أصدر الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية مؤخراً المرسوم رقم 244 القاضي بإحداث هيئة مستقلة باسم «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك»، بمرتبة وزارة وتتبع مباشرة لرئيس الجمهورية. من المنظور الإداري البحت، يبدو هذا الإجراء طبيعياً، بل قد يُعدّ خطوة إصلاحية تهدف إلى مركزة القرار وتخفيف الروتين وزيادة كفاءة أداء قطاع اقتصادي حيوي وتحسين تحصيل الإيرادات. لكن من منظور الاقتصاد السياسي، تُثار الشكوك حول الدوافع الكامنة وراء هذا التحوّل، إذ تلوح في الأفق شبهة الريع؛ ومتى حضرت هذه الشبهة، حضرت معها تلقائياً شكوك الفساد وشبكات المحسوبية وبشكل خاص في السياقات التسلطية. لذا يجدر بنا النظر في الأمر بعمق للحكم على المآلات التي قد يُفضي إليها هذا المرسوم.

تُبنى هذه المادة على فكرة مفادها أن القرار الذي ينطوي على منح السلطة المركزية درجة عالية من التقريرية بشأن كتلة ريعية ضخمة، لا يمكن أن يُقارب بالمنظور الإداري فقط، بل بمنظور الاقتصاد السياسي للفساد والتسلط. أي أن  جذور الخلل ليست في «السلطة» مجردة ولا في «الريع» وحده، بل في درجة التقريرية وحجم الريع حين يرتفعان معاً. عند هذه النقطة، يبدأ النظام السياسي-الاقتصادي في إنتاج تشوهاته تلقائياً.

في الاقتصاد السياسي تُستخدَم التقريرية (Discretion) للدلالة على الحيّز الذي يستطيع صاحب السلطة أن يتخذ فيه قرارات تتعلق بتخصيص الموارد، أو منح الامتيازات، أو صياغة السياسات، من دون قيود مؤسسية واضحة أو قواعد مُلزِمة. هي درجة حرية القرار حين لا تكون الإجراءات مُحددة مسبقاً بما يكفي، فيُصبح الحكم الشخصي – سواء للوزير، أو المدير، أو الحاكم – هو العامل الحاسم. أي أن التقريرية هي اتساع المجال المتروك للتفضيلات الفردية لصاحب القرار عند تنفيذ سياسة عامة أو توزيع مورد اقتصادي، في غياب معايير موضوعية يُمكن التحقق منها أو في ظلّ ضعف آليات المراقبة والمساءلة.  كلما اتسعت التقريرية، أصبح القرار أقل خضوعاً للضوابط وأكثر اعتماداً على التقييم الشخصي، وهذا يفتح الباب لعدم اليقين، ولإمكانات النفوذ غير الرسمي، ولتحويل القرار إلى مورد في ذاته.

الريع مفهوم دقيق، وغالباً ما يختلط في الوعي العام بالربح، مع أن بينهما هوّة واضحة، فالريع اقتصادياً هو دخل يُحصَّل من مورد نادر أو امتياز احتكاري، من دون مساهمة إنتاجية إضافية، والقيمة تأتي من السيطرة على شيء لا يستطيع الآخرون الوصول إليه بسهولة: قطعة أرض في موقع استثنائي، أو امتياز حكومي، أو رخصة احتكار، أو مورد طبيعي مثل النفط، حيث يتدفق الدخل في هذه الحالة حتى لو لم يُبذل جهد إنتاجي يوازيه. إذن، الريع أشبه بعائد على «الوصول» أكثر من كونه عائداً على «العمل». أمّا الربح فهو فائض القيمة الناتج عن نشاط إنتاجي أو تجاري.

يتحقق الربح عندما يَبتكر المُنتِج، يُخفض التكاليف، يَرفع الكفاءة، أو يُقدّم سلعة أو خدمة يرى الناس أنها تستحق دفع الثمن مقابلها، ويرتبط الربح بالمخاطرة والاستثمار، وبمحاولة تقديم ما هو أفضل أو أرخص أو أسرع. أمّا الفارق الجوهري فهو أن الريع يقوم على امتياز، فيما يقوم الربح على تنافس. ففي الريع، يتحدد الدخل بمدى القدرة على احتكار مورد أو الحصول على دعم سياسي. بينما في الربح، يتحدد الدخل بمدى القدرة على خلق قيمة في سوق مفتوحة نسبياً. النتيجة أن الاقتصادات التي يغلب عليها الريع تميل إلى الجمود، في حين تميل الاقتصادات التي يغلب عليها الربح إلى الابتكار والحركة.

في النظم التسلطيّة، يتعامل الحاكم مع الريع كأداة سياسية قبل أن يكون مورداً اقتصادياً، فالريع هنا يتحوّل إلى مادة لاصقة للولاءات، وتوزيعه على شبكات محسوبة يخلق نخبة مرتبطة ببقاء السلطة، ويرسخ بين الفاعلين الاقتصاديين شعوراً بأن مستقبلهم مرهون باستمرار النظام، في المقابل، تتغذّى السلطة على هذا الاعتماد. وما دام الريع يتدفق، يغدو خفض أهمية التمثيل السياسي ممكناً، وتُصبح المشاركة العامة في شرعية الحكم أقل وزناً. وغياب الضرائب الواسعة يُقلل من مطالبة المجتمع بالرقابة على الدولة، لأن القاعدة التاريخية «لا ضرائب بلا تمثيل» تعمل أيضاً بالعكس: فحين لا يدفع الناس، لا يطالبون بالكثير. والمحصلة شبكة سلطة مشدودة بخيوط اقتصادية لا تقوم على الإنتاج بل على التحكم في الوصول إلى المنافع. وكلما زادت القدرة على التحكم في منافذ الريع، زادت قدرة النظام على البقاء. وكلما ترسّخ هذا النمط، تضاءلت فرص بناء مؤسسات مستقلة أو اقتصاد منتج.

حين تتسع التقريرية، تُصبح القرارات عُرضة للتغيّر وفق العلاقات والولاءات والضغوط، لا وفق قواعد عامة. وعندما يكون الريع كبيراً، يُصبح كل قرار تقريري قناة مُحتملة للحصول على مكسب كبير من دون إنتاج، واجتماع هذين العاملين يخلق بيئة حاضنة للفساد. لكن حين تكون التقريرية محدودة أي أن المؤسسات تُقيّد القرار، وتُحدد مسارات واضحة للمنافسة يُصبح الريع – حتى وإن كان مرتفعاً – قابلاً للإدارة. وإذا كان الريع صغيراً، فحتى مع قدر معيّن من التقريرية، يظل نطاق الفساد ضيقاً لأن العوائد ببساطة ليست مغرية بالقدر الكافي. الاضطراب يظهر عندما تجتمع القدرة على تقرير الاستثناء مع موارد كبيرة يمكن منحها عبر الاستثناء ذاته، عندها يتشكّل ما يشبه اقتصاد الوصول، حيث يُصبح النفوذ أهم من الكفاءة، ويُصبح القرب من مركز القرار أثمن من أي استثمار منتج.

ضمن السياق أعلاه يُصبح السؤال ما هي درجة التقريرية وحجم الريع الذي يوفره القرار244؟

رغم أنه لا يمكننا قياس حجم الريع الناتج عن القرار، لكننا نستطيع تقدير الأهمية النسبية للأنشطة الاقتصادية التي يُمكن تخضع للريع. وفي حالتنا هذه، يدور الموضوع حول التعامل مع العالم الخارجي. واقتصادياً يُمكن تصور حجم هذا التعامل من خلال نسبة الصادرات والمستوردات إلى الناتج المحلي (الدخل القومي)، وهو مؤشر لحجم الاقتصاد الكلي. وتُشير الإحصاءات إلى أنه خلال الفترة الممتدة بين عامي 1960-2022 تجاوزت نسبة التعامل مع العالم الخارجي الـ 50 بالمئة. ولو أخذنا في الاعتبار خصوصية الغنى الريعي في قطاع التعامل مع العالم الخارجي والمعابر يُمكن أن نتصور الحجم الهائل للريع الذي يُمكن تحقيقه من هذا القطاع، فالمعابر الحدودية لا تُنتج نوعاً واحداً من الريع بل أنواعاً متعددة تتشابك في المكان نفسه، والسلطة التقريرية عند المعبر تولّد ريعاً قائماً على القرار: من يعبر؟ وما الذي يُسمح بدخوله؟ وبأي شروط؟ والموقع الحصري للمعبر يُنتج ريعاً احتكارياً، لأن السوق لا تملك طريقاً بديلاً. ويتحوّل تدفّق السلع الأساسية إلى مورد سياسي، لأن التحكم بالغذاء والدواء والوقود يعني التحكم بالسوق وبالضغوط الاقتصادية الممكنة. وفوق ذلك كله تتشكل شبكات من المسؤولين والوسطاء والتجار، تعيش على تبادل المنافع والامتيازات.

في سوريا إرث ثقيل من السلطة المركزية ذات السلطة التقريرية العالية في سياق ضعف حاد أو غياب شبه كامل للمؤسساتية وسيادة القانون. وقد فاقم الدمار الاقتصادي الناتج عن الحرب هذا الوضع وعزز الأنشطة الريعية المتعلقة بالتهريب وتجارة المعابر. وحتى الآن في سوريا بعد سقوط نظام الأسد ليس هناك توجه واضح نحو بناء مؤسسات قوية ودعم سيادة القانون واستقلال القضاء والرقابة والشفافية.  أي أن التقريرية في سوريا مرتفعة لأنها جزء من بنية سياسية مركزية ترسّخت قبل الحرب، ثم تعمقت بعدها. فالدولة تُسيطر على معظم الموارد في اقتصاد ضعيف، وتمنح المسؤولين قدرة واسعة على اتخاذ قرارات غير مُقيّدة بقواعد ثابتة. إن تركّز السلطة في قمة ضيقة يجعل الوصول إلى صانع القرار أهم من أي إنتاج أو كفاءة، فيتحول القرار نفسه إلى مورد اقتصادي. ومع ضعف المؤسسات وغياب المنافسة، يمتزج الريع بالتقريرية ليُنتج فساداً بنيوياً يصعب إصلاحه من دون تغيير طريقة عمل السلطة نفسها.

من هذا المنظور جاء القرار 244، الذي يربط هيئة مباشرة برئاسة الجمهورية ويُحصّنها من أجهزة الرقابة المختلفة، إضافة إلى تعيين أحد مقربي الدائرة العائلية للرئيس على رأسها، ليدعم الاتجاه السائد وزيادة درجة التقريرية وهندسة مصادر ريع ضخمة. والغاية في النهاية هي تعزيز هيمنة السلطة وتسلطها باستخدام آلية توزيع الريوع عبر شبكات المحاسيب والموالين.