جزيرة بوتان (تركيا) – جدد الزعيم الكردي المخضرم مسعود بارزاني، اليوم السبت، دعمه لعملية السلام والمصالحة في تركيا، مشيدا بموقف زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان وما قدمه من خطوات إيجابية بهذا المجال.
وتكتسب هذه الدعوة بعدا رمزيا وثقافيا عميقا كونها أطلقت من مدينة جزيرة بوتان ذات الأغلبية الكردية في تركيا، خلال المنتدى الدولي الرابع حول الشاعر الكردي ملا جزيري.
ويعكس اختيار المكان رسالة واضحة مفادها أن دعم السلام ينبع من قلب الثقافة والتاريخ الكردي المشترك، وليس مجرد حسابات سياسية عابرة.
جاء ذلك في كلمة ألقاها بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، أكد فيها على أهمية اللحظة التاريخية في المنطقة.
وقال بارزاني من كلمته، “هنا أود أن أشير إلى التحول الكبير الذي حدث في المنطقة، وهي عملية السلام في تركيا”، مضيفا “نحن سعداء جدا بالبدء في هذه العملية التي انطلقت بشكل منظم لأن الشعب والبرلمان والحكومة وجميع الأحزاب والأطراف السياسية في تركيا يدعمونها”. وبذلك، وضع بارزاني دعمه في سياق الإجماع التركي الداخلي، مما يعزز من فرص استدامة هذا المسار.
وأشار بارزاني إلى الأطراف الفاعلة في إطلاق هذا المسار، موجها تحية مزدوجة لكل من القيادة التركية وزعيم الكردستاني المحتجز.
وأضاف مخاطبا الحضور، “وهنا أتوجه بالشكر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والدولة والبرلمان والشعب التركي لفتحهم باب السلام، والذي هو أفضل خيار، وكذلك أُحيي أوجلان على موقف وما قدمه من خطوات إيجابية بهذا الصدد وادعوه لتقديم المزيد”.
ويبرز هذا الموقف اعترافا صريحا بالدور المحوري الذي لعبه أوجلان من سجنه في جزيرة إيمرالي، حيث كانت دعوته في فبراير الماضي هي الشرارة التي أدت إلى تحرك الحزب.
وتابع الزعيم الكردي كلمته بتأكيد التزام أربيل القوي تجاه هذا المسار، قائلا “نحن ندعم بكل قوة هذه العملية، ونحن مستعدون لتقديم كل ما هو باستطاعتنا في سبيل إنجاحها”.
ويعد هذا التعهد بمثابة عرض لإقليم كردستان العراق للعب دور الوسيط أو الضامن في أي مفاوضات مستقبلية، مما يمنح تركيا وحزب العمال الكردستاني قناة اتصال موثوقة بعيدا عن أزمات الماضي.
وتأتي دعوات بارزاني هذه متوافقة مع قناعته الراسخة التي لطالما عبّر عنها، ومفادها أن “الحرب ليست حلا للقضية الكردية في أي جزء من ‘كردستان الكبرى’، داعيا إلى حلها بالوسائل السلمية والديمقراطية.
ولا تنبع هذه المقاربة من مجرد حسن النية، بل هي جزء من إستراتيجية أوسع مدفوعة بالمصالح العليا لأربيل، فالاستقرار في تركيا يعني استقرار الشريك الاقتصادي الأكبر لإقليم كردستان العراق، ويزيل الضغط الأمني على الحدود المشتركة، ويفتح الباب أمام المزيد من التعاون الاقتصادي والسياسي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح عملية السلام في تركيا يرسخ النموذج الديمقراطي والحل السلمي للقضية الكردية في المنطقة بأسرها، مما يصب في مصلحة تطلعات أكراد العراق على المدى الطويل.
وشكلت هذه الدعوة المباشرة من بارزاني نقطة تحول في العلاقة بين أربيل وأنقرة، حيث لعب الزعيم الكردي دورا محوريا في مراحل سابقة من المفاوضات غير الرسمية بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.
وقد مثل بارزاني جسر الثقة الذي سهّل نقل الرسائل، معتمداً على نفوذه الإقليمي واحترامه لسيادة الدولة التركية، ويبرهن ذلك على إيمان بارزاني بقدرة الأطراف على تجاوز الأزمة عبر الحوار المباشر، بعيداً عن منطق السلاح.
وتعد كلمة بارزاني في جزيرة بوتان تتويجا لسلسلة من الخطوات الإيجابية التي اتخذها الجانب الكردي. وكان حزب العمال الكردستاني قد أعلن في 12 مايو الماضي حلّ نفسه وإلقاء السلاح، منهيا بذلك أكثر من أربعة عقود من النزاع المسلح ضد الدولة التركية خلف أكثر من 40 ألف قتيل.
وجاء هذا الإعلان تلبية مباشرة لدعوة أطلقها مؤسس الحزب وزعيمه عبدالله أوجلان في فبراير الماضي من سجنه في جزيرة إيمرالي قبالة إسطنبول، حثّ فيها مقاتليه على إلقاء السلاح وحلّ الحزب.
ويوضح هذا السياق أن عملية السلام ليست مجرد أمنيات، بل هي نتيجة تحرك ملموس على الأرض وداخل السجون، حيث أثبت أوجلان قدرته على توجيه قرارات الحزب نحو الخيار السلمي.
كما يعكس دعم بارزاني لهذا القرار المشترك رغبته في تثبيت هذا التحول التاريخي وضمان عدم تراجعه، محذرا من أن الفشل سيعيد المنطقة إلى دوامة العنف.
وبالنظر إلى التحديات التي لا تزال تواجه عملية السلام، مثل الحاجة إلى وضع إطار دستوري يضمن الحقوق الكردية في تركيا وتوفير ضمانات دولية للمقاتلين الذين يلقون السلاح، يظل الدور الذي يمكن أن يلعبه بارزاني أساسيا في دعم الجانب الكردي وتشجيع أنقرة على استمرار فتح أبواب الحوار السياسي الشامل.
ويشير إعلان بارزاني من الجزيرة لم يكن مجرد إشادة، بل هو دعوة لمرحلة جديدة من التعاون والتنسيق الإقليمي لضمان أن يكون السلام في تركيا نموذجا للاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله.
المصدر العرب اللندنية