مجتمع الإعاقة
تناولت رواية “غايب” (2004) للكاتبة العراقية بتول الخضيري فترة الحرب العراقية الأميركية عام 1990، من خلال مجموعة من العائلات تجمعها إحدى بنايات بغداد، حيث يتم السرد على لسان دلال، تلك الطفلة التي مات والداها في انفجار لغم في صحراء سيناء، ونجت منه بأعجوبة، لتتبنّاها خالتها وزوجها، اللذان لم يرزقا بأولاد، فتكبر بين أحضانهما. أصيبت دلال في طفولتها بجلطة صغيرة أورثتها انحرافًا في شفتيها لا يمكن تصحيحه حتى تبلغ سن النضج، لكنّ الحرب ألغت كل آمال العلاج، وتركت دلال مع انحراف شفتيها، ونظرة تهكمية قاربت بها أحداث العراق، من قصف وموت وحصار اقتصادي. تكمن ميزة رواية الخضيري بأنّها جمعت عددًا من الإعاقات لا نستطيع أن نقول عنها إنّها إعاقات حدِّية وعلنية؛ كالكساح، أو العمى، أو الشلل الدماغي، لكنّها إعاقات، فزوج خالتها مصاب بالصدفية، حيث تتناثر منه قشور الجلد البيضاء كالثلج، وخالتها تمتلك كتفين قصيرين جدًا ومائلين، فلا تستقر عليهما حقيبة نسائية، وجارهم المهندس يعاني من فشل كلوي بسبب السكري، مع عمى ألوان، والحلّاق النسائي في أسفل البناية مثلي الجنس، أمّا الممرضة، فتصاب بمرض سرطان الثدي. لقد كان من الممكن أن تمرّ هذه الإعاقات بصمت من دون الإشارة إليها، فهي ليست ظاهرة للعيان، فزوج الخالة يرتدي ثيابًا مناسبة لتمويه القشور التي تتساقط منه، والخالة ترتدي “كتافيات” لتصبح أكتافها طويلة وعريضة، فيما المهندس منعزل في شقته ينتظر جلسات غسيل الكلى، بينما الحلّاق يخفي شخصيته المثلية، في حين تكافح الممرضة كي لا تظهر عليها تأثيرات مرض السرطان؛ حتى بعد استئصال الثدي كي لا تطرد من المشفى، أو تنقل إلى مكان آخر. فقط، كانت دلال بإعاقة ظاهرة بفمها المائل؛ ومن هنا أتى دورها بأن تكون المتكلّمة عن حياتها وحيوات الآخرين في البناية.
| تحدّثت الناشطة سيمي لينتون (الصورة) عن ضرورة إظهار الإعاقة وعدم إخفائها |
عندما تحدّثت الناشطة سيمي لينتون(1) عن ضرورة إظهار الإعاقة، وعدم إخفائها، بالقول: “لقد خرجنا إلى الشارع غير مرتدين تلك الأردية الصوفية البنية فوق أرجلنا الذابلة، أو النظارات الشمسية فوق أعيننا الشاحبة، ولكن مرتدين السراويل القصيرة والصنادل… بصراحة، وبلا أقنعة، وبلا اعتذار”، كانت تقصد بأنّ تاريخ الإخفاء والإخراج من المشهد العام للمجتمع لذوي الإعاقة قد انتهى. إنّ الإعاقة اختلاف لا نقصان، وقد أظهرت الخضري هذه النقطة على لسان الحلّاق النسائي، وإن بشكل سلبي بقوله: “ألم أقل لك من قبل بأنّ في كل منّا نقصًا ما”. ينظر المجتمع إلى الإعاقة بأنّها نقص، حتى من هم “منقوصون!” يتبنّون ذلك الحكم القيمي بشكل لا شعوري، لربما ليجدوا طريقة أسهل للتأقلم من دون مواجهة مع مجتمع لا يعترف بأنّ في الإعاقة اختلافًا، وليست نقصانًا، والاختلاف غنى. كانت سيمي لينتون تعرّف ما يُسمى بالأناس الطبيعيبن بــ”غير المعوقين”، وما تغيّته من ذلك أن تجعل الاستثناء هو القاعدة، بدلًا من النهج المتعارف عليه بالقول عن ذوي الإعاقة بأنّهم: “غير طبيعيين”.
لا تطرح الخضري مشكلة الإعاقة بشكل مباشر، بل تمرّرها كالعسل في مرارة المجتمع، لربما هناك من يجيد التذوّق، ففي مقابل غير المعوّقين، هنالك المعوّقون، وهم فئة اجتماعية مثل غيرها من فئات المجتمع؛ كالكبار والصغار، كالذكور والإناث، كاليمين واليسار في الانتماءات السياسية، لا أقل ولا أكثر؛ وكما لكل فئة حقوقها ومسؤولياتها ضمن المجتمع، كذلك لذوي الإعاقة حقوق. هكذا نرى مع الخضيري تطورًا لا بأس به في مقاربة ثيمة الإعاقة في الرواية العربية.
السوبر معوّق
في العام ذاته الذي صدرت فيه رواية بتول الخضيري، صدرت للكاتبة السورية هيفاء بيطار رواية: “امرأة من هذا العصر” (2004)، التي تسرد فيها حياة “مريم”، عبر ضمير المتكلّم. مريم التي أصيبت بالسرطان، استُأصل ثديها وتم ترميمه. تعرّفت مريم إلى امرأة أخرى اسمها آمال، نال منها مرض السرطان أيضًا، وانتشر في جسدها. لا ريب في أنّ اختيار بيطار لموضوعة إصابة امرأة بسرطان الثدي لا يتوقّف على تداعيات المرض، فهو يتناول جانبًا أنثويًا جماليًا سيتم تعطيله، وينقل صاحبته من خانة الأصحاء إلى خانة ذوي الإعاقة، وذلك عبر جمل ذات دلالة قوية ونافذة إلى عمق التحوّل: “سرطان في الثدي، عبارة تعني حكم قيمة عليّ، أي نقلة من خانة إلى خانة، ومن ضفة إلى ضفة”… “وجدتني أنتمي إلى مجتمع جديد: مجتمع المتسرطنين، أو بتعبير ألطف: المعاقين. كنت أفكر في هؤلاء بحنان لم أعرف له مثيلًا من قبل، كأنّي اكتشف من خلالهم، ومن خلال مرضي، حقيقة البشر”… “ستكون نهاية ثديي نهاية الرجل في حياتي”. هذه الجمل الواضحة والثاقبة الدلالة، وغيرها في الرواية، وخاصة في صفحاتها الأولى، كانت مبشرة جدًا، معلنة عن سردية مميّزة ستقارب أخطر مرض ومآلاته، فهذا المرض كثيرًا ما يعبّر عنه بالألم، بالصمت، باليأس، وبفقدان الأمل، وبالخوف من الموت. وهذه المناطق تحتاج إلى كلمات وجمل وخيال كمبضع الجراح كي لا نقع تحت سطوة الخطاب التبشيري الدعائي عن كيفية الانتصار على المرض، فليس غريبًا أن تقول مريم عن هذه المنطقة المجهولة التي ولجتها بعد إصابتها بالسرطان الكلمات التالية: “أحسست بأنّي في حاجة إلى استعارة مواقف، فأنا لم أعتد على سلوك امرأة مصابة بسرطان الثدي”. هذه الجملة حاسمة، وهي صدى لمقولة ديفيد ميتشل، وشارون سنايدر: “إنّ عدم القدرة على معرفة الإعاقة هو ما يعزّز الحاجة إلى سرد قصة عنها”.
كانت مريم مهندسة ناجحة، مقتدرة اقتصاديًا، أنجبت ولدًا من طليقها الذي كان حبّ حياتها بعد مغامرات عاطفية عدة عاشتها. لكن ما هي الاستعارات التي احتاجتها مريم لتقاوم السرطان، وتتخطّى جلسات العلاج بالأشعة؟ لقد اختارت بيطار طريقًا وعرًا، بقدر ما كان سردها به جميلًا، بقدر ما كان قادرًا على تشتيت جوهر الرواية: الإصابة بمرض السرطان، فقد استغلت شخصية الرواية مريم كل جلسة من جلسات الأشعة لتسترجع ذاكرتها أحد الرجال الذين تعرّفت إليهم في حياتها (ضمنًا طليقها!). لقد حطمت مريم بهذا المنطق أفق التوقع الروائي، بناءً على موضوعة الرواية الرئيسية، أي الإصابة بالسرطان، ومحاولة تمثّل الإصابة به من قبل القارئ، فهل أخطأت، وأضعفت الرواية؟ حتى استدعت أن يعلّق عليها الروائي ياسين رفاعية بالقول: “هذا ليس شعور امرأة مصابة بسرطان الثدي!”. بعيدًا عن موافقة رفاعية، أو الحكم بشكل إيجابي على رؤية بيطار في مقاربة الإصابة بمرض السرطان، نقول بأنّ سردية المعوّق الجبّار كانت أحد الأساليب التي عالجت موضوعة الإعاقة ونالت نجاحًا كبيرًا، حتى بدأ ذوو الإعاقة بالاعتراض عليها وفق شعارهم: “لا شيء عنّا من دوننا”، أي لا تتقوّلوا عنّا ما هو ليس فينا.
إعادة كتابة الحياة
“هند… أو أجمل امرأة في العالم” (2024) هي رواية للكاتبة اللبنانية هدى بركات، وتتناول فيها شخصية هنادي، التي أصيبت بمرض “الأكروميغاليا”(2). تعالج الرواية بشكل رمزي التاريخ المغيب لذوي الإعاقة، من خلال أمّ هنادي التي لم تستوعب أن تُصاب ابنتها بهذا المرض، فعملت على اختراع شخصية موازية لهنادي اسمها “هند” آية في الجمال. ومن كثرة ما أكّدت الأم على وجود هند الفعلي في الواقع، لا تعرف الساردة/ هنادي، ولا القارئ، إن كانت هند حقيقةً أم خيالًا! هذه اللعبة الذكية من قبل بركات تميط اللثام عن تاريخ من المحو بحقّ المعوّقين، فالأم لم تكتف بأن تسجن هنادي في “عليّة” البيت، وإنّما طفقت تخبرها عن أختها الجميلة التي ماتت بسبب الحسد، مع ما يضمره كلامها بأنّها تمنّت بأن تكون هنادي بديلًا من الجمال الغائب، لكنّها كانت البشاعة في حدّ ذاتها. ما يميّز رواية بركات هو القدرة على تصوير هنادي الأكروميغالية بذكاء، فلا احتجاجها على مرضها كان غاضبًا؛ ذلك الغضب الذي ينتهي إلى اليأس، ولا تقبّلها للمرض كان فيه شيئًا من الخيال المزيف؛ كقديسة، على سبيل المثال. هي تعيش، كأي إنسان آخر، وتدرك قدراتها ومعوّقاتها، وخيباتها قبل آمالها، وتتفهّم حماقتها بأنّها سامحت أمّها لمعاملتها القاسية. أمّا مجتمعها، فلا بأس بالهامش منه، عندما يكون المتن يشبه انفجار مرفأ بيروت عام 2020. هذه المعالجة التي قدّمتها بركات للإعاقة وتمثّلها تتعقّد عندما تصبح هند هي لبنان المتخيّل الجميل في العقل الجمعي اللبناني، وهنادي هي المتخيل الواقعي عن لبنان الحروب والطوائف والاقتصاد المنهار والحرّيات. وكقارئ، رويدًا رويدًا تختار أن تكون في صف هنادي الأكروميغالية، على الرغم من أنّها تمثيل للبنان الواقع، وذلك لأنّها قادرة على تعليمك الحياة، كما فعلت عندما لم تعد الأحذية النسائية مناسبة لقدميها، فاختارت حذاءً رجاليًا من البالة، روّضه من لبسه قبلها، فكان لطيفًا على قدميها المتضخمتين.
وهذه الطريقة في الحياة هي ذاتها التي تكلّم عليها كنزابورو أوي عن ابنه هيكاري، فلكي تفهم الحياة عليك أن تصبح هيكاري، أن تجعله يتكلّم ويفكّر ويعزف من خلالك (أصدر هيكاري ألبومين موسيقيين مشهورين في العالم). في تلك اللحظة تدرك أنّ الإعاقة هي اختلاف إيجابي، كالطائفية والعرقية والاختلافات السياسية، عندما يُرى بهذه التقسيمات الاجتماعية آلية للبناء أكثر منها للهدم.
خاتمة ليست إلّا بداية
| كنزابورو أوي متحدثًا عن ابنه هيكاري (الصورة): لكي تفهم الحياة عليك أن تصبح هيكاري، أن تجعله يتكلّم ويفكّر ويعزف من خلالك |
تدفعنا الروايات المختارة في هذا المقال، وغيرها ممن تناولت ثيمة الإعاقة، أو عرّجت عليها، إلى مناقشة حول أهمية معالجة قضايا ذوي الإعاقة، وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الأدب في عمليات التماهي معها والتعرّف عليها؟ هذه المناقشة ضرورية، وذلك لأنّ مصطلحاتٍ مثل: التعاطف، أو الشفقة، أو الخوف، أو الاحتقار، قد تفهم خطأ، سواء من الكاتب، أو القارئ، أو من خلال صداها في الواقع. لكن لنتأمّل هاتين الرؤيتين: إنّ التعاطف والتماهي عادة ما يحدث مع بعض شخصيات الرواية، لكنّه يتعثّر بقوة مع ذوي الإعاقة، لأنّ محاولة القارئ التماهي مع شخصية من ذوي الإعاقة تعترضها معرفة المتماهي بقدرة جسده، فهو غير مبتور الرجلين كمفيد، أو مصاب بالأكروميغاليا كهنادي. إنّ تخيل الإعاقة لدى الكاتب والقارئ يلاقي صعوبة لا بدّ من الاعتراف بها بعيدًا عن مديح الروايات التي تتناول الإعاقة. ولنأخذ مثالًا، فمن الممكن للنساء أن يتماهين مع بطل الرواية الذكر. كذلك الذكور من الممكن أن يتماهوا مع بطلة الرواية الأنثى، على الرغم من الاختلاف الجنسي بينهما! والسؤال لماذا هذه الصعوبة في التماهي مع الشخصية المعوّقة في الرواية؟ ليس السبب عدم القدرة على تخيّل الإعاقة، فمن الممكن للإنسان أن يتخيل أي شيء ــ الإله على سبيل المثال ــ بل رغبة راسخة في عدم القيام بذلك، بسبب الخوف والشفقة، وحتى الاشمئزاز، الذي غالبًا ما يرتبط بتصورات الفرد والمجتمع عن الإعاقة، فلا أحد، حقيقة، يتمنّى أن يكون معوّقًا. ولكن على الرغم من هذه الصعوبة، جادل بعض باحثي الإعاقة الأدبية بأنّ الأدب يوفّر موقعًا فريدًا يُمكن من خلاله التماهي الخيالي مع الإعاقة وتفهّمها وإدراكها، فميتشل وسنايدر أشارا إلى صعوبة مهمة التماهي الخيالي والإدراك، لكنّهما أكّدا على أنّ السرد يُمكن أن يلعب دورًا وسيطًا رئيسيًا: “إنّ تمثيل الإعاقة هو الانخراط في مواجهة مع ما يُعتقد أنّه خارج نطاق التجارب الإنسانية المعتادة. إنّ جعل ما يبدو أنّه بطبيعته غير قابل للمعرفة مفهومًا، يضع السرد في موقع الوسيط القوي بين عالمين منفصلين: الطبيعي وغير الطبيعي”.
ختامًا نقول: لا ريب في أنّ التماهي مع شخصية معوّقة هو من الصعوبة بمكان، لكن الإدراك والمعرفة لا يتطلّب التماهي، وإنّما التقبل والفهم والتشارك، فالأصم ليس في حاجة لتعيش الصمم معه، بل لغة الإشارة، أمّا المقعد على كرسيه المتحرّك، فليس من داع لتعاني من فقدان الشعور بقدميك، وإنّما أن تصنع دربًا يتسع لصاحب الكرسي المتحرّك، ولنقسْ على ذلك. إنّ ما يفعله الأدب، وضمنًا الرواية، هو إتاحة فرصة من أجل التقبّل والفهم والمشاركة؛ وهذا دوره الأساسي منذ وجد.
هوامش:
1 ــ سيمي لينتون: مستشارة فنية أميركية ومؤلفة ومخرجة أفلام وناشطة. يركز عملها على فنون الإعاقة ودراسات الإعاقة.
2 ــ اضطراب هرمون النمو في الغدة النخامية الذي يسبّب تضخم الأطراف وملامح الوجه.
* كاتب من سورية.
المصدر ضفة ثالثة