عصام حوج. كاتب سوري
يتسابق إعلاميّو مختلف الاطراف في سوريا — من «السلطة الانتقالية» إلى «الإدارة الذاتية»، مرورًا بـ«إمبراطورية الباشان» وجهابذة اقليم غرب ووسط سوريا — على تفسير زيارة رئيس السلطة الانتقالية إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأمريكي. كلٌّ منهم يسوّق الحدث من زاويته الضيّقة، وكأنّ البيت الأبيض عقد شراكة تاريخية مع جماعته. يكتب هذا ويحلّل ذاك، في سباقٍ محموم لخدمة السردية الخاصة بكل طرف، وإقناع جمهوره بأن واشنطن تسمعه أو تراهن عليه دون سواه.
لكن، وبغضّ النظر عن تقييم دور هذا الطرف أو ذاك، الحقيقة أبسط وأقسى من كل هذا الضجيج: (الأمريكي شايف الكل، وما شايل حدا من أرضو.)
من يظن أن أمريكا جاءت لتبني له دولة أو تحمي مشروعًا وطنيًا، يعيش في وهمٍ كبير. فالحقيقة أن واشنطن تنظر إلى سوريا بوصفها ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وأداة ابتزاز وضغط على الجميع — بمن فيهم حلفاؤها التاريخيون في مصر والسعودية وتركيا — لا أكثر ولا أقل.
ما يحدد موقف واشنطن من أي طرف سوري ليس الشعارات ولا “الشرعية الثورية” ولا “المشروع الديمقراطي”، ولا حق تقرير المصير بل مدى قدرته على الاندماج في المشروع الأمريكي الإقليمي، القائم على إعادة ترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم هدفًا استراتيجياً أساسياً: كبح الصين ومنع تمدد نفوذها شرقًا وغربًا.
بعبارة أوضح، لا أحد في سوريا اليوم “شريك” للأمريكان، بل ورقة تفاوض تُستخدم وتُرمى عند الحاجة.
كل هذه الزيارات، والدخول إلى البيت الأبيض من الباب الجانبي أو الرئيسي، والتقاط الصور في المكاتب اللامعة، وبيانات الوهم التي تفيض بالتفاؤل، ليست سوى مشاهد من مسرحية طويلة كتب نصّها في الأوكار الاستخباراتية وتُعرض فصولها على أرضٍ أنهكتها الحرب.
يعني بالعربي الفصيح: أنتم مجرد أدوات في صراع دولي أكبر منكم جميعًا.
ومن يريد من السوريين أن يكون رقمًا حقيقيًا لا يمكن تجاوزه، مهما تغيّرت الظروف والتحالفات والتكتيكات، فعليه أن يعمل على بناء دولة حقيقية تحفظ كرامتها وكرامة أبنائها جميعًا، وتستعيد دورها الإقليمي الذي أطاحت به السلطة الساقطة، وتكمله السلطة الجديدة اللاهثة وراء الاعتراف الدولي، وخصوصًا الأمريكي، والمتنمّرة على السوريين.
والأداة الوحيدة لبناء مثل هذه الدولة هي مؤتمر سوري عام، يعبّر بصدق عن إرادة السوريين، لا عن رغبات الخارج ولا عن أوهام السلطة