ملخص
أبناء جيل زد يحركون المياه السياسية الراكدة ويحملون التغيير
هو شاب ملتح جذاب يتقن التعامل مع التكنولوجيا ويناصر حقوق مجتمع الميم زائد. تقدمي ومتطرف ومصدر إزعاج وتحد للمؤسسة السياسية، لذلك من المغري أن نتخيل زاك بولانسكي كما لو كان النظير البريطاني لزهران ممداني، عمدة نيويورك المنتخب حديثاً.
ولا شك في أن كلاً من الرجلين منهمك في مشاغله، لكن إن كان بوسعهما تخصيص وقت للقاء- ربما على هامش مؤتمر بيئي على نسق مؤتمر كوب أو تظاهرة مناصرة للفلسطينيين- سيكتشفان أن ما يجمع بين زهران وزاك أعمق من التشابه السطحي. وصف ممداني بأنه “أسوأ كوابيس ترمب”. وفي المملكة المتحدة، يشير صعود حزب الخضر، ورجحان كفته على كفة حكومة عمال محبطة ومخيبة للآمال، إلى أن بولانسكي في أقل تقدير حلم مزعج يقض مضاجع كير ستارمر أيضاً.
إن جيل ممداني هو أسباب نجاحه. فهو يبلغ 34 سنة من العمر، وهو مرآة جيل ينتمي إليه، تحمل أبناؤه وزر المجتمع الرأسمالي من دون أن يقطفوا ثمار مزاياه الكاملة التي استفادت منها الأجيال السابقة، ولا سيما جيل طفرة مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية. يسكن الرجل شقة متواضعة ويفهم جيداً المشقات التي يعانيها سكان نيويورك من أمثاله من أجل تغطية نفقاتهم الأساس في مدينة غدت الإقامة فيها متعذرة على كثر. ركزت حملته الانتخابية التي حققت له الفوز على مبدأ “محاربة غلاء المعيشة”، وتعهد بإلغاء أجرة الحافلات وافتتاح بقالات تديرها البلدية وفرض ضوابط على الإيجارات ومضاعفة الحد الأدنى للأجور وتأمين خدمات مجانية لرعاية الأطفال- على أن يمول الأغنياء كل هذه المشاريع، بما في ذلك من طريق رفع الضريبة على الشركات. بصورة عامة، يمكن أن يشكل كل هذا بسهولة نواة برنامج حزب بولانسكي الأخضر.
ليس ترمب وحده من يمقت هذه السياسات، بل أيضاً الحزب الديمقراطي الحذر الذي يديره جيل أكبر سناً أصبح منفصلاً عن الواقع وقد أربكه الإعلام الرقمي. ولدينا في هذا المعسكر أندرو كومو الذي هزمه ممداني في نيويورك بعدما ترشح كمستقل عقب شكاوى قديمة رفعت ضده بتهم ارتكاب اعتداء جنسي، ولدينا أيضاً أمثال تشاك شومر ونانسي بيلوسي وجو بايدن نفسه طبعاً. لم تكن كامالا هاريس سوى ترياقاً [علاجاً] جزئياً لهذه المشكلات وجسراً يربطهم بجيل جديد.
في مقدور المرء أن يلاحظ تطور الدينامية نفسه، وإن في هيكلية حزبية مختلفة، في أوساط العناصر الأكثر تطرفاً في أوساط اليسار المتشدد في بريطانيا. يبولانسكي البالغ من العمر 42 هو نقيض ستارمر (الذي يبدو أكبر سناً من الناحية الفكرية من عمره البيولوجي البالغ 63)، فيما حلت زارا سلطانة، 32 سنة، محل جيريمي كوربين النشيط والبالغ من العمر 76 سنة الذي حظي في يوم من الأيام بفرصة أن يصبح زعيماً وطنياً، شأنه في ذلك شأن بيرني ساندرز في المقلب الآخر من المحيط الأطلسي.
على خلاف ممداني، لا يتمتع بولانسكي بقاعدة دعم [شعبية] قوية تتخطى النطاق الجغرافي لدائرته الانتخابية في مجلس لندن. ومع ذلك، فإن قدرته المحققة على “الوصول إلى أوساط أخرى” من خلال رسائل شعبوية “حمراء-خضراء” (اشتراكية بيئية) مماثلة، ومهارته في استخدام المدونة الصوتية ووسائل التواصل الاجتماعي، وموقعه كزعيم حزبي وطني، عوامل تعني أنه هو الآخر قد تعني أنه برز فجأة ليصبح قوة لا يستهان بها على أعلى المستويات. على غرار ما فعله كين ليفينغستون وتوني بن في الجيل السابق، وكوربين إلى حد ما، يتسم موقف بولانسكي بالتحدي في المقابلات. إنه يعرف القضايا التي يناقش فيها خير معرفة وهو مناظر بارع. لا يقبل بأي كلام فارغ، فيما تؤدي الهجمات الشخصية للغاية عليه التي تشوه صورته وتقلل من شأنه من قبل ما يعده بلا شك وسائل الإعلام الرأسمالية، إلى ترسيخ إيمانه بما يفعله.
إن الصورة التي رسمتها صحيفة “نيويورك بوست” عن ممداني خلال الانتخابات، حين قدمته على أنه اشتراكي ماركسي مجنون ومرعب يحمل مطرقة ومنجلاً بين ناطحات السحاب، نموذج على مستوى دعم الإعلام له. لكن لا بأس. مثل بولانسكي، هو لا يخشى الصحافة كما يخشاها أمثال ستارمر وبايدن. وليس من سبيل المصادفة أن يرى نايجل فاراج في بولانسكي ما يراه دونالد ترمب في ممداني- فزاعة يجب تصويرها من خلال عدسة مشوهة تقدم الرجل على أنه غير محب للوطن وخطر ويشكل تهديداً على الحضارة نفسها.
هل يتمكن بولانسكي من “تسجيل [نظير] ضربة ممداني” هنا [في بريطانيا]؟ حسناً، لقد ساعدته قيادة العمال الخرقاء على زيادة الدعم لحزب الخضر ثلاثة أضعاف منذ الانتخابات. إن صح ما تقوله بعض استطلاعات الرأي والتخمينات الأوسع، فقد يتزعم بعد أعوام قليلة المعارضة لحكومة يديرها حزب ريفورم البريطاني بقيادة فاراج.
لن أراهن على هذه النتيجة تحديداً لكن التقلبات السياسة تصبح أشد من أي وقت مضى. مثل ممداني، يجب أن يؤخذ بولانسكي على محمل الجد.
المصدر . اندبندنت عربية
© The Independent
