
بدأت محاكمة المتهمين في أحداث الساحل التي انطلقت الثلاثاء الماضي، تثر مواقف مختلفة إن باتجاه الترحيب بالخطوة واعتبارها إيجابية لأنها تفتح الباب أمام محاكمة كل المتورطين في دماء ومال السوريين سواء أكانوا من المحسوبين على السلطة الحالية أو من فلول النظام السابق، أو باتجاه تسجيل ملاحظات على شكل الجلسة الأولى واعتبارها إعلامية أكثر من أنها محاكمة بمعايير مهنية.
ووسط إجراءات أمنية مشددة شهدت مدينة حلب الثلاثاء الماضي بدء المحاكمة العلنية لأكثر من 560 متهما بارتكاب جرائم خلال أحداث الساحل السوري الدامية، تخللها عمليات قتل ذات طابع طائفي.
والجلسة الأولى للمحاكمة خصصت لـ14 متهما نصفهم مدعى عليهم بمهاجمة قوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية، في آذار/ مارس الماضي لصالح نظام الأسد البائد، والنصف الثاني هم من عناصر قوات الأمن التابعة للحكومة الحالية ويتهمون بقتل مدنيين عزّل خلال دوامة العنف التي شهدتها العديد من مدن وبلدان الساحل وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1,426 شخصاً، بحسب إحصائيات غير رسمية، معظمهم من المدنيين ومن الطائفة العلوية.
وشملت تهم المرتبطين بالنظام البائد “الفتنة والتحريض على حرب أهلية وطائفية”، أما المنتمون إلى قوات الحكومة فكانت تهمهم قتل مدنيين عُزّل، وجرى تأجيل جلسة القسم الأول منهم إلى 18 كانون الأول /ديسمبر المقبل، أما القسم الثاني فجرى تأجيل جلساتهم إلى 25 من الشهر نفسه.
وفي التاسع من آذار/ مارس الماضي أصدر رئيس المرحلة الانتقالية قرارا شكّل بموجبه “اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل”، وفي نهاية تموز/ يوليو الماضي أعلنت وزارة العدل تشكيل اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، بعد اندلاع مواجهات بين الدروز والمقاتلين البدو، وتطورت إلى مجازر ذات طابع طائفي شاركت فيها بعض القوات الحكومية.
خطوة إيجابية
واعتبر السياسي والحقوقي المحامي محمود مرعي بدأ المحاكمات بأنها إجراء في الطريق الصحيح، وقال في تصريح لـ”القدس العربي” إنها خطوة جيدة ولكن لابد من محاسبة كل من قتل ومن أجرم بالسوريين سواء أكانوا من السلطة أم من الفلول، مشددا على أن محاكمة هؤلاء ومحاسبتهم هو واجب على السلطة الجديدة الحالية.
وتجاه مطالب بيئة الثوار التي اعترضت على المباشرة بمحاكمة عناصر قاموا بتصرفات هي ربما ردود أفعال على ما كانوا قد عانوا منه من النظام السابق بينما لم تبدأ محاكمة رموز النظام الذي أجرموا في حق الشعب السوري قال مرعي: يفترض ألا تكون المحاكمات انتقائية وإنما فعلية وأن تطال كل من ارتكب جرما بحق السوريين وكل من تلوثت يداه بالدم أو بالمال السوري سواء أكانوا من المسؤولين السابقين أو من المسؤولين الحاليين، مشدداً على ضرورة أن تكون هذه المحاكمات عادلة وبعدالة انتقالية وليست بعدالة جرمية، لأننا لا نريد أن نعود بسوريا لفتح سجون كبيرة، على اعتبار أن العدالة الانتقالية تتضمن عدم الإفلات من العقاب، وتتضمن ذات الوقت المسامحة والمصالحة مع تخليد ذكرى الشهداء بهدف إعادة بناء الدولة على الطريقة التي تمت فيها في جنوب إفريقيا وإسبانيا وتشيلي.
تأمين الحماية
وانتقدت أوساط حقوقية، شكل الجلسة الأولى لمحاكمة المتهمين بأحداث الساحل، واعتبرت أن الإجراءات من حيث الشكل لم تكن في مستوى التوقعات ولا المأمول منها، وكانت أقرب إلى حالة إعلامية أكثر من أي شيء آخر لدرجة تداول أخبار عن أن المتهمين بارتكاب جرائم بشرية تم الافراج عنهم بعد هذه الجلسة.
وقال حقوقيون فضلوا عدم الكشف عن اسمهم، إن مثل هذا الأداء لا يصب في مصلحة الحكومة الانتقالية، بل يسيء لصورتها لأنها باتت تحت المراقبة الدولية أكثر مما مضى بعد صدور القرار 2799 لمحاربة الإرهاب من مجلس الأمن تحت الفصل السابع.
وأعادت المصادر سبب إجراء المحاكمة بجرائم الساحل في محافظة حلب وليس في مكان ارتكاب الجرم سواء في اللاذقية أو طرطوس إلى إمكان تحقيق نسبة عالية من الأمن للمحاكمة في حلب، وهذه قد لا تكون متوفرة في محاكم اللاذقية وطرطوس، وكي لا يتحول مكان انعقاد المحكمة إلى ساحة للتظاهر والضغط على هيئة المحكمة، وبما قد يهدد آمن المتهمين وسلامتهم ذات الوقت.
محكمة عسكرية
من جهته اعتبر المحامي عارف الشعال أن من أبرز واجبات محامي الدفاع في القضايا الجنائية مراقبة سلامة إجراءات المحاكمة والتصدي لأي خرق لها، إذ إن المحكمة تستقل بقناعتها في تجريم المتهم وفرض العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات، أو في تبرئته، وفق ما تستشفه من الأدلة المطروحة في القضية.
وفي تصريح لـ”القدس العربي”، رأى الشعال أن ما سبق مشروط بالتقيد الصارم بالإجراءات المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية، عملاً بمقولة “إذا كان قانون العقوبات قانون المجرمين، فإن قانون الأصول الجزائية هو قانون الشرفاء من الناس”، مشيراً إلى ثمة ملاحظات لا يمكن لرجل القانون التغاضي عنها، حيث ورد في بيان وزارة العدل، أن المحاكمة تجري أمام “محكمة الجنايات”، بينما صرّح أعضاء هيئة المحكمة للإعلام بأنها “محكمة عسكرية”.
وقال الشعال: لا يخفى أن القواعد التي تحكم إجراءات محكمة الجنايات تختلف جذرياً عن تلك التي تحكم المحكمة العسكرية، سواء فيما يتعلق بالحكم بالتعويض، أو بوجود قرار اتهام وما يتفرع عنه من حقوق الطعن التي تُعد من أهم ضمانات المحاكمة العادلة.
وأردف: يزداد الأمر تعقيداً في ظل الغموض الذي يكتنف وضع القضاء العسكري في المرحلة الراهنة، ولا سيما فيما يتعلق بتشكيل المحكمة العسكرية وفق الأصول المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري وهو المرسوم التشريعي رقم 61 لعام 1950.
وبين الشعال أنه يضاف إلى ما سبق الغموض المتعلق بالاختصاص المكاني لمحكمة حلب، إذ يجب أن تنعقد المحكمة بمكان ارتكاب الجريمة في اللاذقية أو طرطوس، باعتباره من النظام العام، ضماناً لتمكين الضحايا وذويهم، وكذلك ذوي المتهمين، من حضور المحاكمة ومراقبة الإجراءات الخاصة بها.
الشعال الذي استغرب ارتداء محامي الدفاع في المحكمة روباً للمحاماة يختلف عن الرداء الرسمي المعتمد لدى نقابة المحامين، رفض اعتبار المحاكمة بأنها “علنية”، لأن ذلك غير دقيق، بحسب وصفه، فالقانون يحظر أن تكون أي محاكمة، جزائية كانت أم مدنية، غير علنية تحت طائلة بطلان المحاكمة، ولذا فإن التوصيف الصحيح لهذه المحاكمة هو أنها محاكمة بحضور وسائل الإعلام، حسبه.
المصدر القدس العربي