هي واحدة من إبداعات بيتهوفن الخالدة: السيمفونية الخامسة التي ألفها عندما كان في ثلاثينياته، والصمم قد أخذ يداهمه. سيمفونية قصيرة (35 دقيقة) لكن بيتهوفن وهب لها أربع سنوات من عمره القصير. على الصراع بين الإنسان والقدر تقوم هذه السيمفونية. وفي افتتاحيتها الشهيرة يشتبك الغضب بالشجن والخوف واليأس، وتدوّي ضربات القدر معلنةً عن قدومه. وبها يفتتح نواف يونس مسرحيته (الرحيل)، وهي أولى مسرحياته الثلاث التي جمعها في كتاب واحد عنوانه (تحليق نسبي). غير أن الكاتب لا يكتفي بهذا القدر السيمفوني افتتاحًا، بل يقدم عليه الافتتاح بالتعتيم الكامل على خشبة المسرح، وبصوت يغني بدون موسيقى، ما يبدو نقيضًا للسيمفونية بما هو غناء شعبي عربي، وبالعامية: “حمامة كنت وإلا كنت ديب/ رحْ تضلّك بهالدينا غريبْ/ إذا ما الموت حوّمْ عابوابك/ وإذا ما ضمك جناحه الرهيب / ما رحْ تنفعك حجة محامي / ولا رحْ تفيدك وصفة طبيب”. بالعتمة إذًا، وبالقدر البيتهوفيني، وبالقدر الشعبي العامي، يفتتح نواف يونس مسرحية (الرحيل). وإذ تعقب الإضاءة موسيقى القدر، تبدأ المسرحية القصيرة ذات الفصل الواحد، والتي تلوح لتراث هذا اللون المسرحي، من المسرحيات القصيرة لتوفيق الحكيم أو محمد الماغوط أو يوسف إدريس، من العرب، أو من غيرهم: تشيخوف وستريندبيرغ وبيكيت. ولست أنسى هنا مسرحية (مأساة بائع الدبس الفقير) ومسرحية (الرسول المجهول في مأتم أنتيغونا) لسعد الله ونوس (1941 – 1997)، ولست أنسى أيضًا المسرحية القصيرة (قطعة وطن على شاطئ قديم) لوليد إخلاصي (1935 – 2022). من السمات العامة للمسرحيات القصيرة أن شخصياتها تكون محدودة، مثل حبكاتها، وهذا ما يسم مسرحية نواف يونس (الرحيل) التي سبق أن قدمها المسرح الجامعي في البحرين، عندما صدرت مع مسرحية (ملك ليوم واحد) أول مرة عام 1992، قبل أن تنضاف إليهما مونودراما (أشواق معتقل) في الإصدار الجديد الذي تعنون بـ(تحليق نسبي). لمسرحية (الرحيل) شخصيتا (غريب) و(المندوب). وقد حضر الثاني إلى منزل الأول في هيئة رجل عصري، وإذا به يتكشف عن ملك الموت: وهذا هو إذًا سرّ الافتتاحية الموسيقية بالقدر، سواء في سيمفونية أم في أغنية شعبية. ليس لغريب المتزوج أبناء ولا بنات. ليس له أصدقاء، ولم يعش يومًا سعيدًا. وسوف تتوالى وتتصاعد محاولاته ليثني المندوب / الموت عن إزهاق روحه، كأن يدعي الجنون، أو كأن يدعي حب زوجته معززًا كذبته بأن سقراط كان يحب زوجته هيباس على الرغم من كل شيء. لكن المندوب لا يأبه بهذا الذي يتصاغر وهو يتنازل من رجاء إلى رجاء ومن طلب إلى طلب، إلى أن تحل النهاية ويعود التعتيم الذي به بدأت المسرحية. في المسرحية الثانية التي قُدّمت على مسرح دبي الشعبي – وهي الأطول – يأخذ الكاتب باستراتيجية اللاتعيين، فلا يحدد زمانًا ولا مكانًا، لتخرج المسرحية إلى فضاء مفتوح وزمان مفتوح. وقد جاءت المسرحية في خمس لوحات، يجتمع في أولاها الملك بأخته ست الملك التي تجبهه بما تراه حقيقة واضحة كالشمس، وهو إبعاد الوزير وقائد الجند للملك عن الشعب. لكن الملك يعارض ست الملك، ويطلق أولى الرسائل الهامة التي تحملها المسرحية، فيقول: “ليس هناك حقيقة واضحة. كل إنسان يرسم لنفسه حقيقة يريدها”. تدعو ست الملك أخاها إلى أن يتخلى عن البرج العاجي الذي عزله فيه وزيره وقائد جنده، مذكّرةً بوالدهما الذي كان يجتمع دائمًا بالعامة. وعلى هذه الدعوة تنتهي اللوحة الأولى، لتنتقل اللوحة الثانية إلى الشوارع الخالية، وقد خرج الملك إليها متنكرًا ليتأكد من دعوى أخته.
ويُقبض عليه ويُقاد إلى السجن، حيث يُودع في الزنزانة مع سجناء يمثلون بتنوعهم من هم خارج السجن. وستتولى اللوحتان الثالثة والرابعة تصوير الداخل (الزنزانة) والخارج (السجن الأكبر أو البلاد)، فتتعدد الشخصيات، ويصير الملك (برهوم)، وتحتدم النقاشات في الثورة. في اللوحة الأخيرة – الخامسة، عودة إلى القصر، حيث يُعتقل الوزير وقائد الجند، بينما يحتشد الناس خارج القصر وقد ثاروا عليه. وهنا تنتقل المسرحية إلى اللعبة الأحدث والأخطر، إذ يأمر الملك بإحضار المؤلف، فيحضره الجند، ويطلب الملك منه أن يلغي النهاية التي وضعها للمسرحية، حيث جعل الشعب يحاصر القصر. ويقترح الملك أن يعود المؤلف به إلى شخصية برهوم وإلى من كانوا معه في السجن ليقوموا معًا بالثورة. لكن المؤلف يرفض، وتأتي رسالة أخرى من الرسائل الهامة التي تحملها المسرحية. فالمؤلف يعدّ اقتراح الملك خيانة لأمانة القلم، ويسأله: “هل سمعت مولاي بملك قام بثورة ضد نفسه؟”. ويقدم الملك اقتراحًا آخر لنهاية المسرحية، تتمثل بإحضار وفد إليه، يقدم مطالبه، فيلبيها. لكن المؤلف يقترح: “لنترك النهاية لمن يهمهم الأمر”، ولذلك يتجه إلى الجمهور مخاطبًا: اختاروا النهاية. وتأتي الجملة الأخيرة بالرسالة الأكبر والأخيرة: رسالة اليأس المتمثل بقوله: “وإلى أن يختار الناس تمضي السنون والآجال، وتأتي سنون وأجيال، وربما يحسنون الاختيار”. في المونودراما (أشواق معتقلة) التي تختم (تحليق نسبي)، وكما سبق في بداية مسرحية (الرحيل)، تبدأ بظلام وموسيقى هي هنا كونشيرتو رويدريكو – جيتار 2، يليه مقطع آخر من الكونشيرتو، فمقطع شعري لمحمد الماغوط. ولعبة التناص بالشعر (المتنبي، ابن زيدون، شعراء الحب العذري..) أساسية في المسرحيات الثلاث. تشرع المرأة بمونولوج يرسم أزمتها الروحية وقلقها ومشاعرها برهافة، وبلغة شاعرية، وباقتصاد بالغ، على العكس مما هو سائد في اللغة الشاعرية. والميزة الفنية الكبرى لهذه المونودراما هي السردية التي تصف هيئة ودخيلة المرأة، حيث توفر للسردية من الرشاقة والدقة ما تتطلبه اللغة المسرحية الحوارية.
وأحسب أن ذلك قادم مما للسرد القصصي لدى الكاتب، وهو الذي افتتح حياته الكتابية بالمجموعة القصصية (حلم تحت خط الصفر). على هذا النحو جاء (تحليق نسبي). بالثلاثية المسرحية التي رسمت أشكالًا للصراع، منها ما هو مع القدر، مع الموت، في أعقد وأفدح ما هو عليه الوجود، وفيما ينادي فلسفة العبث. ومن أشكال الصراع تلك ما هو في الاجتماع البشري، أو ما هو مع السلطة والسياسة، وأخيرًا، ما هو مع الجندرية، مع الجنس والجسد، وأيضًا: المجتمع، فالأنوثة أسّ اجتماعي مكين ومعقد بامتياز. صدّر نواف يونس كتابه (تحليق نسبي) بالإهداء الذي أراه يعبر عن مفهوم الكاتب للمسرح، حيث: المسرح هو الحياة، والمسرح فعل إنساني تنويري، والمسرح ليس ثورة، ولا يسعى إلى تغيير التاريخ، وحيث أيضًا: الحياة دون المسرح تزداد وحشة وقبحًا، ونحن نمسرح الحياة. وقد جسدت المسرحيات الثلاث هذا المفهوم بتدرجات وتنويعات، ربما أمكن القول بعدها بالهشاشة التي يبدو الفرد والمجتمع عليها، لا فرق بين ملك وامرأة، ولا فرق بين مواجهة الموت أو الثورة أو الأنوثة، ولا فرق بين السلطة كسجن لصاحبها، والمجتمع كسجن للمرأة، والجسد كسجن أمام الموت. ولعل لي أخيرًا أن أسجل أنني لم أكتب عن المسرح منذ أكثر من ثلاثين سنة. كما أن قراءتي للمسرح تراجعت حتى كادت أن تتوقف خلال ثلاثين سنة. وما أنا في ذلك إلا قارئ أو كاتب في هذا الفضاء العربي المتلاطم بالسياسة، والمدقع في الكتابة والقراءة، وبدلًا من أن يتراجع إدقاعه فيما يتعلق بالمسرح، ها هو ذا يتفاقم حتى ليكاد يطبق، لولا بصيص يأتي به فجأة كاتب مثل نواف يونس، يحقّ فيه ما قدم به الشاعر والفنان علي العامري لـ(تحليق نسبي)، حيث كتب أن نواف يونس “في مختبر الكتابة، يضع الحياة والموت والزمن والحب والحبر تحت المجهر، يرصد التحولات في النفس والمكان”. لقد عاد بي (تحليق نسبي) إلى عهد الشباب في سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت تثري الروح صداقات وكتابات كتاب ومخرجين للمسرح: فواز الساجر ووليد إخلاصي وسعد الله ونوس وشريف شاكر وممدوح عدوان وشيخنا الجليل خليل هنداوي وفرحان بلبل، رحمهم الله جميعًا.