بعد مائة سنة من تمثّل حافظ إبراهيم للآخر، بات هذا التمثّل قضية أساسية في الآداب العربية، وبخاصة في الرواية.
وقبل المضيّ في ذلك، أحسب أن من الأهم أن يشار إلى أن التمثل الروائي للآخر هو (هوية سردية) و(نسق فسيفسائي)، حيث يتعلق الأمر بالفكر والشعور، بالخيال والفنون والاجتماع والدين، بالاستعمار وما بعد الاستعمار، أخيرًا: بالتفاعل الحضاري الإنساني.
على إيقاع هزيمة 1967 انطوت المرحلة الأولى أو الرائدة للتمثل الروائي للآخر كما صورته روايات توفيق الحكيم وسهيل إدريس وشكيب الجابري ومحمود أحمد السيد ويحيى حقي… وربما كان جورج طرابيشي (1939 – 2016) أول من أوقف كتابًا له على هذا الأمر، أعني كتاب “شرق وغرب رجولة وأنوثة: دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية”. وقد صدر هذا الكتاب عام 1977، وعاد فيه طرابيشي إلى روايات من المرحلة السابقة مثل “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم والصادرة عام 1937، أو رواية يحيى حقي “قنديل أم هاشم” الصادرة عام 1944، أو رواية سهيل إدريس “الحي اللاتيني” الصادرة عام 1953. لكن طرابيشي أقبل على المرحلة التالية كما مثلتها بخاصة رواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”– 1966. وإذا كان طرابيشي قد أولى عنايته في هذا الكتاب وفي أكثر من كتاب نقدي له، إلى الأبعاد السيكولوجية والسوسيولوجية للروايات، على حساب الأبعاد الجمالية، إلا أنه حقق نقلة تاريخية في وعي الذات (العربية/ الشرقية) والعالم (الآخر الغربي).
حرضني هذا الكتاب، كما حرضتني روايات بعينها، على أن أعيد النظر في التمثل الروائي للآخر، فكان أن جاء كتابي “وعي الذات والعالم: دراسات في الرواية العربية” عام 1985. وقد جعلت وكدي الروايات الأحدث سنًا والأكثر تنوعًا، سواء في الآخر الذي مثّلته بعد أن كان غالبًا (الفرنسي والإنكليزي) في روايات المرحلة الأولى، وكذلك في التجارب الفنية من حيث بناء الشخصية، أو البنية الروائية بعامة، أو الأساليب السردية، وبالتالي، في تتويجٍ لكل ذلك: وعي الذات الفردية والذات القومية للعالم. وفي هذا السياق لم أكتف بالروايات التي جعلت بلاد الآخر فضاءً لها، بل درست الروايات التي أتت بالآخر إلى فضاء الذات (الوطن)، أيضًا. ففي رواية سليمان فياض “أصوات”– 1972 تحضر الفرنسية سيمون مع زوجها المصري من باريس إلى قرية الدراويش، حيث تختن النساء الفرنسية. وفي رواية “محاولة للخروج”– 1980 لعبد الحكيم قاسم قدِم الآخر من سويسرا إلى القاهرة في إهاب السائحة أليزابيث. ومن الروايات التي خرجت من ثنائية باريس ولندن إلى ما كان يُعرف بالمعسكر الاشتراكي أو أوروبا الشرقية، مثل رواية حنا مينه “الربيع والخريف” حيث يفتن الذكر الشرقي النرجسي والكاتب بيروشكا وماكدا المجريتان. أما عبد الحكيم قاسم فيخرج بالمسألة عن هذا النسق الذكوري الشرقي القديم المتواصل إلى إشكالية جديدة في وعي الذات والعالم وقد باتت لها عناصر جديدة.
إلى لندن يممت رواية سميرة المانع “الثنائية اللندنية”، إلى باريس يممت روايتا حميدة نعنع “الوطن في العينين” والياس الديري “عودة الذئب إلى العرتوق”. وفي هذه الروايات كما في سابقاتها – ما عدا رواية “أصوات” – تكون السيرة هي الرافعة الروائية، مثلما كان الأمر في روايات توفيق الحكيم وسهيل إدريس، حيث يتوجب الحديث عن السيرة الروائية أو الرواية السيرية.
خلال أربعين سنة تفصل بين يومنا وبين كتاب “وعي الذات والعالم” – وزد على ذلك ثماني سنوات عن كتاب “شرق وغرب…” – حصلت الفورة الروائية العربية، وتعقد واغتنى وعي الذات ووعي العالم، واغتنت وتعقدت التمثلات الروائية للآخر الذي ظل فيه الغرب الأوروبي مركزيًا، لكنه ازداد تنوعًا، فحضر الألماني والسويدي والبلغاري والإيطالي… كما حضر الآخر الإسرائيلي، ولمامًا الآخر الذي هو “شرق الشرق”. فإذا كان جورج طرابيشي وغيره قد قصدوا البلاد العربية في حديثهم عن الشرق الروائي، أعني الشرق في الرواية العربية، فقد بلغ روائيون الهند والصين، وصارت لشرق الشرق رواياته.
في فجر الرواية العربية في القرن التاسع عشر نجد رواية “درّ الصَّدف في غرائب الصُّدف” التي صدرت عام 1872، لفرنسيس المراش السوري (1836 – 1874) أن الوجهة كانت هذه المرة إلى الهند. وإذا كان الحب والزواج هما عنوان اللقاء مع الآخر، فهذا اللقاء يبدو بريئًا غالبًا من العقد التي ستحكم اللقاء مع الآخر الأوروبي، غالبًا أيضًا. وهذه رواية “جلال خالد” التي صدرت عام 1928 للكاتب العراقي محمود أحمد السيد (1903 – 1937)، وكانت الوجهة فيها إلى الهند. والجديد هنا أن الكاتب تواصل مع الفكر الاشتراكي في الهند، فلما عاد إلى بلاده أضاف إلى ريادته الروائية ريادته اليسارية فكرًا وتنظيمًا. ولا ننسَ رواية أحمد شوقي “عذراء الهند أو تمدّن الفراعنة” – 1897. ومن تلك البدايات الريادية إلى أمسٍ قريب تغيب الهند عن الرواية العربية في حدود ما أعلم وتحضر في الرحلات، حيث كانت أيضًا بداية تمثّل الآخر الهندي عربيًا في كتاب البيروني “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”. وبالطبع لا ننسى “ألف ليلة وليلة”. أما في الرواية فأذكر ما تابعته مؤخرًا، وهو رواية عبد الله سالم باوزير “أيام في بومباي”– 1988 ورواية وارد بدر السالم “الهندوس يصعدون إلى السماء”– 2011 ورواية عادل خزام “الحياة بعين ثالثة”– 2014. وليست الحصيلة أفضل فيما يتصل بالصين، حيث تتصدر ثلاثية حنا مينه “حدث في بتياخو” و”عروس الموجة السوداء” و”المغامرة الأخيرة”. وقد تواصل هذا الحضور جزئيًا في رواية الكاتب نفسه “الربيع والخريف”. ومثل هذه الرواية، أو رواية حنا مينه عن بلغاريا (“فوق الجبل تحت الثلج”) جاءت الثلاثية سيرة روائية أو روايةً سيرية، يواصل فيها الراوي/ ظل الكاتب الذي تسمّى: زبيد، فراره كشيوعي من سورية حيث لوحق الشيوعيون في عهد الوحدة السورية المصرية (1958 – 1961). وفي ملجأه/ منفاه تتقد نرجسية وذكورية زبيد عبر مغامراته النسائية بخاصة، معريًا ما كان يهيمن على الصين في مطلع ستينيات القرن الماضي من الانغلاق والتشدد. وبخلاف ثلاثية حنا مينه جاءت رواية أمين الزاوي “الملكة تقبل التنين على فمه” حيث يحضر الآخر (المهندس الصيني يوتزو صن) إلى الجزائر، وتكون له علاقته الحارة المميزة مع الجزائرية الأمازيغية سكورا.
من الآخر الأميركي (رواية “الحفيدة الأميركية” لإنعام كجه جي) إلى الآخر الروسي في رواية كفى الزعبي “ليلى والثلج ولودميلا” ورواية منذر بدر حلوم “لا تقتل ريتا” إلى الآخر الإيطالي في رواية عمارة لخوص “كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك”، يتواصل التمثل الروائي العربي للآخر وقد غدا يرمح في أرجاء العالم، ولكن في رجحان جاد لحضور الآخر الغربي، وبانتظار جديدٍ واعدٍ، إنْ على مستوى وعي الذات أو وعي العالم أم على مستوى الرواية الرحلية والرواية السيرية، يرتبط باطّراد حضور شرق الشرق: الصين والهند واليابان، وحيث تبلغ رحلات الرحّالة وتفاعلات الكتّاب والكاتبات مع حضارات الشعوب الأخرى، بدءًا من الحضارة التركية إلى الحضارة الإيرانية أو الأندونيسية أو الفيتنامية أو الكورية أو اليابانية، حيث ينتظر الرواية العربية أفق ملون ورحب وثري من الثقافات والقيم والحوار بدلًا من الصراع الذي كان مهيمنًا في مرحلة الاستعمار وفي أمداء متفاوتة من مرحلة ما بعد الاستعمار.