..عمر كوش كاتب سوري
شهدت قراءة وكتابة التاريخ تغيرات في العقود القليلة الماضية مع تغيّر منظومات التفكير في حياة البشر ومستقبلهم، وتقف وراءها حيثيات عديدة، يتعلق بعضها بتطور علم التاريخ من جهة كونه علمًا، إضافة إلى علاقته بالعلوم الأخرى، ويتصل بعضها الآخر بالتناول النقدي لمناهج البحث التاريخي المتبعة. وساهمت عوامل ومؤثرات عديدة في توجيه كتابة التاريخ وتشكيلها، وفي استغلاله سياسيًا من طرف تيارات سياسية متعددة، وتحولت إلى ساحة صراع بين نزعات أيديولوجية لجأت إلى توظيفها واستثمارها من أجل تحقيق غايات سياسية، ولم تلتفت تلك النزعات إلى تاريخ البشر في مجتمعاتهم، كما لم تأخذ في اعتبارها جميع مظاهر وظروف الحياة بمختلف تفاصيلها الاجتماعية والسياسية والثقافية. وفي هذا الإطار، يطالب المؤرخ الفرنسي هنري لورنس في كتابه “التاريخ المفروض” (ترجمة جان جبور، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة ــ 2025) بتبني منهج نقدي في التعامل مع “المعرفة التاريخية”، لأن طريقة طرح الماضي من قبل المؤرخ تؤثر مباشرة في كيفية تشكيل الذاكرة والهوية والسياسة المعاصرة، بالنظر إلى أن العلاقة بالماضي ليست وصفًا محايدًا، بل مصدرًا دائمًا للجدل والسياسة. ويدعو إلى اتباع نهج متوازن يحترم تعقيد التاريخ، ويرفض التلاعب به، محذرًا من تحويل التاريخ إلى أداة للصراعات السياسية، أو الثقافية. ثم يقدم تحليله النقدي لكيفية فرض روايات تاريخية مشوهة، من أجل خدمة أجندات سياسية واجتماعية معاصرة. ويدافع عن المنهج التاريخي العلمي ضد الخطابات ما بعد الاستعمارية، وتلك القائمة على تصور الضحية، مع التركيز على قضايا مثل الاستشراق والاستغراب، والعنف التاريخي، والذاكرة الجماعية. وتبيان كيفية تطور هذه التيارات وكيف تداخلت مع حركات فكرية أخرى، من دون أن تكون بالضرورة في تناقض صارخ معها، الأمر الذي يظهر أن التاريخ الثقافي والفكري للمجتمعات أكثر تعقيدًا من سرديات بسيطة.
يشدّد لورانس على أن موضوع التاريخ هو الزمن. ومن هذه الناحية، يشكل التاريخ نظيرًا للفلسفة التي تبحث في سبب الوجود. وهما يتقاطعان من جهة تاريخ الفلسفة، مع التأكيد على أهمية المنهج التاريخي العلمي، والتشديد على أن المؤرخين ليسوا “سادة الماضي”، بل باحثين يعتمدون على الأدلة والتحليل النقدي، الذي يتطلب توجيه النقد نحو الروايات التاريخية المبسطة التي تُفرض لخدمة أهداف سياسية، خاصة تلك المتأثرة بالخطابات ما بعد الاستعمارية.
يتعلق الأمر، إذًا، بنقل الماضي وتمثيله، أو على الأقل إعطاء نسخة معينة منه، لكن على المؤرخين أن يعترفوا بأنهم ليسوا المتفردين بتمثيل الماضي، وأن يكونوا على دراية بالسمات الأساسية للمنهج التاريخي، التي تطاول الكيفية التي تُبنى وفقها الوقائع، وحدود الاستنتاج التاريخي، وخطر إسقاط أحكام الحاضر على الماضي، بل في إبراز ضرورتها لفهم ومقاربة الخطابات الراهنة حول التاريخ والذاكرة.
يدور تفكير لورانس في هذا الكتاب حول التعامل مع التاريخ بوصفه حقل نقاش مفتوح، مع المطالبة بوعي منهجية المؤرخ وحدودها، وبمخاطر السماح لسردية واحدة بأن تهيمن على الذاكرة الجماعية، حيث تبرز الدعوة إلى مزيد من الانفتاح على الأرشيف، وتعزيز منهجية نقدية وتعددية في كتابة وتدريس التاريخ، وأن يقوم المؤرخ بمساءلة مفهوم التاريخ نفسه، وأن لا يكتفي بتقديم تاريخ بديل فقط، انطلاقًا من اعتبار التاريخ مرآة لا تعكس الماضي فحسب، بل تفضح آليّة النظر إليه أيضًا، وذلك كي لا يغدو التاريخ مجرد أرشيف من الوقائع، بل ميدان تدار فيه معركة الرموز والذاكرة، حيث تُصاغ حكايات الأمم والمجتمعات على ألسنة
المنتصرين.
يفتح التفكير النقدي للتاريخ المجال للنظر في أعمال العنف خلال القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، من خلال البحث في الإطارات الزمنية التي تُدرج فيها هذه الأحداث. ويذهب باتجاه تحول المقاربات التاريخية من تقديس البطل إلى إبراز الضحية، ومن توجيه النظر إلى الماضي إلى توجيهه نحو الحاضر والمستقبل. فالنقاشات الراهنة توجه نحو ما قدمته مدرسة ما بعد الكولونيالية، والتدقيق في الحجج التي تريد فرض قراءات أحادية للماضي، التي تكمن فيها إحدى محاولات تحويل التاريخ إلى أداة تُفرَض باعتبارها حقيقة نهائية عوضًا عن أن تكون موضوع نقاش وتحليل نقدي متعدد الأصوات.
لا تكمن أهمية التناول النقدي في كشف تزييف الرواية الاستعمارية فقط، بل في فضح نُظم التفكير التي أنتجت هذا التزييف وألبسته ثياب العقلانية، فالعنف ليس انفجارًا غريزيًا همجيًا حسبما تحاول الخطابات المهيمنة الرسمية تصويره، بل هو ناتج مباشر للعقل المهيمن ذاته حين يَستبدّ بالتنظيم والتبرير، وبالتالي فإن الحرب ليست نقيض الحضارة، بل إحدى تجلياتها القصوى. ولعل المفارقة المريرة التي تسكن قلب الحداثة تتجسد في أن العقل الذي ابتكر علم الهندسة والفن والسياسة هو ذاته صاغ هندسة التطهير والإبادة، وكتب بروتوكولات القصف، وشيّد معسكرات الموت باسم النظام والعقل والإنسان. ووفق هذا المنطق، تصبح الحرب لحظة صدق، لا بوصفها استثناء من التاريخ، وإنما استكمالًا له حين يسقط القناع عن وجهه الحقيقي. وفي مثل هذه الأوقات، يتجسد الإنسان في أقصى تناقضاته، فهو صانع الجمال من جهة، ومهندس الدمار من جهة ثانية.
لا يتوقف التاريخ عند تحليل العنف في صورته السياسية، أو العسكرية، بل يمتد إلى الغوص في عمقه الثقافي والنفسي، كونه لا يختصر في سرد الوقائع، بل يتحول إلى صراع على الذاكرة، وما يُمحى من الذاكرة لا يقل خطورة عما يُرتكب في الواقع، لأن السيطرة على الماضي هي الشرط الأول لاحتكار المستقبل، وبالتالي فإن أشد ما في العنف ليس الرصاص، إنما النسيان. وتغدو الذاكرة فعل مقاومة لا يبتعد عن مصاف الثورة، حين تُطمس ذاكرة الشعوب، وتُختزل آلامها في لغة الأرقام والإحصاءات، ويُختصر كيانها الوجودي في تقارير المعارك وبيانات الإدانة.
ينبض التاريخ الحقيقي في تاريخ المهمّشين والمبعدين، الذين لم يمنحوا الحق في الكلام والتعبير عن ذواتهم، وكتب سواهم سير حياتهم، وفي ما يتجلى في أدب المنفى، ورسائل المعتقلين، وأفلام الهاربين من الطمس، وفي شهادات الناجين التي لم يسمعها أحد. هذا التاريخ لا يتجسد بوصفه ماضيًا يُستعاد، إنما بوصفه جرحًا مفتوحًا يُعاد نزفه حتى يُسمَع. في المقابل، لا يظهر التاريخ المضاد بريئًا من الصراع، لأن الذاكرة تبدو ذاتها حين تُحوّل إلى سلعة، أو إلى مجرد شعار. وعندما تستعاد هندستها في خدمة أصحاب القوة والنفوذ، فإن الألم يغدو مُقنّنًا، كي يُعرض في وسائل الإعلام بوصفه عاطفة سريعة الاستهلاك، ثم يأتي الرقم البارد الذي يُسكِت الضمير ولا يُنطقه بدل آلاف الحكايات، وبالتالي فإن البطولة تتجسد في القدرة على الاحتفاظ بالمعنى، وفي تسمية الأشياء بأسمائها، والتمسك بالرواية وحقّ السرد حين يصادرهما الآخرون.
يشي واقع الحال أنه في عالمنا المعاصر تجري عملية إعادة كتابة التاريخ وفق مصالح قوى الحاضر، وبالتحديد وفق رواية المنتصر ورؤيته، حيث تجري عملية صياغة الماضي وكتابتها في مختبرات السياسة والإعلام، وبشكل يجعل أخطر أشكال العنف تلك التي تبقى مخفية، ولا يتم الكشف عنها، وتلك التي يفرض فيها على الضحية الكيفية التي تتصرف وتتحدث وفقها، ويفرض كذلك على الشعوب المقهورة الكيفية التي تتذكّر بها، ليغدو “التاريخ المفروض” بوصفه شكلًا خفيًّا من السيطرة والهيمنة، ويُمارس بواسطة سلطة المعنى، وليس بالقوة الجسدية.
يجادل لورنس بأن الاستشراق لم يكن سلبيًا على الدوام، بل تضمن مساهمات علمية كثيرة، مثل دراسة اللغات والثقافات الشرقية، لكنه أُسيء استخدامه وتوظيفه في بعض الأحيان من أجل تبرير استعمار بعض الشعوب. في المقابل، ينتقد النزعة الغربية، بوصفها رؤية مشوهة للشرق من قبل الغرب، الأمر الذي يسهم في تعقيد الحوار بين الثقافتين. ثم يناقش كلًا من الاستشراق والاستغراب، عادًا أنهما تطورا بشكل متواز كأدوات لفهم الآخر. وفي هذا السياق، ينتقد ما قدمه المفكر الأميركي الفلسطيني إدوارد سعيد في كتاب “الاستشراق”، لأنه بالغ في تصوير الشرق كضحية دائمة للغرب، الأمر الذي غذى خطاب الضحية مرتبطًا بالاستياء من فشل التنمية في الدول ما بعد الاستعمارية.
يقرّ لورنس بأن إدوارد سعيد كان قوة لا يمكن إزاحتها، لكنه يرى أن الشرق لم يكن ابتكارًا من طرف الغرب، إنما تشكل بوصفه جملة حقائق تاريخية وثقافية، بمعنى أن النزعة الثقافية التي يعيبها إدوارد سعيد على الاستشراقيين طبّقها أناس عديدون ينتمون إلى ثقافات الشرق كذلك. وأن الشرقيين هم من عرفوا أنفسهم بأنهم تابعون للغرب، ولكن الشرق هو ملتقى الغرب أيضًا.
يأخذ لورنس على سعيد أنه غير متخصص بالعلوم الاجتماعية، وأن كل من تخصصوا في العلوم الاجتماعية دحضوا ما قاله، حيث يرى أن إدوارد سعيد قام بكثير من التحليلات، لكنه قدم نقدًا أدبيًا، ورأى أن “الاستشراق” شكّل منذ أواخر القرن الثامن عشر أسلوبًا غربيًا للسيطرة على الشرق، وأن دراسة الشرق من قبل الغربيين هي دراسة منحازة مدفوعة بأغراض استعمارية، وحملت وجهات نظر مسبقة، ونظرة دونية لشعوب الشرق مهما حاولت أن تبدو علمية وموضوعية.
يجري التركز على نقد خطابات ما بعد الكولونيالية، التي تسهم في فرض ماض مشوه بواسطة تسليط الضوء على الضحية والظلم من دون مراعاة السياقات التاريخية المعقدة. وليس الهدف هو البحث عن إجابة نهائية، بل تفكيك البنية التي تُنتج السؤال نفسه، حيث يكمن الصراع على سلطة السرد في الفعل الجماعي لتمثيل المعاناة، في الأدب والفن والإعلام، إذ في كل رواية، أو سردية مفروضة، هنالك رواية، أو سردية أُخرى تُخنق. وثمة تاريخ يرقد في ظل كل تاريخ رسمي، ينتظر أن يُكتَب بأيدي الذين لم تُتح لهم فرصة الكتابة.
يمثل الكتاب عملًا نقديًا يدافع عن نزاهة التاريخ، ويجهد في تحليل كيفية فرض روايات تاريخية مشوهة لخدمة أجندات سياسية واجتماعية، وتحذوه الدعوة إلى نهج متوازن يحترم الأدلة والوقائع.