المصدر ضفة ثالثة
بعد عقود على رحيلهما، يعود فريدي ميركوري ومونتسيرات كاباييه إلى واجهة النقاش العام في برشلونة، لا من خلال صوتيهما اللذين مزجا الروك بالأوبرا في واحدة من أكثر الثنائيات الغنائية جرأة في تاريخ الموسيقى، بل عبر مشروع تمثال يكرّم ذكراهما ويثير في الوقت ذاته اعتراضات لا تخلو من مفارقة.
أعلن عمدة برشلونة، خاومي كويبوني، خلال حلقة من برنامج إذاعي على راديو كاتالونيا في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بمناسبة الذكرى الخمسين لأغنية “بوهيميان رابسودي”، عن نيّة المدينة إقامة نصب تذكاري للثنائي الذي منح برشلونة نشيدها الأشهر. وأشار كويبوني إلى أنّ المدينة تحمل “دينًا معلّقًا” تجاه الفنانين اللذين ألهما جيلًا كاملًا بموسيقاهما المرتبطة بأولمبياد 1992. والمكان المرشّح لاستضافة التمثال هو ساحة غلوريس، التي أُعيد ترميمها حديثًا وتقع على مقربة من كنيسة ساغرادا فاميليا الشهيرة.
غير أنّ المشروع اصطدم بمعارضة من جمعيات الأحياء المحيطة بالساحة، وفق ما نقلته صحيفة “لا فانغوارديا” الكاتالونية ووسائل إعلام محلية أخرى. والطريف أنّ الاعتراض لا يطاول مغني الروك البريطاني الراحل، إذ صرّح ممثلو الجمعيات بوضوح: “ليست لدينا مشكلة مع ميركوري”. المشكلة، في نظرهم، تكمن في كاباييه ذاتها، ابنة برشلونة التي ولدت فيها عام 1933 وحملت اسمها إلى أرقى دور الأوبرا في العالم. فالسوبرانو الشهيرة، رغم إرثها الفني الاستثنائي، أُدينت عام 2015 بالتهرّب الضريبي بعد اعترافها بأنّها سجّلت إقامتها في إمارة أندورا الصغيرة، الملاذ الضريبي المعروف، بينما كانت تقيم فعليًا في إسبانيا. وقد صدر بحقّها حكم بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ، إضافة إلى غرامة تجاوزت 254 ألف يورو وحرمان من الإعانات العامة لمدة 18 شهرًا. ودفعت كاباييه ما يزيد عن 800 ألف يورو لتسوية قضيتها مع السلطات الضريبية الإسبانية.
يرى المعترضون أنّ صوتها الاستثنائي وحده لا يكفي لمنحها تكريمًا بهذا الحجم، وأنّها لا تصلح قدوة بسبب ما وصفوه بإخلالها بواجباتها تجاه بلدها. في المقابل، دافع أفراد من عائلة كاباييه عن المشروع، مؤكّدين أنّ الجوانب المثيرة للجدل في سيرتها لا ينبغي أن تطغى على إرثها الفني، وأنّها مثّلت برشلونة وإسبانيا في العالم بأسره على مدى عقود.
تعود قصة الأغنية التي يُراد تخليدها إلى عام 1986، حين ظهر ميركوري على التلفزيون الإسباني وأعرب عن إعجابه الشديد بكاباييه ورغبته في لقائها. وبلغ الخبر مسامع السوبرانو الكاتالونية، فرتّبت لقاءً جمعهما في فندق ريتز ببرشلونة في آذار/ مارس 1987. كانت برشلونة قد فازت قبل ذلك بعام باستضافة أولمبياد 1992، وكُلّفت كاباييه بالمشاركة في إنتاج أغنية للمناسبة. طلبت من ميركوري التعاون، فوافق بحماس، ولم يكتفيا بأغنية واحدة بل أنتجا ألبومًا كاملًا يحمل اسم المدينة.
سجّل الثنائي الأغنية عام 1987 بمساعدة الملحّن مايك موران، ومزجا فيها طاقة الروك بعظمة الأوبرا في تجربة نادرة أبرزت الفوارق بين الأسلوبين بدل أن تذيبها. غنّى ميركوري بصوته الباريتوني الطبيعي، بينما حلّقت كاباييه بأدائها الأوبرالي المعهود. وقد وصف النقاد العمل بأنّه اللقاء الحقيقي الأول بين الروك والأوبرا. أُطلقت الأغنية في تشرين الأول/ أكتوبر 1987 وبلغت المرتبة الثامنة في المملكة المتحدة، وهو إنجاز لافت لعمل يمزج بين نوعين موسيقيين متباعدين.
في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 1988، قدّم الثنائي عرضًا حيًا للأغنية في مهرجان “لا نيت” الذي أُقيم عند نافورة مونتجويك السحرية احتفالًا بوصول العلم الأولمبي من سيول. كان ذلك آخر ظهور حيّ لميركوري على المسرح، إذ كان قد بدأ يعاني من مرض الإيدز الذي أودى بحياته في تشرين الثاني/ نوفمبر 1991، قبل ثمانية أشهر من انطلاق الألعاب الأولمبية.
أخبر ميركوري صديقته كاباييه بمرضه عام 1990، قائلًا لها إنّه لن يستطيع الغناء معها في حفل الافتتاح. تذكّرت كاباييه لاحقًا في مقابلات تلفزيونية تلك اللحظة بتأثر بالغ، مشيرة إلى أنّ صداقتهما كانت أثمن من أي عمل فني مشترك. وبسبب وفاته، استبدل المنظمون النشيد الرسمي للأولمبياد بأغنية “أصدقاء للأبد” التي أدّاها خوسيه كاريراس وسارة برايتمان، إلا أنّ أغنية “برشلونة” عُرضت في فيديو ترويجي للمدينة قبيل حفل الافتتاح، وظلّت الموسيقى التصويرية لتغطية هيئة الإذاعة البريطانية للألعاب.
وقبل انطلاق نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1999 بين مانشستر يونايتد وبايرن ميونيخ على ملعب كامب نو، أدّت كاباييه الأغنية حيّة مع تسجيل صوتي لميركوري ظهر على الشاشات العملاقة، في لحظة مؤثرة استحضرت روح الثنائي الراحل.
أما بشأن الموقع النهائي للتمثال، فلا يزال النقاش قائمًا. وقد طرح حزب الشعب المحافظ موقعًا بديلًا عند نافورة مونتغويك السحرية، حيث قدّم الثنائي عرضهما الأخير معًا، ونشر الحزب صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر كيف يمكن أن يبدو التمثال هناك. وقال مستشار الثقافة في البلدية، خافيير مارسيه، إنّ المجلس الاستشاري للفنون الحضرية سينظر في جدوى المقترحات المختلفة وآليات تمويلها.
ثمة مفارقة لا تخفى في هذا الجدل: مدينة تريد تكريم ثنائي فني ربطها بالعالم، فيما يعترض بعض أبنائها على تكريم ابنتها التي حملت اسمها إلى أعرق المسارح، لأنّها أخطأت في شأن ضريبي. وكأنّ الذاكرة الجماعية تنتقي ما تريد الاحتفاظ به وما تودّ نسيانه، فتغفر لغريب ما لا تغفره لمن ينتمي إليها. ربما يكون التمثال، إن أُقيم، شاهدًا على هذا التوتر بين الفن والأخلاق، بين الصوت الذي يعلو وبين السيرة التي تتعثر.