في حوار جانبي خلال اجتماعات مؤتمر يالطا، المنعقد في شهر فبراير (شباط) عام 1945، بين الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، وونستون تشرشل رئيس وزراء المملكة المتحدة، وجوزيف ستالين الزعيم السوفياتي، لتقرير نهاية الحرب العالمية الثانية ووضع ترتيبات السلام المستقبلي وبناء نظام دولي ليضمن هذا السلام المنشود؛ حاول ستالين إقناع الرئيس روزفلت بالبقاء في يالطا وقتاً أطول عند نهاية المؤتمر، فأجابه روزفلت بأنه على موعد مع ثلاثة ملوك في الشرق الأدنى، منهم الملك ابن سعود (المغفور له الملك عبد العزيز)، فسأله ستالين: ما الهدية التي تنوي إهداءها لابن سعود؟ فأجابه روزفلت بأن الامتياز الوحيد الذي يمكن تقديمه له، هو الستة ملايين يهودي الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأميركية.
عُقِدَ اللقاء المرتقب بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت في الرابع عشر من شهر فبراير (شباط) 1945، وَرُدَّت الهديةُ، بالتأكيد على أن فلسطين والبلاد العربية لأهلها، وأنَّ من ظلم اليهودَ همُ المسؤولون عن توطينهم في بلادهم. وقد وعد الرئيس روزفلت في رسالة إلى الملك عبد العزيز بتأكيد ما تم التفاهم عليه، بأنه لن يتخذ أي مواقف تضر بالعرب في هذه القضية من دون التنسيق مع الملك عبد العزيز. وقد أخبر روزفلت مستشاره الخاص برنارد باروتش: «أنه من بين جميع الرجال الذين تعاملت معهم طوال حياتي، لم أقابل أحداً مثل هذا الملك العربي الذي لم أستطع أن أحصل منه حتى على القليل. فهذا الرجل صاحب إرادة حديدية». وآسفاه، فقد تُوفي روزفلت بعد هذا اللقاء بأقل من شهرين، وكان أن خلفه الرئيس هاري ترومان، الذي أكد الوعد الذي قطعه روزفلت على نفسه في لقائه مع الملك عبد العزيز، إلا أنه لم يلتزم بوعده لأسباب انتخابية. وكان ما كان من إعلان تأسيس دولة إسرائيل والاعتراف بها.
أكد ذلك اللقاء التاريخي أهمية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، التي استمرت خلال العقود الثمانية الماضية، على الرغم من مرورها بمراحل وتحديات، لا سيما عندما حاولت بعض الإدارات الأميركية ممارسة ضغوط أو ابتزاز يربط المصالح الوطنية للبلدين بمصالح دول أخرى، لا سيما المصالح الإسرائيلية. لقد رسخ ذلك اللقاء التاريخي مبدأ حياد مصالحهما الثنائية المشتركة تجاه كل التوترات التي تعاني منها المنطقة، مع احتفاظهما بحق اتخاذ المواقف المستقلة في القضايا المختلف عليها، لا سيما الموقف من القضية الفلسطينية العادلة والصراع بين الدول العربية وإسرائيل. ولم تَحِد المملكة عن هذه المواقف إلى يومنا هذا.
تذكر بعض وثائق المخابرات المركزية الأميركية أن الرئيس إيزنهاور أرسل بعثة إلى الملك سعود تركزت مهمتها في التأثير على موقفه من دعم مصر في مواجهة العدوان الثلاثي الذي أعقب تأميم قناة السويس عام 1956. وكانت مهمة تلك البعثة محاولة إقناع الملك سعود بما يشكله الرئيس عبد الناصر من تهديد، وأن على البعثة، إن لم تستطع إقناعه، تهديده بأن القوى الغربية سوف تستغني عن البترول العربي بالبحث عن مصادر أخرى، وأن الطاقة النووية التي تعمل الولايات المتحدة على تسريع جهودها لاستخدامها في صناعاتها توفر بديلاً عن النفط. لم يقتنع الملك سعود وولي عهده الأمير فيصل باتخاذ موقف مضاد للرأي العام العربي، وفي ما يتعلق بالاستغناء عن النفط كان رد الملك سعود المكتوب، الذي جاء وفق تلك الوثائق من خلال دراسة الأمير فيصل المتعمقة لموضوع الطاقة النووية، ومعرفته بأنه من المستحيل الاستغناء عن النفط. وقد قال أحد أعضاء البعثة لزملائه عند مغادرتهم: «لقد اكتشف أهل الصحراء البسطاء خدعتنا». واستمر دعم المملكة لمصر في مواقفها والوقوف إلى جانبها ضد العدوان الثلاثي عليها، الذي أعقب قرار التأميم. وقد اتخذ الرئيس كيندي مواقف لم تكن متوافقة مع مواقف المملكة، ومع ذلك احتفظ الطرفان كلاهما باستقلال مواقفهما من دون أن تتأثر العلاقات الثنائية بينهما.
المثدر الشرق الاوسط
