ملخص
في كتابه “أحلام الكتابة الضائعة” اختار الشاعر والمترجم والصحافي اللبناني – الفلسطيني الراحل إسكندر حبش، 37 كاتبا، للترحل بين أعمالهم، تجمعهم صفة مشتركة: تنافرهم مع واقعهم، أو بصيغة أخرى فشلهم في تحقيق أحلامهم الحياتية، فأصبحت الكتابة بديلاً عن خيباتهم الشخصية بصورة أو بأخرى عن الواقع المعيش
لعل عنوان هذا السفر ضمن ثمانية أسفار صدرت (عن دار دلمون الجديدة السورية) تحت يافطة “ترحلات”، يحمل معنى آخر للمفردة، وأعني بها السفر بين الكتب خلال مسارات سنوات كثيرة كرسها الشاعر والمترجم والصحافي اللبناني – الفلسطيني إسكندر حبش، ليترك وراءه خزاناً ضخماً من الكتابات الأدبية المتناثرة هنا وهناك، وعند جمعها معاً سنكتشف أن ما أنتجه من أعمال أدبية (بضمنها دواوينه الشعرية) تتجاوز ما يمكن أن تنتجه حياة شخص واحد لم يزد عمره البيولوجي عن الـ62 سنة، انقضى جزء أساس منها خلال الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة الأمد، فهو لم يكن قد تجاوز الـ13 سنة حين نشبت عام 1975 ليستمر اشتعالها حتى عام 1990. مع ذلك فقد تمكن من الحصول على شهادة الدكتوراه في الآداب من الجامعة اللبنانية، ربما في خضم عمله كمحرر للصفحة الثقافية ولفترة طويلة في صحيفة “السفير”، حتى انغلاقها عام 2016 بسبب أزمة التمويل.
الكتابة بديلاً عن الخيبة
في كتابه هذا “أحلام الكتابة الضائعة” قد يثار سؤالان لدى القارئ: الأول هو مفردة “الضائعة”: هل هي تعود للأحلام أم للكتابة نفسها، وإذا كانت تعود للأولى فيمكننا كتابتها بهذه الطريقة: الأحلام الضائعة للكتابة وعند ذلك سيكون مغزى العنوان متسقاً مع الجملة الافتتاحية التي اختارها إسكندر حبش لكتابه هذا من الكاتب الفرنسي جوريس كارل هويسمانز: “في الحقيقة، عندما أفكر في الأمر، أجد أن للأدب سبباً واحداً لوجوده: إنقاذ من يكتبه من اشمئزاز الحياة”!.
وإذا طبقنا هذا التأويل فهذا يتطلب أن يكون الكتاب الـ37 الذي اختيروا لهذا الكتاب تجمعهم صفة مشتركة: تنافرهم مع واقعهم، أو بصيغة أخرى فشلهم في تحقيق أحلامهم الحياتية، فأصبحت الكتابة بديلاً عن خيباتهم الشخصية بصورة أو بأخرى عن الواقع المعيش.
ينطبق الفصل الأول من هذا الكتاب: “الغولاغ والطوباوية” على هذا التأويل ابتداء من الجملة المقتبسة من الكاتب الروسي فارلام شالاموف (1907-1982): “لم يكن هناك سوى اللامبالاة والحسد والخوف لتشهد على عودتي للحياة، لقد عادت لي الشفقة على الحيوانات قبل الشفقة على الإنسان”.
لقد كان شالاموف واحداً ممن قضوا جزءاً كبيراً من حياتهم في ما عرف لاحقاً باسم “الغولاغ”: معسكرات العمل الكبرى التي تأسست خلال العشرينيات من القرن الـ20 لكل من اعتبر عدواً للدولة الاشتراكية في طورها الجيني الأول، وهذه المعسكرات تقع في مناطق شديدة البرودة ونائية تحتاج إلى عمل جماعي شاق لربطها بالمدن الأقرب إلى موسكو، ولإنشاء بناها التحتية، وما يكسبه هؤلاء المحكومون إبقاؤهم على قيد الحياة، (على رغم أنهم سيظلون يتساقطون بغزارة كالفراش)، وكأن الحلم الذي ظل يبشر به المفكرون والمناضلون الكبار قبل ثورة أكتوبر 1917 في روسيا القيصرية بتحقق المساواة الحقيقية بين المواطنين، وإنهاء استغلال الانسان لأخيه الإنسان مرة واحدة، وإلى الأبد تحول بعد سنوات قليلة إلى كابوس حقيقي.
الجنون و”مغامرة الأنوار”
يفتتح إسكندر حبش فصله هذا بمقطع مملوء بالمفارقة السوداء: “في إحدى قصائده الشهيرة التي تعود لمرحلة البناء والتغيير قام الشاعر الروسي زابولوتسكي الذي أمضى في ما بعد، عدداً من السنوات في ’الغولاغ‘، بمدح ’الزراعة‘ الاشتراكية، وسير الطبيعة التي يصنعها الإنسان، خلال عملية بنائه: ’لنجمع الجنون الأخرق والعقل بين الاتجاهات الفارغة، سنبني منزلاً مدرسة للعوالم التي ستأتي‘. على رغم كل هذه الأحلام بمستقبل أفضل، لم يزد الوضع في النهاية عن جنون أخرق وقسوة وتدمير لكل الاتجاهات والحواس التي يمكن أن يعرفها الإنسان في مروره على الأرض، التي قد تحمله في مغامرة كانت تعبر عن نفسها بالقول إنها مغامرة ’الأنوار‘، التي كانت أيضاً بالنسبة إلى كثيرين وما تزال نتاج العقلانية المهجنة بالعنف الهيغيلي”.
يحمل الكتاب الذي ألفه شالاموف بعد خروجه من الغولاغ الذي ألغي على إثر وفاة ستالين عام 1953، عنوان “حكايا الكوليما” و”كوليما”، هذه آخر نقطة في أطراف سيبيريا حيث يمتد الغولاغ. وفي قراءة حبش النقدية لهذا المؤلف، يقدم لنا مفتاحاً مهماً لقراءته ضمن أدب المذكرات المميز: “ثمة تركيب على درجة كبيرة من التعقيد في كتابة شالاموف، إذ يلجأ إلى كتابة مقاطع (وهو الأسلوب الذي كان عزيزاً على قلب رولان بارت)، علينا أن نقرأها كما لو أنها تمثل فصولاً متنوعة من رواية طويلة. مقاطع تعود باستمرار لينابيع النص، للأسطورة البدائية للموت المحتمل، للإقامة في قبر الانبعاث. نص شالاموف، نص متحرك على خلاف الحياة التي كانت موجودة في مخيمات الاعتقال، على خلاف الطبيعة المتجمدة التي كانت تلف المنطقة بثلوجها القاسية. وكأن أجساد المعتقلين هي النصوص ذاتها، لأن الواقع يحفر نفسه في داخلها”.
الفن وإخماد الإنسان
يقف الكاتب إسكندر حبش قليلاً عند كتاب آخر أرخ لتجربة “معسكرات العمل”، ألفه الكسندر سولجنستين (الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1970): “أرخبيل الغولاغ”. ليستنتج بأن هذا الكتاب مع “حكايا الكوليما” يشكلان صرحين عملاقين ومتناقضين في الوقت عينه: “الأول حول موسوعة العنف الشيوعي، والثاني حول الألواح المتجمدة للموت الذي منهجته اليوتوبيا. عملان يشكلان “أرشيفاً” لهذا التاريخ البشري، وبخاصة الترجمة الجديدة والكاملة لكتاب شالاموف الذي يتخذ اتساعه ومداه ليقف على صف واحد مع ما كتبه سابقاً كل من بريمو ليفي وباول تسيلان وإيمري كيرتيش. صحيح أن الفن لا يستطيع أن يغير شيئاً، لكنه الوحيد الذي يعيد الاعتبار والعدالة المفقودة لكل هؤلاء الذين حطمتهم و”طحنتهم” آلات “فرم” اللحم البشري في داخل هذه المخروطية المقلوبة التي وصفها دانتي، تلك الآلة ذات الرأس الواقع في أسفلها، في قلب الأرض التي نحيا عليها. عدالة تقول فقط إن الفن يقترب من إخماد الإنسان، أي من إخماد الفن نفسه”.
لعل السؤال الثاني الذي قد يستثار في ذهن القارئ هو التالي: هل “أحلام الكتابة الضائعة” كتاب توحده ثيمة الاغتراب العميق عن الواقع لدى الكتاب الـ37 الذين اختارهم اسكندر حبش أم هي مقالات متفرقة لا رابط يجمعها؟
للوصول إلى إجابة عن هذا السؤال يحتاج المتلقي إلى قراءة كل الفصول المكرسة لـ37 كاتباً ينتمون إلى أوطان مختلفة، مثل اليابان وأميركا والأرجنتين والمكسيك وهنغاريا وغيرها. وهنا نجد البراعة المميزة التي وظفها إسكندر حبش في إشراك قارئه بالتنقل ما بين كولاجاته المتعددة الأغراض ما بين سرد مكثف من سيرة هذا الكاتب أو ذاك، ثم الانتقال إلى بعض أعماله الأدبية وتقديم بعض من ثيماتها الأساسية. هذا الأسلوب الذي اتبعه حبش يشد القارئ إليه بفضل تلك الجسور الخفية الرابطة بين أغراض مختلفة من نقد لعمل أدبي ما، ثم استكشاف الخيط الرابط بينها وبين حياة مبدعها نفسه.
“أشباح” آرنستو ساباتو
في فصل آخر مكرس للروائي الأرجنتيني آرنستو ساباتو عنوانه: “ليل يخيم على الأرض”، يفتتح هذا الفصل مثل بقية الفصول باقتباس من الكاتب نفسه: “يحدث أننا نعتقد أنفسنا أننا بشر خارقون، حتى يأتي اليوم الذي ندرك فيه أننا مثل الآخرين، تافهون وبغيضون ومزيفون”. وبدلاً من تناول رواياته ساباتو الثلاث التي ترجمها إلى العربية عن الإسبانية عبدالسلام عقيل: “النفق” و”أبطال وقبور” و”ملاك الجحيم أبدون” يسلط حبش الضوء على جوانب أخرى من سيرة ساباتو تضيء لنا ما ظل خفياً في رواياته الثلاث البارزة عالمياً. يقول ساباتو: “إن الأدب هو الشيطان الحقيقي، إنه ملك الخواء: فالكتابة ليست سوى عذاب أبدي. كنت أرغب في الوصول من خلال المتخيل إلى شيء لن يكون زنبرك معرفتنا، ولكنني كنت أحذر من سلطة الكلمات التعزيمية”.
يختتم اسكندر حبش هذا الفصل الشيق عن ساباتو بهذا المقطع الجميل: “ثلاث روايات، شكلت عملاً متكاملاً، هذا من دون أن ننسى الأبحاث، منها ’الكاتب والكارثة‘، وحواراته مع كاتانيا بعنوان ’أشباحي‘ التي تأتي بمثابة بحث في الأدب والسيرة. والسؤال: هل ثمة كتب ستصدر بعد لساباتو؟ في واقع الأمر، رجته ماتيلد، زوجته، ذات يوم، أن يكف عن إتلاف مخطوطاته، وانصاع لأمرها. لذلك يقول المقربون منه، إن عدداً من هذه المخطوطات ينتظر، وسيعود الأمر لمنفذي وصيته في اعتبارها صالحة للنشر أم لا. ويعني هذا، أن ساباتو يكتب حالياً، هل يكتب مذكراته: ’كلا، إن الروائي لا يستطيع كتابة المذكرات، لأن الكلمات تسبقه‘. هل هي سيرة ذاتية إذاً: ’آه، كل عمل هو نوع من السيرة الذاتية. إن الشجرة التي رسمها فان غوغ، ليست سوى بورتريه لروحه‘. تماماً، كما هي كتب ساباتو، لأنها لم تكن سوى بورتريه لروحه”.
من بين الأسماء التي تناولها إسكندر حبش في كتابه “أحلام الكتابة الضائعة” كتاب بارزون، مثل الأميركيين صول بيلو وآرثر ميلر والياباني دازاي أوسامو والألماني غونتر غراس والإيطالي إمبرتو إيكو والألباني إسماعيل كاداريه والجنوب أفريقي ج. أم. كوتزي، ومعهم جميعاً يساعدنا بأسلوبه الشيق العميق في التعرف على تلك الخيوط الرابطة ما بين سيرة الكاتب وأعماله الأدبية.
هذا الكتاب يكشف أننا مع كاتب متطلب، يبحث عن قارئ متطلب أيضاً.
المصدر اندبندنت عربية
