توقيف زعيتر سواء كان صيداً أم هدية، يحمل دلالات عما آلت إليه ظروف حزب الله بعد نكستَيه في لبنان وسوريا. توقيف أسكوبار لبنان يؤشر الى أن الحزب يشعر أنه لا بد من دفع الأثمان. وزعيتر ليس تفصيلاً، فالرجل كان حلقة أساسية في اقتصاد الكبتاغون الذي موّل جمهوريتي الممانعة في سوريا ولبنان.
يبدو منطقياً ما حفلت به السوشيل ميديا اللبنانية حول التوقيف الهادئ والسلس لأسكوبار لبنان نوح زعيتر، والتي تركزت حول أن حزب الله قدم زعيتر هدية للجيش اللبناني بعد ما أصاب الجيش وقيادته من سهام أميركية وغربية في الآونة الأخيرة تُوّجت بإلغاء زيارة قائد الجيش رودلف هيكل إلى واشنطن.
نقول منطقياً لأن زعيتر مطلوب للعدالة منذ نحو عشرين عاماً، وهو يتحرك في منطقة واسعة جميعنا يعرف أن حزب الله يسيطر عليها. يجري مقابلات صحافية ويظهر في فيديوات يعلن فيها ولاءه للحزب ويُشهر حقائق قتاله مع مجموعاته في سوريا. وفجأة توقفه دورية لمخابرات الجيش اللبناني.
لكن توقيف زعيتر سواء كان صيداً أم هدية، يحمل دلالات عما آلت إليه ظروف حزب الله بعد نكستَيه في لبنان وسوريا. توقيف أسكوبار لبنان يؤشر الى أن الحزب يشعر أنه لا بد من دفع الأثمان. وزعيتر ليس تفصيلاً، فالرجل كان حلقة أساسية في اقتصاد الكبتاغون الذي موّل جمهوريتي الممانعة في سوريا ولبنان. وقبل واقعة التوقيف بيوم واحد، كشف رئيس الحكومة نواف سلام أن “القوى الأمنية فككت نحو 30 معمل كبتاغون خلال الأشهر الأخيرة”، وكل اللبنانيين يعلمون طبعاً أن معظم هذه المعامل هي في منطقة نفوذ حزب الله وعلى منحدرات السلسلة الشرقية لجبال لبنان.
ثم إن الحديث عن هذا العدد الهائل من مصانع المخدرات، ومن بينها ما وُصف بأنه أكبر معمل في العالم، ما زال خارج التناول السياسي، وخارج تقييمنا للوظيفة التي اضطلعت بها جمهورية الكبتاغون. في وقت تحفل أدبيات الممانعة بدعاوى التمسك بالسلاح بوصفه “أداة ردع”، مشيحةً بوجهها عن تلك المهمة.
فهل صحيح أن “دفع الأثمان” الذي وطن الحزب نفسه إليه، لن يطاول سلاحه، وأن أكباش فداء أمثال نوح زعيتر قد يُستعاض بهم عن السلاح؟
الترحيب بتوقيف نوح زعيتر لن يرقى إلى ما يطمح إليه حزب الله. الكبتاغون مقابل السلاح معادلة لن تستقيم. ثم إن مهمة الكبتاغون على طرفي السلسلة الشرقية، كانت تمويل منظومة السلطة في كلَي البلدين، ووقفها مؤشر إلى تداعي هذه السلطة. ومثلما ترافق سقوط النظام في سوريا وفي لبنان مع خطوات تفكيك هائلة لمنظومة الكبتاغون، فإن السلاح لن يبقى في منأى عن خطوات موازية.
والحال أن حزب الله في فترة تصدّره المنظومة في كلَي البلدين (لبنان وسوريا) لم يبقِ للصلح مكاناً. لبنان في ظل نفوذه تحوّل إلى المصدر الأول للكبتاغون في العالم، وصار دولة مفلسة وفاسدة ومنهارة ومحاصرة. دولة تحوّل فيها نوح زعيتر إلى نجم تلفزيوني، وتم استدخال صورته كنموذج للتماهي مع “الطريد الشهم”، وفي هذا الوقت كان وفيق صفا يصول ويجول في القصر العدلي مهدداً القاضي طارق البيطار على نحو علني بأنه سيقلعه من منصبه لأنه تجرأ على طلب حلفاء الحزب إلى التحقيق. وكانت صحافة الحزب تتهدد من يتجرأ على انتقاده بأن تقول لهم بحرف مطبوع وموثق “تحسسوا رقابكم”.
هذا غيض من فيض تلك الحقبة القاتمة، واستعراضها هو فقط للإشارة إلى أن توهم فواتير جانبية من نوع نوح زعيتر لن يعوض سنوات الجمر، هذا قبل أن نصل إلى الشرط الدولي المتمثل في نزع السلاح كخطوة لا بد منها لكي يُعامل لبنان كدولة تستحق الإغاثة.
إسرائيل ليست جزءاً من هذه المعادلة، ذاك أن الحزب استجاب لحاجتها الى نزع سلاحه من جنوب الليطاني، وهي باشرت بإجراءات المنطقة العازلة التي لن تشكل بالنسبة الى حزب الله سوى ذريعة للتمسك بسلاحه في شمال الليطاني وصولاً إلى بيروت، حيث سيكون السلاح في خاصرة اللبنانيين على ما عهدنا طوال سنوات نفوذ الحزب، بدءاً بـ7 أيار/ مايو 2008 مروراً بالتلويح به في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ووصولاً إلى غزوة قصر العدل وتهديد طارق البيطار.
وفي هذا الوقت علينا أن نصدق أن توقيف نوح زعيتر بعد سقوط النظام في سوريا، وقبل تسليم حزب لله سلاحه، تم عبر عملية احترافية نفّذها الجيش اللبناني.
المصدر موقع درج