بعد عامٍ على سقوط نظام بشار الأسد، يصعب القول إن سوريا دخلت مرحلة الاستقرار، بقدر ما يمكن توصيفها بأنها انتقلت من نظام سلطوي مركزي إلى واقع مفتوح على احتمالات متعددة، لم تتبلور بعد في صيغة دولة أو مشروع وطني جامع. فالسقوط، بحد ذاته، أنهى شكلًا من الحكم، لكنه لم يُنتج تلقائيًا بديلًا قادرًا على إدارة بلد أنهكته الحرب والانقسامات والتدخلات الخارجية.
سياسيًا، ما تزال البلاد تعاني من فراغ بنيوي واضح. فالقوى التي تصدرت مشهد ما بعد السقوط تفتقر، في معظمها، إلى رؤية وطنية متكاملة، وتعمل ضمن توازنات هشّة تحكمها اعتبارات القوة أكثر من منطق الدولة. وتبرز هنا قضايا كانت مؤجلة أو مُدارة قسرًا، لتتحول إلى ملفات مركزية، وفي مقدمتها المسألة الكردية، التي باتت أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل الحكم، وشكل العلاقة بين المركز والأطراف.
على المستوى الأمني، لم يُفضِ تفكك المنظومة القديمة إلى قيام منظومة بديلة موحّدة، بل أفرز واقعًا أمنيًا مجزأً، تتوزع فيه السيطرة والنفوذ بين قوى محلية مدعومة إقليميًا ودوليًا. هذا الواقع لا يهدد فقط وحدة القرار السياسي، بل يضعف أي محاولة جادة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مستقرة.
اجتماعيًا، تواجه سوريا تحديًا أكثر عمقًا يتمثل في إعادة بناء الثقة بين مكوّناتها. فسنوات الصراع لم تُنتج دمارًا ماديًا فحسب، بل تركت شروخًا عميقة في النسيج الاجتماعي، لا يمكن معالجتها بالشعارات أو التسويات السطحية. وبينما تظهر مساحات أوسع للتعبير العام، يبقى السؤال مطروحًا حول القدرة على تحويل هذا الانفتاح النسبي إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والمساءلة.
اقتصاديًا، لا تزال البلاد غارقة في أزمات متراكمة، حيث يقيّد غياب الاستقرار السياسي أي مسار حقيقي للتعافي، رغم بعض المؤشرات المرتبطة بإعادة الانخراط المحدود مع المحيط الإقليمي والدولي. فإعادة الإعمار، بوصفها عملية سياسية بقدر ما هي اقتصادية، تبقى رهينة قيام سلطة شرعية وشفافة قادرة على إدارة الموارد ومنح الثقة.
إقليميًا، لم تخرج سوريا بعد من كونها ساحة صراع نفوذ، وإن تبدلت أدوات هذا الصراع. ويتوقف تحولها إلى دولة فاعلة على قدرتها في تقليص ارتهانها للتجاذبات الخارجية، عبر تسويات داخلية متوازنة تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارتها.
خلاصة العام الأول بعد سقوط الأسد تشير إلى أن سوريا لا تزال في مرحلة انتقالية غير محسومة. فالفرصة ما زالت قائمة لتأسيس دولة جديدة، لكن هذه الفرصة تضيق كلما طال أمد غياب المشروع الوطني الجامع. والرهان الحقيقي اليوم ليس على إسقاط نظام أو استبداله، بل على القدرة في الإجابة عن الأسئلة المؤجلة: أي دولة تريدها سوريا؟ وكيف تُدار السلطة؟ وما شكل الشراكة بين مكوناتها في المستقبل؟