يعبّر محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني السابق عن عجز “الجمهوريّة الإسلاميّة” عن أن تكون دولة طبيعية بين دول المنطقة. يصرّ الرجل الذي لعب دورا محوريا في التوصل إلى الاتفاق في شأن الملفّ النووي في العام 2015 على أن إيران بذلت من أجل فلسطين أكثر بكثير مما بذله العرب. يقول هذا الكلام ويتحدّث عن تضحيات إيران، لكنه لا يقول لماذا استمرار المتاجرة الإيرانيّة بفلسطين، على الرغم من المآسي التي أدت إليها هذه المتاجرة، خصوصا في ضوء ما يحدث في غزّة… وفي لبنان.
لا يمكن فصل مأساة غزّة التي تسببت بها “حماس” كما تسببت بها الوحشية الإسرائيلية عن الدور التاريخي الذي لعبته “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران على صعيد دعم كلّ ما من شأنه تشجيع التطرّف. لعبت إيران كلّ الأدوار المطلوبة منها من أجل إفشال أي تسوية معقولة ومقبولة منذ توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993. كانت من دفع “حماس” في اتجاه العمليات الانتحارية التي استخدمت من كل المتطرفين في المنطقة، خصوصا في الجانب الإسرائيلي لتقويض أي فرصة تصبّ في اتجاه السلام.
أين صارت قضيّة فلسطين في ظلّ الدعم الإيراني لها؟ أين صار لبنان في ضوء الجهود الإيرانيّة التي جعلت من “حزب الله” الدولة اللبنانيّة ومن الدولة اللبنانية دويلة في دول الحزب؟
في الواقع، يعاني وزير الخارجية الإيرانيّ السابق من عقد عدّة عبّر عنها في المداخلة التي كانت له في “منتدى الدوحة” الذي انعقد حديثا في العاصمة القطريّة. ليست عقد ظريف، في نهاية المطاف، سوى عقد إيران، بل كشف لهذه العقد. إنّها تعبير عن وضع إيراني مرتبك يرفض الاعتراف بالفشل، بما في ذلك الفشل في لعب دور القوّة المهيمنة على المنطقة لأسباب لا تخفى على أحد. في مقدّم هذه الأسباب غياب المشروع الداخلي الإيراني الذي يصلح نموذجا للتصدير. كان الفشل فشلا اقتصاديّا أوّلا يشبه إلى حدّ كبير فشل الاتحاد السوفياتي في هذا المجال، وهو فشل أدّى إلى انهيار ما كان يسمّى القوة العظمى الثانية في هذا العالم وتفكّكها.
حرص ظريف، الذي لعب دورا أساسيا في التوصل إلى الاتفاق في شأن الملف النووي الإيراني مع مجموعة الخمسة زائدا واحدا، على المزايدة. كان قريبا من جون كيري وزير الخارجية الأميركي في عهد باراك أوباما. عرف كيف التعاطي معه من أجل الوصول إلى الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني الذي ما لبث دونالد ترامب أن مزّقه.
أراد ظريف القول إنّه معاد للولايات المتحدة بدليل وجود عقوبات أميركية عليه وأراد في الوقت ذاته تسويق نفسه إيرانيا. اختار أيضا تقديم نفسه مدافعا عن السياسة الخارجية لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” من زاوية أن إيران تشبه جمعية خيريّة تحاول التعويض عن التقصير العربي تجاه الفلسطينيين وقضيتهم. المضحك المبكي في الأمر أنّه تجاهل موضوع المشروع التوسعي الإيراني الذي قام على فكرة “تصدير الثورة”، وهي فكرة تسببت في الحرب العراقيّة – الإيرانيّة التي استمرّت ثماني سنوات بين 1980 و1988 وأدت إلى إهدار ثروات كبيرة كان يمكن استخدامها في التنمية بدل الاستثمار في التخريب والدمار وتبديد ثروات دول المنطقة… وإزهاق الأرواح.
لعلّ أكثر ما يلفت في كلام ظريف الاستخفاف بالعقل العربي. بلغ الاستخفاف حدّ إنكار دور الميليشيات المذهبيّة التي أنشأها “الحرس الثوري” في المنطقة، بمن في ذلك “حزب الله”. يقول وزير الخارجية الإيراني السابق إنّ هذه الميليشيات لم تطلق طلقة واحدة دفاعا عن إيران، بل كانت تدافع عن مصالحها. ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله “إننا دعمنا فلسطين أكثر من أي دولة عربية”!
يمكن في طبيعة الحال سؤال ظريف أين صارت قضيّة فلسطين في ظلّ الدعم الإيراني لها؟ أين صار لبنان في ضوء الجهود الإيرانيّة التي جعلت من “حزب الله” الدولة اللبنانيّة ومن الدولة اللبنانية دويلة في دول الحزب؟ أين صار لبنان بعدما امتلكت إيران قرار الحرب والسلم في البلد وفتحت جبهة جنوب لبنان بحجة “إسناد غزّة”؟
يعاني محمّد جواد ظريف من كونه متهما من داخل إيران بمحاباة أميركا. يجدر به أن يكون فخورا بذلك بدل السعي إلى استرضاء المتطرفين في الداخل الإيراني
الأكيد أن نتائج السياسة الإيرانية القائمة على استخدام أدوات، من نوع “حماس” أو “حزب الله” أو الحوثيين أو الميليشيات العراقية المنضوية تحت لافتة “الحشد الشعبي”، باتت معروفة. كلّ ما في الأمر أنّ هذه الأدوات لعبت الدور المطلوب منها في مجال تفتيت النسيج الاجتماعي في غزّة ولبنان واليمن والعراق. لدى سوريا في الوقت الحاضر الأمل بمستقبل أفضل لسبب واحد. يتمثل هذا السبب في خروج إيران منها إلى غير رجعة. صحيح أنّ الوضع السوري ليس مستقرّا بعد، لكنّ الصحيح أنّ سوريا عادت للسوريين ولم تعد مجرد مستعمرة إيرانية، كما كانت الحال قبل فرار بشّار الأسد إلى موسكو.
يعاني محمّد جواد ظريف من كونه متهما من داخل إيران بمحاباة أميركا. يجدر به أن يكون فخورا بذلك بدل السعي إلى استرضاء المتطرفين في الداخل الإيراني. يجدر به امتلاك شجاعة الاعتراف بأن لا حاجة لديه إلى إثبات وطنيته عن طريق التفاخر بدعم فلسطين من جهة وبأنّه تحت عقوبات أميركيّة من جهة أخرى.
بعض الصدق ضروري في هذه المرحلة. يعني الصدق أنّ إسرائيل دمّرت غزّة وأن إيران تتحمل جزءا من المسؤولية في ذلك. أمّا لبنان فهو يمرّ في أزمة عميقة. إيران، عن طريق دعمها لـ”حزب الله”، تسببت بهذه الأزمة ذات الطابع الوجودي.
لعلّ ما كان على محمد جواد ظريف التركيز عليه، القيام بعملية نقد للذات والاعتراف في الوقت ذاته بأنّ النتيجتين الأساسيتين للسياسة الإيرانية تتلخصان بالآتي:
أولا، تدمير دول عربيّة من داخل عن طريق إثارة الغرائز المذهبية ودعم حاملي السلاح الميليشيوي.
ثانيا، خدمة اليمين الإسرائيلي. هذا اليمين الساعي إلى القضاء على أي أمل بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة… بل إلى القضاء كلّيا على كلّ ما له صلة من قريب أو بعيد بحقوق الشعب الفلسطيني.
