أعلنت مصادر رسمية وإعلامية أن ملف انخراط سوريا في جهود التحالف الدولي ضدّ “داعش” شهد خلال الأسابيع الماضية تحرّكاً ديبلوماسياً وأمنياً ملحوظاً، إذ أفادت تقارير إخبارية بأن دمشق قد وقّعت إعلاناً يعلن جاهزيتها للتنسيق مع التحالف الدولي بغاية مكافحة تنظيم الدولة، ما اعتبرته جهات غربية ومحلّلون خطوة دبلوماسية مهمة في سياق محاولات إعادة إدماج سوريا في مؤسسات الأمن الإقليمي والدولي.
وفي ما بدا تغييراً فاصلاً في الموقف الرسمي الأميركي تجاه دمشق، توالت إشارات من مصادر أميركية ورسمية إلى أن ثمة “تعهدات وتفاهمات” حول آليات التعاون في مكافحة بقايا التنظيمات الإرهابية، وأن واشنطن تقيّم إمكانيات التعاون وفق معايير تتعلق بالقدرات الميدانية والالتزامات المتعلقة بمنع تموّل العنف وانتشار المقاتلين الأجانب.
كما سبق أن أصدرت إدارة البيت الأبيض خلال حزيران/يونيو إجراءات إجرائية تتعلق بمراجعة تصنيفات وعقوبات مرتبطة بسوريا كخطوة إجرائية ذات طابع سياسي وقانوني قد تهيئ مجالاً لتعاون أوسع إذا تمّت الوفاء بشروط محددة.
من جهةٍ أخرى، أكدت مصادر أممية وديبلوماسية في مواقفٍ رسمية أنّ أي مشاركة سورية فعلية في جهود التحالف لا يمكن أن تنجح دون مقاربة شاملة تشمل استعادة سيطرة الدولة على الأراضي، وعمليات دمج للقوات المحلية تحت مؤسسات عسكرية وأمنية موحّدة، فضلاً عن تبادل معلومات استخباراتية آني وموثوق.
وقد أشار نصّ لبيان رئاسي في مجلس الأمن إلى التزامات الدول ذات الصلة بمتابعة مسألة مقاتلي التنظيمات الأجانب والآثار الأمنية الإقليمية المصاحبة.
وفي موازاة ذلك، نقلت تقارير عن تحركات عسكرية وأمنية سورية داخلية شملت حملات مداهمة وعمليات استباقية ضد خلايا يزعم أنها تابعة لتنظيم “داعش”، ما يُقرأ على أنه محاولة من دمشق لعرض مؤشرات جاهزيةٍ ميدانية تعزز مصداقية مطالبها بالتعاون الدولي، فيما أكدت مصادر إعلامية أن هذه العمليات جاءت قبل لقاءات رفيعة المستوى عُقدت بصورة مفاجئة بين مسؤولين سوريين وأطراف دولية.
متطلبات عملياتية وعسكرية
يقول وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات لـ”963+”، إنّ الحكومة السورية اليوم، بتموضعها السياسي وإمكانياتها الأمنية، قادرةٌ على أن تكون الحليف الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية وللتحالف الدولي ضد الإرهاب. ويضيف أنّ هناك اتفاقاً في أولويات الحكومة مع أولويات التحالف، وذلك بسبب أنّ الحكومة، قبل أن تنطلق من إدلب لتحرير المناطق التي كان يسيطر عليها النظام، كانت ولسنوات تعمل على مكافحة الإرهاب، وخاصة إرهاب تنظيم “داعش”.
ويشير إلى أنّ للحكومة باعاً أمنياً كبيراً في مكافحة “داعش”، ولديها ـ كما يوضح ـ تنسيقٌ وإن كان غير رسمي أو غير مباشر مع التحالف الدولي عبر الشراكة مع تركيا في مكافحة الإرهاب. كما يلفت إلى أنّ هناك الكثير من العمليات الأمنية التي نُفذت في شمال غرب سوريا، وأدّت إلى استهداف قياديين في تنظيم “داعش”، وكانت الحكومة السورية ـ في ذلك الوقت ـ فاعلاً محلياً مساهماً في ملاحقة تنظيم “داعش” وقياداته الأمنية.
ويؤكد أنّ المتطلبات العملياتية والعسكرية التي يتوقعها التحالف من سوريا موجودةٌ بالفعل، لكنه يوضح في الوقت ذاته أنّ التحالف، من خلال هذه الشراكة، سيكون داعماً لتطوير المنظومة الأمنية والعسكرية للحكومة السورية، خاصة وأنّ الحكومة السورية الجديدة تعمل على بناء مؤسستها العسكرية والأمنية، وبالتالي ستستفيد بشكل كبير جداً من الدعم الذي سيقدمه التحالف في مجال مكافحة الإرهاب، سواء على المستوى اللوجستي أو على مستويات أخرى، وفق رأيه.
ويتابع قائلاً إنّه لا توجد عقباتٌ داخلية أو خارجية كبيرة تعيق انخراط سوريا في التحالف الدولي، بل على العكس، إذ يوضح أنّ هناك حالة تهيئة نفسية لدى الدولة الجديدة لتكون في هذا التموضع ضمن التحالف ضد تنظيم “داعش” ومكافحة الإرهاب في سوريا.
ويضيف أنّ الحكومة السورية تقدّم نفسها كشريكٍ محلي في مكافحة الإرهاب، ليس فقط منذ تسلمها الحكم، بل حتى قبل ذلك، إذ كانت تعمل على مكافحة الإرهاب وتبدي تعاوناً إيجابياً في عمليات مكافحته داخل سوريا.
ويشير إلى أنّه لا يعتقد أنّ الانقسامات اليوم تمثل مصدر قلقٍ أو تشكل تحدياً، موضحاً أنّ الحكومة تجاوزت هذا الأمر عبر إجراءات كثيرة منذ كانت في إدلب. ويضيف أنّه جرى تمايزٌ كبير جداً في الصفوف بين الراديكالية التي اتجهت نحو عدم الانخراط مع الفاعلين في شمال غرب سوريا — مثل حكومة الإنقاذ سابقاً وفصائل الجيش الوطني — وبين من رفض هذا التحول وانحاز إلى “داعش”، وتمت ملاحقته في شمال غرب سوريا أو في باقي المناطق.
ويؤكد الباحث أنّ انضمام سوريا إلى التحالف الدولي سيكون عاملاً للاستقرار في سوريا، وأنه سيؤثر في موازين القوى وفي الإطار الدبلوماسي الإقليمي، بحسب ما أوضح.
ويضيف أنّ هناك انعكاساتٍ مهمة يحملها انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، إذ تستفيد الحكومة السورية من كونها الشريك الإقليمي — فضلاً عن كونها الشريك الوطني — في مكافحة الإرهاب، الأمر الذي يسحب هذه الورقة من منظومات ما دون الدولة التي كان يتعامل معها التحالف الدولي، ما يعني أن هناك حكومة سورية جاهزة لتكون هي الشريك المحلي في مكافحة الإرهاب، طبقاً لما يرى.
ويشير في الوقت نفسه إلى أنّ التحالف الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، سيستفيد من ذلك أيضاً، إذ كانت الولايات المتحدة تعمل على مكافحة الإرهاب دون شراكة مع الحكومة السورية، بالاعتماد على فصائل مسلحة في شمال شرق أو جنوب سوريا، وهو أمر لم يكن محل إجماع داخل المؤسسة الأميركية، وخصوصاً المؤسسة التشريعية، وفقاً لقوله.
ومن هنا، يلفت إلى أنّ الانتقال من التعامل مع فاعلين محليين غير رسميين إلى التعامل مع حكومة شرعية رسمية هو أمر تحتاجه الولايات المتحدة، وسيؤدي — وفق قوله — إلى جودةٍ أعلى وكفاءةٍ أكبر في عملية مكافحة الإرهاب، وإلى تعزيز شرعية الوجود الأميركي وعملياته داخل سوريا.
دوافع ديبلوماسية
ويقول الدكتور غازي فيصل حسين، أستاذ العلاقات الدولية المقيم في الأردن، لـ”963+” إن العامل والدافع السياسي الرئيسي يتمثل برفع العقوبات والتحول الجوهري في السياسة الأميركية تجاه الحكومة الانتقالية السورية، مما يتيح التعاون الرسمي بين واشنطن ودمشق.
ويشير إلى أن التحالف الدولي للحرب على الإرهاب يرى أن الحكومة الجديدة قادرة على مكافحة الإرهاب بشكل فعال، خاصةً بعد نجاح هيئة تحرير الشام في مواجهة “داعش” داخلياً، حيث أجرت عملياتٍ مشتركة مع قوات التحالف ضد “داعش” في تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
ويلفت إلى أن التركيز على دمج القوات المسلحة السورية واستبعاد المقاتلين الأجانب يعزز الاستقرار الأمني. كما يؤكد أن أولويات الحكومة السورية تشمل مكافحة الإرهاب لتحقيق الاستقرار الداخلي، مما يتوافق مع أهداف التحالف، لكنه يحذر من مخاوف بقاء جذورٍ إيديولوجيةٍ إسلامية قد تتعارض مع النهج العلماني للتحالف.
ويضيف حسين أن المتطلبات العملياتية تتضمن مشاركةً في عملياتٍ مشتركة، وتبادل معلوماتٍ استخباراتية، ومكافحة تمويل الإرهاب، مشيراً إلى أن قوات التحالف أجرت بالفعل عملياتٍ مع الحكومة السورية ضد “داعش”، مع التركيز على تدريب القوات وتجهيزها. ويتابع موضحاً أن المتطلبات العسكرية تستلزم توفير قواعد أو دعم لوجستي، والمشاركة في ضرباتٍ جوية أو أرضية.
ويشير كذلك إلى أن السلطات الانتقالية السورية أنشأت “اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب”، وأجرت عملياتٍ ناجحة تشير إلى قدرةٍ أمنيةٍ على محاربة تنظيم “داعش”. ويؤكد أن الجيش السوري الجديد قد يحتاج إلى دعمٍ خارجي للوصول إلى الجاهزية الكاملة، بينما ترى الولايات المتحدة أن الحكومة السورية قادرة على تنفيذ الالتزامات، لكنها تطالب بإصلاحاتٍ إضافية لرفع العقوبات.
ويحذر حسين من أن سوريا تواجه عقباتٍ داخلية وخارجية قد تعيق انخراطها الكامل: فالعقبات الداخلية تتمثل بالانقسامات الطائفية والعرقية، مثل دمج قوات قسد المسيطرة على الشمال الشرقي في الجيش السوري، وهو أمر يطالب التحالف بتسريعه. أما العقبات الخارجية فتتمثل بالعلاقات مع حلفاء متعارضين مثل تركيا التي تدعم هيئة تحرير الشام، إضافةً إلى مخاوف إسرائيل من عدم نزع سلاح الجنوب السوري، والضغوط الدولية المتعلقة بالعدالة الانتقالية تجاه جرائم الحرب السابقة.
ويشير إلى أن انضمام سوريا للتحالف الدولي للحرب على الإرهاب يمكن أن يغير موازين القوى الإقليمية بشكل كبير، مما يعزز نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مع تحول سوريا من عدو إلى حليف، ويضعف “شبكة الإرهاب الإيرانية ويقلل من نفوذ روسيا وإيران”. كما قد يؤدي إلى تعميق العلاقات مع دولٍ مثل السعودية وتركيا، ويفتح أبواب التعاون مع الصين في مكافحة الإرهاب.
ويلفت إلى أنه يساعد على الاستقرار من خلال مكافحة “داعش”، ويسهل رفع العقوبات مما يدعم الاقتصاد وإعادة الإعمار. ومع ذلك، قد يزيد التوترات الداخلية إذا فشل الدمج، أو يؤدي إلى عودة الإرهاب إذا لم تتم إدارة الإيديولوجيا المتطرفة جيداً. معتبراً أن الخطوة تمثل انتقالاً سياسياً محتملاً، لكنها تعتمد على تنفيذ الإصلاحات لتجنب الفشل.
المصدر موقع..ـ”963+