قراءة تحليلية في أول استطلاع وطني بعد سقوط الأسد**
بعد عام واحد فقط على سقوط نظام بشار الأسد، تقف سوريا عند مفترق طرق تاريخي تحاول فيه إعادة بناء ذاتها من جديد. فبلد أنهكته الحرب وتتجاوز كلفة إعادة إعماره 200 مليار دولار، يجد نفسه اليوم أمام تحديات عميقة تتعلق بالحوكمة، والاقتصاد، وأمن المجتمع، وموقعه على الخريطة الإقليمية والدولية. وفي ظل هذه التحولات الكبرى، برز أول استطلاع وطني شامل أجراه “الباروميتر العربي” ليقدّم صورة غير مسبوقة عمّا يفكر به السوريون حقًا، وما الذي ينتظرونه من حكومتهم الجديدة.
الاستطلاع الذي شمل 1,229 مواطنًا من مختلف المناطق والمكونات، أُجري بين نهاية أكتوبر ومنتصف نوفمبر 2025، ويمثل أول محاولة بحثية منظمة لقياس اتجاهات الرأي العام السوري منذ التغيير السياسي الكبير. النتائج تحمل مزيجًا من التفاؤل والقلق، الوعد والخطر—وتكشف عن بلد يتطلع للمستقبل لكنه لا يزال مسكونًا بذاكرة جراحه.
ثقة شعبية واسعة… ولكن بشروط
تحظى الحكومة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بمعدلات ثقة مرتفعة؛ إذ أعرب 81% من المواطنين عن ثقتهم بالرئيس، و71% بالحكومة، و62% بالقضاء، و71% بالجيش. هذه الأرقام تضع القيادة السورية الجديدة في موقع مريح نسبيًا، لا سيما مقارنة بالعهد السابق الذي تميّز بالقمع الواسع والاستنزاف الإنساني والاقتصادي.
وبحسب الاستطلاع، يشعر السوريون بأن منسوب الحريات تحسّن بشكل ملحوظ:
-
73% يرون أن حرية التعبير متاحة،
-
73% يعتبرون أن الصحافة أكثر حرية،
-
65% يقولون إن الاحتجاج السلمي أصبح ممكنًا.
لكن هذا الرصيد الشعبي ليس بلا حدود؛ فالتقييمات الإيجابية ترتبط بشكل مباشر بظلّ حقبة الأسد، وليس بالأداء الفعلي للحكومة الجديدة. ومع مرور الوقت، سيتراجع أثر المقارنة، وسيتحوّل الحكم على السلطة الحالية إلى تقييم مباشر لنتائجها على الأرض.
الاقتصاد… العقدة الكبرى
رغم الثقة السياسية، يشير الاستطلاع إلى سخط شعبي عارم من الوضع المعيشي. إذ يعدّ السوريون الاقتصاد التحدي الأكبر الذي يواجه البلاد:
-
17% فقط راضون عن الأداء الاقتصادي.
-
56% يعانون لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
-
86% يقولون إن دخل الأسرة لا يكفي.
-
65% عانوا من نفاد الطعام في الشهر الأخير بسبب نقص المال.
-
70% يعتقدون أن الفساد أقل من عهد الأسد، لكنه ما زال واسع الانتشار.
كذلك، تتراجع الثقة في الخدمات العامة: الكهرباء، المياه، السكن، والرعاية الصحية—all تسجّل نسب رضا دون 40%.
هذه المؤشرات تنذر بخطر سياسي حقيقي: فغياب تحسن ملموس في الوضع المعيشي قد يقوّض الثقة السياسية مهما كانت مرتفعة الآن.
أمن هشّ وسلاح خارج الدولة
ورغم أن السوريين يشعرون بالأمان داخل أحيائهم بنسبة 94%، فإنهم يعبرون عن مخاوف كبيرة تتعلق بالأمن الوطني.
يرى المواطنون أن “احتكار الدولة للسلاح” هو التحدي الثاني بعد الاقتصاد.
-
74% يريدون سحب السلاح من الجماعات غير الرسمية.
-
78% من الأفراد المسلحين غير المرخّصين.
-
63% يعتبرون الخطف تهديدًا خطيرًا.
هذه الأرقام تعكس رغبة السوريين في دولة قوية قادرة على فرض القانون.
الانقسام الجغرافي… جرس إنذار
أخطر ما كشفه الاستطلاع هو التفاوت الهائل في الثقة بالحكومة بين المحافظات:
-
في اللاذقية، السويداء، وطرطوس، التي تضمّ مجتمعات علوية ودرزية كبرى، تتدنى الثقة بالحكومة والرئيس والجيش إلى مستويات خطيرة.
-
سكان هذه المحافظات لا يشعرون بوجود حريات سياسية كافية، ولا يعتقدون أن الحكومة تستجيب لاحتياجاتهم.
هذه النتائج تعكس إرث الانقسامات الطائفية التي رسّخها النظام السابق، إضافة إلى أحداث انتقامية شهدتها تلك المناطق عام 2025، ما عزّز شعور الأقليات بعدم الأمان في سوريا ما بعد الأسد.
ويبدو أن السوريين يدركون هذا الخطر؛ إذ يرى 78% أن عدم التسامح يمثل مشكلة وطنية، و41% يشددون على أهمية “قبول الآخر” كأهم درس من سنوات الصراع.
العدالة الانتقالية… مطلب واسع لكن غير موحّد
بينما يريد السوريون معالجة مظالم الماضي، فإنهم يختلفون حول من يستحق الاعتراف أولًا:
-
40% يرون ضرورة الاعتراف بمعاناة الجميع قبل 2024.
-
38% يرون أن معاناة الأغلبية (السنة) تستحق اعترافًا أكبر.
و70% يريدون أن تشمل العدالة جميع الجرائم—not فقط جرائم نظام الأسد.
كما يرفض السوريون الحلول خارج القانون بشكل حاسم:
91% ضد العنف خارج القضاء.
هذه المواقف تكشف عن رغبة شعبية في بناء عدالة انتقالية شاملة، لكنها تُظهر أيضًا حساسية عالية في موضوع الهوية والانتماء.
العلاقات الخارجية… انفتاح حذر
يرحب السوريون بالمساعدة الخارجية؛ إذ يرى 80% أنهم يحتاجون دعمًا اقتصاديًا أو تنمويًا. وتتصدر السعودية وقطر قائمة الدول الأكثر قبولًا، تليهما تركيا.
أما الغرب، فيحظى بدعم ملحوظ:
-
70% ينظرون إيجابًا للاتحاد الأوروبي.
-
66% ينظرون بإيجابية للولايات المتحدة.
-
61% يبدون موقفًا إيجابيًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
لكن الدعم يتوقف عند خط أحمر:
فقط 14% يدعمون التطبيع مع إسرائيل، و92% يرون سياساتها تهديدًا خطيرًا لسوريا والمنطقة.
خلاصة: نافذة أمل… لا بد من انتهازها
يكشف الاستطلاع أن السوريين—بعد سنوات من القمع والحرب—منفتحون على الديمقراطية، راغبون في المصالحة، ويسعون إلى مستقبل أفضل. لكنهم في الوقت ذاته قلقون، مثقلون بمخاوف اقتصادية وأمنية وطائفية.
هناك فرصة حقيقية لإعادة بناء سوريا، لكن النافذة لن تبقى مفتوحة طويلاً.
فالحكومة الجديدة أمام امتحان تاريخي:
إما أن تُترجم الثقة الشعبية إلى أداء فعلي يعيد الأمل للسوريين،
أو أن يفقد البلد فرصة نادرة للنهوض من جديد
.المصدر. مقال مترجم عن الصحافة العالمية