محامي حقوق الإنسان خليل معتوق
أكرم البني 29/11/ 2025
كلمة القيتها اليوم في حفل تكريم خليل معتوق في برلين، والذي أقامه المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية…
من اللحظات الأولى لتعارفنا، كان ثمة سبب خفي دفعني لحب خليل معتوق واحترامه، ربما لأنه بادر للدفاع عنا كمعتقلين سياسيين شيوعيين، كانت قضيتنا، في ذلك الوقت، شبه منسية، وربما بسبب حرصه الدائم على مد الجسور معنا وخلق ما أمكنه من أواصر التقارب والتعاضد مع أسرنا، وربما يكمن السبب في روحه القريبة من كل قلب ووضوح دماثته في التعاطي مع الآخرين، وخلالسنوات معرفتي به بدت لي هذه الروح أصيلة وصادقة، لم ألمس في أدائه أية محاولة لخلاص ذاتي أو لاغتنام فرصة أو تسخير ما يقوم به لقاء مكسب أناني أو مادي.
زاد هذا الاحترام وداً وتقديراً، ثباته، في الدفاع عن أي معتقل دون تمييز، بصفته إنسان مضطهد، بغض النظر عن قوميته أو دينه أو مذهبه أو انتمائه السياسي أو جنسه، والأهم مواقفه الجريئة التي جاهر بها، دفاعاً عن حقوق الانسان ولضمان حرية الرأي والاعتقاد والمساواة بين البشر، في بلد أدمنت سلطاته لغة التميز والقهر، وأطلقت العنان لوسائل الاذلال والإرهاب، والأهم لأنه، وبرغم ما تعرض له من اتهامات وابتزاز وتهديدات، هو واحد من أهم المحامين الذين لم يتخلوا عن دورهم الديمقراطي في مواجهة سلطة الاستبداد والعنف، بدءاً من توقيعه على بيان الألف الشهير.
أذكر حواراً دار بيننا يوماً بعد أن حضر معي، كمحامٍ، أمام المدعي العام في محطة اعتقال قادة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، سألته حينها، لماذا تتعب نفسك في الحضور، ونحن نعرف، جميعنا، بأن مشاركتكم كمحامين ليست مجدية أمام أحكام تقررها الارادة السياسية والأهواء الأمنية، ولا مكان فيها للمحاججة القانونية أو الحقوقية؟
فاجأني جوابه الحاسم، والذي تبينت، فيما بعد، مدى صحته وجدواه، بان عليهم كمحامينالإفادة من أي فسحة تتاح لهم لتعرية شكلية هذه المحاكمات وتبعيتها، عليهم ألا يترددوا في تقديم مذكرات الدفاع عن كل معتقل سياسي برغم معرفتهم بأن تأثيرها على الأحكام شبه معدوم، لأن دورها الحقيقي هو فضح وسائل القهر والقوانين الجائرة وإحراج قضاة استسهلوا تحويل أنفسهم إلى ألعوبة في أيادي الأجهزة الأمنية، والأهم لتمكين الاعلام من نقل صورة، وحقيقة ما يجري، والسير خطوة خطوة نحو تشكيل رأي عام يواجه أساليب الاستبداد وبجور هذه المحاكمات ووظيفتها القمعية.
لم يتردد خليل معتوق في إعلان انحيازه لثورة السوريين ودعم حراكهم السلمي ضد ما عانوه من قهر وتمييز وفساد، كانت تملؤه العواطف الجياشة والحماسة لنصرة شعب قرر أخيراً كسر أغلاله، وإذا أضفنا موقفه الثابت في رفض استباحة أرواح الناس وكراماتهم، وفي الدفاع عن حقوق كافة السجناء الذين كانوا يعتقلون تباعاً أبان انطلاق الثورة، ومجاهرته إعلامياً ضد ما يستخدم من وسائل القتل والاذلال، يمكننا أن ندرك الدوافع التي جعلت السلطة تسارع الى تغييبه وإزاحة واحد من أهم الأصوات التي اعترضت على عنفها.
لكن تغييب خليل معتوق طوال تلك السنوات القاسية والمرة لم يمنع ما حدث، لم يمنع العجلة من الدوران، لقد تغيّر كل شيء، سقط نظام الاجرام والفساد وتحرر السوريون من أعتى العقبات التيتعترض مسار خلاصهم ونهضتهم.
من معرفتي بعمق إنسانية خليل معتوق وأصالة مواقفه الحقوقية، يمكنني أن أتخيل عمق الفرح الذي لا بد أن يغمره، جراء سقوط نظام الاجرام والفساد، كما أستطيع أن أخمن مدى ما قد يظهره من إصرار على التأسيس لعدالة انتقالية حقيقية كضرورة ملحة وأولوية لا غنى عنها لإزالة مخلفات الماضي الثقيلة، بما يساعد في بناء الثقة وتحييد أسباب تجدد الصراع وإعادة اللحمة بين مكونات المجتمع المتضررة، مثلما، يمكنني أيضاً أن أتخيل حجم حزنه وألمه مما تشهده البلاد حالياً من تشوهات ومخاطر، خاصة في حال لم يتم تجيير تضحيات ثورة السوريين العظيمة لتحقيقشعاراتها عن الحرية والكرامة، وفي حال اختزل حدث تاريخي عظيم كسقوط نظام الاجرام والفساد، لصالح حسابات متخلفة، ضيقة وأنانية، ستعيد، بلا شك، إنتاج الماضي بصور ووجوه جديدة.
في هذه المعمعة، وفي هذا المخاض العسير، يفتقد السوريون روحك يا صديقي، وتبدو الأوقات العصيبة التي يمرون بها، هي بالذات الأوقات الأنسب كي يستمدون منك القوة التواقة للحرية وحقوق الانسان.
يفتقد السوريون اليوم روحك لاستنهاض روح الايثار الوطني فيهم، روح التسامح والتعاون والتعاضد في زمن يستسهل فيه القتل والخطف والابتزاز، ويعلو فيه خطاب الكراهية والعنصرية والتحشيد الطائفي، وتالياً كي يستلهمون منك عمق ايمان النظرة الى الانسان كانسان، كي يتمثلوا خيارك بأن كل المضطهدين أمامك هم سواسية، هم مواطنون سوريون ويستحقون كل جهد للدفاع عن حقوقهم في الحياة والحرية والكرامة، وتالياً للدفاع عن التكافؤ والعدالة والمساواة.
ما ينفع الناس يمكث في الأرض أما الزبد فيذهب جفاءً، ومثلما ذهب نظام الاجرام والفساد إلى الابد، تبقى روحك ومبادئك حية في قلوب الناس إلى الأبد.
أكرم البني 29/11/ 2025