين القمر، عينٌ معطوبة، حتى لو أصلحها الشافي.

في معركة مع عمّه، ست، لاستعادة عرش أبيه، خسر حورس -ابن إيزيس وأوزوريس- عينه القمرية، فبحث عنها توحت، إله الحكمة، ووجدَ أجزاءَها الست مبعثرة، وألصقَها، وأعادها إليه.

أصبحت العين المُجمَّعة رمزاً للشفاء بعد الإصابة، وتكرَّرَ ظُهورها في رسومات المعابد، وفي المنحوتات، وفي طلاسم كثيرة استخدمها الناس في حياتهم اليومية. ارتبط الفن، منذ أقدم العصور، بالاستخدام السحري، والطبي، والديني، والمنزلي. الجمال جزءٌ من الحياة، وليس منفصلاً عنه.

أعطى المصريون القدامى نِسَباً هندسية لأجزاء العين المُجمَّعة، وادّعوا أنها ناقصة، لم تكتمل، بعد إعادة تركيبها. من هذه الأجزاء نجد دمعة أسفل العين- نزلتْ من عين الصقر عندما اقتُلعت؛ وخط مائل تحتها ينتهي بريش- ليذكرنا بأن حورس في أصله يطير عالياً…

يطير الصقر، حورس، ماسحاً الأرض بعينيه: واحدةٌ من إله الشمس رع، والأخرى من القمر: عينٌ معطوبة، دامعة، حتى لو أصلحها الشافي.

(4)

آخر كلمات غوته، على فراش الخلود: «مزيداً من الضوء».

لاحقاً، سيتخذ جوزيف تيرنر غوته أستاذاً له. كلاهما آثرَ الأصفر: النور، الشمس، الضياء؛ وقد أبهرَ الإنكليزي المحافظُ الناسَ به، في لوحاتٍ صَوَّرت الطبيعة في غضبها، بين الرومانسية والواقعية، عصيةٍ على التصنيف (من يحتاج التصنيفات، أمام لوحاته؟).

كان غوته تنويرياً، يحترم العلم، والعقلانية، كتلميذه تيرنر. على العكس من حركات الرومانسية، وما بعد الحداثة، التي فصلت الفن عن توأمه الهائج.

«مزيداً من الضوء»: التوق إلى العلم والفن، في صرخة أملٍ أخيرة!

شروق الشمس مع وحوش البحر – جوزيف تيرنر – ويكيبيديا

(5)

لم يجسّد البوذيون سدهارتا في البداية. رفضوا ذلك، لأسباب غير معروفة تماماً. اكتفوا برموزٍ محددة، كآثار القدمين، والدولاب. لاحقاً، متأثرين بالتراث المحلي الهندي الغني بصرياً؛ ثم اتصالِهم بالإغريق، بعد غزوات الإسكندر المقدوني التي وصلت الهند، بدؤوا بنحت بوذا. مع مر القرون، تحوّلَ التُّراثان: الإغريقي الغارق في الجمال الجسدي الكامل، والهندوسي المازج بين الإنسان والحيوان والطبيعة وكل إمكانيات الخلق، إلى سكينة أرضية ناصعة، تمثلها جلسة بوذا، وحركات يديه، ونظرته السرمدية- لتتخلى عن مثالية الكمال الجسدي الفارغة، وعن روعة التكوين المتعدد المفزع الرهيب المتوحش. ولكن، أفضل ما قدمته، كان جسد بوذا المستلقي، قبيل سويعات من موته، داخلاً النيرفانا، ونحن حوله، نشهد ذلك، باستمرار.

وفي بيزنطة، اشتعلت القسطنطينية في معركة حادة، حُطمت فيها الأيقونات بشكل بشع، في الكنائس والصوامع، استمرت قرنين. سيكرر ذلك أتباعُ كالفن في غرب وشمال أوروبا، مع صعود البروتستانتية التطهُّرية.

وأول تمثيل ديني مديني للآلهة في سومر، كان سنابل قمحٍ لإنانا: بداية الحضارة والاستقرار والدين المنظّم، رمزية.

أيضاً، ماعت، إلهة العدالة الفرعونية، مُثِّلت بحكمة رشيقة: ريشة خفيفة، تملأ الكونَ بالحقيقة والحق والقانون.

ألا يكفي هذا الترميز؟

كلا، بحسب اليهود والمسلمين. رفضَ كلاهُما تجسيد الله وترميزه، كلياً وبشكل مطلق.

هناك، في السموات، متعالياً، متسامياً، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾؛ لا يرمز إليه شيءٌ من عالمنا المحسوس: وحده العقل يقتبس نوره.

(6)

في الكهوف، استخدمَ الإنسان العاقل اللون الأحمر. تكرر الأمر في مناطق مختلفة، من كل القارات. حيوانات تركض بالأحمر.

كأنَّ الأحمر لون البدايات.

لون الدم.

القلفة، والحلمة، والطفح الجلدي.

نهايات الشفق.

القرميد.

أعلام الشيوعية، وكتاب ماو.

كوكب المريخ.

أوراق شجر القيقب الياباني.

الخجل، والغضب.

البندورة، وجسد البطيخة.

وأحياء العهر السياحي الوقح الحزين في أمستردام.

(7)

لِكيهان كلهر، الموسيقي الكردي، معزوفةٌ باسم المطر، فيها ثلاث حركات: أزرق، أخضر، أحمر.

ينزل المطر، ولا يترك الأرض.

يرافقه المغني الهندي، شجاعت حسين خان، يمزج تراثنا بالأبدية الهندوسية: تكرار لا يكرر نفسه.

لا أفهم الكلمات، ولكن المطر يهطل: أزرق كالمطر الجاف في دمشق، أخضر كالمطر النديّ في برلين، أحمر كالمطر الموسمي في دلهي.

(8)

رسم هنري تولوز-لوتريك حياة المبغى، بدون حياء. لم يكن هناك أية شهوانية في أعماله، وهذا ما ورثه من أستاذه ديغا: العري البشري عندهما ليس مدخلاً إلى الإثارة. تلك ملاحظة ساحرة للناقدة النسوية ليندا نوكلين ولليساري جون برجر، عن العري بأشكاله المختلفة، ينقضان فيها هوس رجال الفن المتقيّح الآخرين بعري فاحش ذكوري كاذب مريض.

في بعض لوحاته تلك، يلاحق سحاقيات لا يخفنَ منه، هو القزم المسخ الحوشي. تتكرر اللوحات، بين المَراقص والشوارع والبيوت. لوحتان تتشابهان، على سرير عريض: واحدة فيها قبلة، والأخرى نظرة.

في النظرة الهادئة (لا القبلة)، تتجلى قدرة لوتريك في القبض على المعنى، معنى السكينة: ذلك الساخر الغاضب الذي اخترع وحده تقريباً البوستر الدعائي الكاريكاتوري، نجح في اختراق حُجُب البشرية بنظرة رهيفة، لا سخرية فيها.

السرير – هنري لوتريك – ويكيبيديا

(9)

في بعض اللوحات الصينية واليابانية التقليدية، بالأبيض والأسود، تظهر ألوان قليلة باهتة أحياناً، صارخة حيناً. أحمر، أزرق، أصفر. كذلك، في بعض رسومات المنمنم الصفوي رضا عباسي غير الملوّنة. وفي بعض اللوحات الخطية العثمانية. وفي التجربة الحداثية المذهلة لمنير الشعراني.

اللون، هنا، يزيّن المعنى: لا يلوّنه، لا يخترق الميتافيزيقيا النابضة في الغياب، في السؤال.

اللون لا يعالج الغياب: بل يؤكده.

(10)

وحده النبي ماني كان فناناً، رسّاماً من الطراز الأول. فارسي؟ أم بابلي؟ غنوصي؟ كل هذا، وأكثر. ثنويّ مبهر. تميّز بدور المثقف، القارئ، المتأمل، على العكس من معظم الأنبياء الآخرين، الذين اعتمدوا على إلهام ومشاعر مباشرة، ومارسوا دورهم بين الناس، بالوعظ القريب من روح العامة.

ولكنه، أيضاً، كان يكره المادة، يحقد عليها، ويحتقر الجسد البشري. المادة والجسد والظلمة رجس من الشيطان. قد يكون الفن وسيلته للهروب من العالم. لم يكن وحده؛ انتشرت هذه الكراهية بين أديان كثيرة، ومذاهب متعددة، وبطرق مختلفة. وبمفارقة فظيعة، انتهى متألماً بهذا الجسد أكثر منهم جميعاً: سلخوا جلده حياً.

(11)

خرجتُ من معرض إدوارد مونش، وأنا أكثر حيرةً. اللوحة التي أسرتني، كانت تلك التي تجلس فيها ثلاث نساء على الشاطئ، متباعدات، لا يتكلمن، ويتأملنَّ البحر بصمت. لا شيء آخر. كل ما رافق المعرض كريه: برلين تحتفي بنفسها، على حساب مونش. تؤكد كل الشروحات الصغيرة، والكبيرة، المرافقة للوحاته، على دور برلين المحوري في حياته. ثم عن إحراق بعضها أيام هتلر. لا يُشير أحد إلى الدور السلبي الذي مارسته عليه برلين: تحوّلَ فيها نحو ذكورية يمينية مسمومة، تشبه تلك التي كان ينشرها أوغست ستريندبرج السويدي، صديقه في التعرُّف على الحداثة البرلينية. وعلى العكس تماماً من صديقهم الإسكندنافي الأكبر سناً، هنريك إبسن، الذي ظل مخلصاً لفكره التحرري المساواتي النسوي.

ولكن مونش سيترك برلين، ويعود إلى النرويج. حداثته أسَّست للتعبيرية. بعده بسنوات قليلة، سيُبدع إميل نولده، الدنماركي/الألماني، التعبيري، أيضاً في برلين؛ ولكنه سيتبنى بشكل كامل وعلني الفاشية، ويحتفي بها.

أَخرجُ وأنا أكثر حيرةً. تتكرر اللوحة. أحياناً، رجلٌ وحيد على الشاطئ. أو رجلٌ وامرأة. أو امرأة وحيدة. يرسمهم جميعاً بطرق مختلفة، متعددة، ومتشابهة. لم أقتنع بلوحاته الأشهر والأكبر حجماً، الرمزية التي تحكي قصصاً. أنا، عكس مونش، بقيتُ مخلصاً لجوهر فكرة الانطباعية: تصوير اللحظة. ولم تشدّني الحداثة البرلينية إليها….

(12)

الفن السوري القديم متواضع، لا تجد فيه عظمة الفراعنة، ولا مجد الرافدين، بل جمال ساذج بدائي.

ربة النبع، كربة البيت، بجسدها العادي غير الممشوق، تروي البلد المفكك.

وحُدُدْ/ بعل، بقبعته الأسطوانية المميزة، وجسده الممتلئ المشحون المتعب، يُدير شؤون الناس، وعيونه الجاحظة (ربما استعاروها من الجيران في الرافدين) تراقب عن كثب الخطايا، والنكبات التي لا تنتهي.

ربة الينبوع (من مملكة ماري) وحُدُدْ (من تل الفخيرية)

(13)

في عهد أسرة يوان، انتشرت فكرة الكمالات الثلاثة في الصين: الخط، والرسم، والشعر. كان الفنان يرسم، ويقرض الشعر، ثم يخط شِعرَهُ على رَسْمِه؛ ولاحقاً، انتشرت دمغات الأباطرة على هذه اللوحات، وأحياناً أضافوا قصائد متعددة إليها، لشعراء آخرين.

اشتُهر شيتاو (1642-1707) بمقدرتِه الفذّة في الفنون الثلاثة. جمعَ في شخصه التقاليد، والخروج اللبق عليها، في آنٍ معاً. تميَّزَ بذلك التأمل الرواقي العظيم الطاوي للطبيعة، وبتمرد الفرد الشكاك عليها. جمعَ ما لا يمكن جمعه، في تركيب فريد، يتجلى من المناظر الطبيعية الجليلة الضخمة، إلى رسومات الزهر الصغيرة.

في واحدة من قصائده الشهيرة، المخطوطة على لوحةٍ، يرسم الشاعر فنه:

شرفة مطر-الزهور

عندما سكنتُ في مقاطعة تشين-هواي، اعتدتُ أن أتسلق إلى هذه الشرفة، بعد أن يعود الناس إلى بيوتهم. ومع ترنمي بالشعر، كنتُ أحياناً أرسم المنظر.

خارج المدينة، معزولةٌ، شرفةٌ عتيقة،

القصة ما زالت تُروى- يوماً ما، أمطرت زهوراً هنا.

تصفر الريح في المضيق العظيم،

عمود دخان يصّاعد،

تصحب الطيورُ أشرعة القصب

على صوار طويلة في رحلة العودة.

جرس المعبد المهجور،

وحيدٌ في الغروب؛

قردة الجابون بأصواتها الحادة، بلا أحلام،

تصيح بأسفٍ في الليل.

أُراقِبُ الغيوم الطافية

تتشتت فوق فنجاني؛

لسبب ما، هنا في أرض الخلود،

أفكُّرُ في نهاية العالم.

عمل فني لـ شيتاو – ويكيميديا

(14)

كمال بلاطة: «لا أنا إلا أنا». لوحةٌ زرقاء، كُتبت/رُسِمتْ عقب الخروج من بيروت.

هل كان الفلسطيني يشهق مخنوقاً؟ يحتج؟ يُعيد تكوين نفسه؟ تجريد هندسي إسلامي، يتواشج مع الخط الكوفي داخله، كي يكتب نفسه: كي يكون هو هو، كما أراد.

ليس هذا العمل سياسياً؛ أقصد، لن تجد فيه روح البروباغندا التي تسحر معظم الثوريين واليساريين ممن يُطوِّعون الفن لخدمة السياسة. ولكنه سياسي، سياسي جداً، في العمق والجرح: كأنه يسترجع فلسطين بأكملها، في الأنا، التي جعلها ديكارت مهداً للسيطرة على الشكوك المتطايرة من حوله كالشرر؛ أو في   أنا الحلاج، الذي تُنسَب إليه هذه المقولة (ولا تجدها في أعماله الكاملة)، حيث يصبح الله موجوداً في كل وجود، لا وجود إلا له، وحده- حتى لو صلبوه.

(15)

أشعر بوحدةٍ رهيبة، عندما أنظر إلى ما ينتجه معظم الفنانين المعاصرين: لا أفهمهم، ولا أتذوقهم، ولا أعيش معهم.

حتى المخرج الوحيد -الفن- يبدو مغلقاً أمامي…

(16)

«الفقراء

ينتظرهم الله

بفارغ الصبر».

بخط «مفشكل»، كتبَ فاتح المدرس على لوحة ملقاة على الأرض في مرسمه.

كتب على لوحة، كأنها لوحة. ولكنها ليست كذلك. كأنه أراد منها أن تنضم إليهم، كأنه ضاق بما يجول في قلبه، فتركه يسيل، متظاهراً أنها لوحة، غير واثق منها. هذا ما أذكره من المرسم، أكثر من اللوحات الباهرة.

الجملة تؤكد على الفقراء. ليست جملة فعلية، لم يكتب: «ينتظر الله الفقراء»؛ كأن صبر الصبور، يكاد يفرغ، منتظراً.

غالباً ما أفكر، بخجل: هل تقول بقية لوحاته ما قالته هذه اللوحة، بعذوبة وفجاجة، تجرحان القلب؟

(17)

الطيبة، والبهاء، والتناغم، في لوحات أوغست رينوار وكلود مونيه- ليس في أعمال إدوارد مانيه وإدغار ديغا. تتفكك الانطباعية، من الداخل، عندما يحاول المرء الخروج منها برؤية موحدة.

ماذا عن ماري كاسات، وبيريت موريسو؟

تخطو النساء الانطباعيات خارج التصنيف. كانتا أقرب إلى مانيه وديغا، إلى عالمهما المديني الشكَّاك القلق، شخصياً وفنياً. ولكنهما نَجحَتا في الحفاظ على التناغم الطيب في معنى الحياة. ألأنهنَّ نساء، استطعنَ تجسيد الشك الشخصي في جمال الكون، مع الإيمان الواثق في القدرة على تجسيد ذلك الجمال؟

(18)

اعتقدَ عمانوئيل كنط بأن الفن، عن طريق مَلَكَة الحكم، يتواصل مع الماورائيات- تواصلٌ يعجز عنه العقل المحض. وقد آمن تلميذه آرثر شوبنهاور بأن الفن طريقُ الخلاص. بل جعل المتشائمُ المنعزلُ الفنَّ مفتاحَ المغاليق كلها: مخرجنا الوحيد من هذا العالم.

وأنا -للأسف الشديد- أرتابُ بالماورائيات، ويُقيّدني العقلُ المحض. ولكنني -بتناقض مفزع- أؤمن بأن الفن يطوف بي لأتواصل معها، بأنه يخترق المغاليق الخفية…

(19)

في قصر الفنون الجميلة في عاصمة المكسيك، راقبتُ صديقي محمد عمران، يتأمل اللوحات الجدارية. فيها الكثير من التضخيم-الكاريكاتوري، ومتخمة بالسخرية السياسة. كان مأخوذاً بها، يدمدم -متظاهراً بأنه يتكلم معي- عن هذا العالم الفني الذي أسره منذ أيام مراهقته. قبل أن يتعرف عليهم، كان يميل إلى ذلك التشويه البشري -البشري جداً- للشكل. يتلاقى عالمه مع عالمهم. يندمجان.

«هل الدوافع سياسية محضة؟»، أسأله.

يقول، «ربما».

ولكنني أفكر: الانحيازات الفنية تنبع من الداخل. أتركه، لأراقبَ فتاةً تتراكض بين الناس، متعبة من السيّاح، والفن، والكعب العالي الذي تلبسه لضرورات المهنة. موظفة في أحد الأقسام الإدارية.

أَلتفِتُ إلى لوحة دييغو ريفيرا، «الإنسان على مفترق الطرق». على الرغم من البروباغندا اليسارية الفجّة، إلا أنها لوحة ساحرة. تخونني قيمي الجمالية، الرافضة دوماً لتسخير الفن، وتدافع عن استقلاليته، أمام سحرها.

يبدو محمد غارقاً فيها، وأنا أفكر في العولمة: ما الذي يجمع لوحات مكسيكية، تجمع الثقافة المحلية بالأوروبية، ومناهضة الرأسمالية الأميركية، مع شابين من قرى سوريا؟

(20)

«لا راحة في الدنيا»، حديث ضعيف؛ وينسبه البعض إلى الإمام علي بن أبي طالب. وقد قُبِلَت العبارة كمقولة إسلامية، وأُدرِجَت في المخيال المشترك، وظهرت مراراً في لوحات الخط العربي. فقد اعتاد الخطاطون على تكرار نفس الأحاديث والأشعار، مع انتشار اللوحة الخطية في القرن التاسع عشر، تلك التي تُعلّق في المحال والبيوت والقصور. حققت اللوحة نجاحاً ساحقاً، مع الطبقة البرجوازية العثمانية الصاعدة، في العواصم والمدن التركية والعربية.

لا تبدو المقولة مناسبة لحياة النبي، ولا حتى للإمام علي. عاش كلاهما الدنيا، بكل تقلُّباتها، بشجاعة ومُثابرة وصبر. ولكنها تبدو أقرب إلى مذاهب صوفية لاحقة، أنهكتها الحياة الدنيا، فطلبت الآخرة وحدها، في تقليدٍ بدا لي دوماً قصِيّاً عن روح الإسلام الأولى.

في لوحة بخط النستعليق، لمصطفى حليم، أحد آخر رواد المدرسة العثمانية، الذي شهد انهيار فنه في تركيا مع تغيير الأبجدية، وحاول اللجوء إلى مصر لمتابعة فنه وحياته، كما فعل الكثير من الخطاطين العثمانيين، وفشل- يكاد المرء يصدّق المقولة. وهذه، عموماً، خدعة الفن: أن يخضع المرء إلى ما لا يؤمن به، عندما يُفتَن.

وقد استعار العثمانيون من الفرس خط النستعليق، وتبسّطوا فيه: ابتعدوا عن المبالغات التي سادت مع الشكسته، وحاولوا تقديم صورة شديدة الوضوح والرقة. لم يهتم العرب كثيراً بالنستعليق، وفضّلوا الثلث كالترك، وتفرّدوا حديثاً باستعادة الكوفي الهندسي.

أتأمل في بساطة اللوحة، وأترك نفسي تغرق: ربما، المقولة صحيحة، كما نشهد جميعاً اليوم؟

(21)

شهد بيتر بروغل تحطيم الأيقونات وحرق اللوحات المسروقة من الكنائس الغنية والكاتدرائيات الضخمة في الساحات العامة، على يد بروتستانت ثائرين متعصبين، غاضبين على الكنيسة الكاثوليكية المتحالفة مع الحكم الإسباني لبلادهم.

ربما، لم يعنه الأمر كثيراً. لم يرسم في حياته المتدينين، ولا الأغنياء، ولا صور العظماء، ولا المسيح وأمه، مُخالِفاً كل تراث الغرب المسيحي: كلا، التفتَ فقط إلى الناس العاديين، تاركاً صراع البروتستانت والكاثوليك يأخذ مجراه، مأخوذاً بحياة الفلاحين من حوله.

كانت تلك نقطة التحوُّل الكبرى في الفن الأوروبي: من العظمة الفارغة إلى الحياة اليومية. ولكنها لم تنجح في اكتساح العقول والقلوب، بل تطلَّبَ الأمر قرنين آخرين، شهدا العظمة الفارغة، من الكلاسيكية إلى الرومانسية، قبل أن يعود الانطباعيون الفرنسيون إلى الواقع.

في واحدة من أغرب لوحاته، نرى قردين أمام نافذة، مدهوشين، مدهشين، ووراءَهُما البحر والسماء.

كتبت شيمبورسكا قصيدة عن اللوحة، لتُترجمها من المرئي إلى المنطوق، لتفسِّرَ ما لا يُفسَّرُ:

قردا بروغل

هذا ما أراه في أحلامي عن الامتحانات النهائية:

قردان، مقيدان إلى الأرض، على حافة النافذة،

خلفهما ترتعش السماء،

والبحر يستحمّ.

الامتحان في تاريخ البشرية،

وأنا أشرد وأتلعثم.

أحد القردين يحدّق وينصت بازدراءٍ ساخر،

الآخر يبدو قصياً في أحلام اليقظة-

ولكن عندما أتردد في الإجابة

يحثّني على الاستعجال

بصلصلة مهذّبة من أصفاده.

قردان – بيتر بروغل – ويكيميديا

(22)

صُوِّرَ الأنبياء في المنمنمات الإسلامية منذ فترة مبكرة؛ ولاحقاً، وُضِعَ وشاحٌ أبيض على وجوههم، خصوصاً النبي محمد والإمام علي، ولكن ليس على الدوام.

يوجد نسخ متعددة للمعراج نامه، أشهرها في المكتبة الوطنية الفرنسية. تحكي النامه قصة المعراج، بطريقة أقرب إلى غفران المعري: يزور النبي الجنة، ثم النار. (في الغفران، الترتيب معكوس). وقد جادلَ بعض الفقهاء بأن الزيارة كانت بالروح- في المنام، وليس بالجسد.

يظهر النبي بوجه أقرب إلى وجوه الصينيين، الذين أثَّرَت رسومهم بالمنمنمات الفارسية، عقبَ الغزو المغولي، الذي خلط الثقافات وبلبل الفنون. وراءه الغيوم الصينية، في سماء زرقاء. أيضاً، صَوّرَ عصرُ النهضة المسيحَ وأهله بطريقة أقرب إلى الحياة في إيطاليا في زمنهم، وكرر الهولنديون ذلك. كأن الدقة التاريخية لا تعني شيئاً للرسوم الدينية.

في طريقه إلى العرش، يقابل النبي، محمولاً على البراق، وخلفه جبريل يطير، ديكَ العرش: «بياضُهُ يزري بكل بياض، تطامنَ رأسه تحت العرش، وامتدت رجلاه فنفذتا في مناكب الأرض، وإذا حل الليل، نشر جناحيه يظلّلان المشرق والمغرب، وخفق بهما مُسبِّحاً الملك القدّوس».

يظهر الذيل خارجاً من الإطار، برهافةٍ، بدون ألوان، كأن طرف الصفحة البني الفاتح يختلط بالديك. أما قدماه، فملوَّنتان بالأصفر، على أرض بنفسجية، خارج الإطار، أيضاً.

يبدو الديك واقعياً، كمعظم الحيوانات في المنمنمات العربية والفارسية: عيناه ثابتتان وجسده متحفز، غير مكترث بما يحصل حوله، متأهباً للصياح، مُسبِّحاً بحمد الله.

(23)

عاد الفنان الياباني هاسوي كاواسي (Hasui Kawase (1883-1957 إلى مبادئ الرسم الصيني التقليدية، بشكل مدهش: الجبل أكبر من الشجر، والشجر أكبر من الناس، والناس بدون تفاصيل. (على عكس بقية رسامي المطبوعات الحجرية اليابانية، الذين تخلوا عن هذه المواضعات).

ولكنه استخدم هذه المواضعات في رسم المعابد، مئات المعابد، الحقيقية غير المتخيلة، رسمها في مسيرته الطويلة، في تلك المطبوعات التي اكتسحت اليابان. المعبد دوماً يظهر شبه-فارغ، على خلفية طبيعية، والألوان ناصعة، والظلال أساسية وحسّية (كلاهما -اللون والظلال- غائب عن التقاليد الصينية). يستبدل المعبد بالجبل، وزاوية الرؤية مائلة، نرى منها جزءاً من المعبد، وليس في كُلِّيته، وهي خدعة استخدمها رسامو المطبوعات اليابانية قبله (وليس الصينيين)، بنجاح هائل. شخص واحد، امرأة عادةً، تخرج، أو تدخل. نراها من الخلف، وهي غارقةٌ في عالمها القصي، الفردي. أو اثنان، أو ثلاثة على الأكثر، يتحركون ببطء، ولا يتواصلون.

كأن كل شيء يتوقف، كأن الآلهة تنتظرنا.

كأننا – نحن أيضاً – نقف على أعتاب المعبد.

الأكثر إثارة، عندما يكون المعبد فارغاً من البشر-ولكنك تشعر بالروح تتحرك فيه، بحريّة، وحزن.

(24)

غزت أعمال الفنان الكولومبي فيرناندو بوريتو العالم المرئي. السُّمنة محورها. ضد كل سخافات مقاييس الجمال المعاصر. تراوحت بين السخرية السياسية ومشاهد الحب والصداقة والطفولة، في شخصيات بدينة تتحرك بخفة، على الرغم من القيود.

عالمنا الذي لا مخرج منه.

(25)

بحسب مَوشُور نيوتن، كل الألوان تتجمع في الأبيض: أبو الألوان، وسيدها.

ولكن اعتاد الناس على التفكير بالأبيض على أنه غياب اللون: تُلوِّثه الألوان الأخرى، بسهولة مفجعة، عندما نلبسه، كأنه…

لون العفن أبيض.

وكريات الدم التي تُدافع عنا بيضاء.

ولون المنّي.

والثلج والاستسلام.

وأجنحة الملائكة.

والبهاق.

والياسمين والغاردينيا.

وأوراق الكتابة الفارغة كأرواح الرضّع.

(26)

في بعض لوحات محمود حماد الحروفية، يتجلى النص بدهشة، كأنه الرسالة نفسها وقد كُشِفتْ. أكثر ما ينجح فيه هو البسملة، والحروف المقطعة، التي يعود إليها مراراً: ألم، وطسم. أحياناً، لا تبدو الألوان متسقة؛ ولكن، في بعض التشكيلات التي يطغى عليها الأصفر وحده، أو الأحمر وحده، يبدو أنه يقدّم تفسيراً للنص القرآني- تفسيراً آخر، مختلفاً، صادقاً، وليس جديداً تماماً، ربما؟

بعض محاولات الحروفية التجريدية، تلك التي لا تستند على الكلمة، بل على الحرف، تبدو لي أبعد بكثير عن قدرتي في القراءة، أو التذوق: الانبهار بالحرف نفسه، والتنظير لماورائيات بدون كلمة، لا يناسبني (كما عند بعض الفنانين العراقيين). فقط بوجود الكلمة، يتخذ النص بأكمله بُعداً جديداً، غير مطروق، ولكننا نستطيع الولوج إليه. أو هكذا يُخيَّل إلي.

أحياناً، يتلاعب حماد بمستوى اللوحة، ويخلط التقاليد: من التجريد، إلى اللوحة الخطية العثمانية، وصولاً إلى المنظر الطبيعي. يعود إلى البسملة مراراً، وعلى مرِّ عقدين وأكثر، كأنها تنطق بمكنون الكون. كما يعالج التركيب الأشهر في الأندلس: «لا غالب إلا الله». ويبدو مأخوذاً بالآية: «سلامٌ قولاً من رب رحيم»، التي يُجسدها بألوان مختلفة، كأنه ينتظر السلام، يتحرّقُ إليه، يشتهيه. بالإضافة إلى كلمتَي «دمشق»، و«قاسيون»، كأنهما من الذكر الحكيم. وفي كل ذلك، هناك القليل من فرحة غامضة.

دمشق – عمل فني لمحمود حماد – 1968

(هناك شيء من هذه الفرحة الغامضة في أعمال حروفية لفنانين سوريين آخرين، عبد القادر أرناؤوط وسامي برهان: في الألوان، وفي التشكيل. ربما، جمعتهم سوريا الحزينة في مرح مكبوت مقهور؟ أم أن سوريا التي بقيت أخف وأرق من جيرانها ومن فنهم المتيّم بماضيهم الإمبراطوري الهائل – الرافدين ومصر – قدّمت خفتها عبر فنانين ملتزمين يساريين بطريقة غير مفهومة؟ أم أنها مجرد مصادفة سعيدة؟).

بعض أجمل اللوحات كُتِبت / رُسِمت في ثمانينيات القرن الماضي، مع صعود الطائفية والقتل والتعذيب. لا تقول شيئاً عمّا حدث، ولكنها تبدو لي كتعليقٍ ساهٍ صادقٍ عن البلد، والدم، والمعنى، وروح الله -في زمن لم يبقَ فيه روح تقريباً- وفي زمننا هذا، وفي كل الأزمان.

في واحدة من تشكيلات «ألم»، يخترق اللون الأحمر العالم: يُصعَق المشاهد بما لا يُدرَك: الخلق، أو الدينونة. أَخرجُ منها، إلى العالم الحي: إلى تشكيل نوراني من البسملة الحية، في يومنا هذا، في الدنيا حولي: اللون الأصفر يبتسم فيها ويغني، على خلفية منظر طبيعي- تقريباً.

كأن الفن، كُلَّ الفن، على الرغم من كل شيء، يُبسمِلُ بمرح، يغمر العالم، باسم السلام العفو الحليم!