-
علا صالح، جوليا جمالالجمهورية .نت
-
-
-
لم يَظهر الحراك النسوي على الساحة السورية بكثافته الحالية بالتزامن مع الثورة السورية، إذ انخرطت النساء في الاحتجاجات السلمية كمواطنات سوريات في البداية، ثم بدأ حراكهنّ كنساء ونسويات يتبلور بعد أن تحوَّلَ صراع التغيير إلى صراع مسلح، وجدنَ أنفسهنَّ بَعدهُ حاملات لعبء الدفاع عن التغيير بوسائل لا عنفية، وصنع اختراقات واضحة لدور النساء المقموع في ظل سلطة نظام الأسد.
وعلى فقر الأدوات، والقمع الشديد الذي رزحنَ تحته في ظل أربع سلطات أمرٍ واقع اقتسمت سوريا ما قبل سقوط الأسد، استطاعت النسويات بناء تحالفات وإعلاء صوت مطالبهن بالعدالة والمساواة والأمان والحرية في عدة مواطن قد تبدو صغيرة، لكن أثرها التراكمي لا شكَّ كبير. وإحدى أهم أدواتهنّ لصُنع هذا التغيير كانت وسائل التواصل الاجتماعي، إذ جمعت السوريين-ات على قضاياهم-نّ رغم اختلاف أماكن شتاتهم-نّ، وهذا ليس بالمعيب، إذ كنا ولا زلنا نتمنى أن نجتمع في بلادنا، لكن هل أصبح هذا خياراً شاملاً ممكناً للجميع؟! ومن هنا نبدأ مع قراءة مقال الدكتورة مية الرحبي، المنشور على موقع الجمهورية بعنوان ميرا والاختطاف التاريخي في 14 أيار (مايو) 2025، لنفتح حواراً داخل الحقل النسوي كاختبارٍ حسّاس لتصوراتنا بشأن مسؤوليتنا وموقعنا ودورنا في مناصرة قضايا النساء وحقوقهن، إذا أننا نتفق مع د. مية الرحبي في ضرورة الدفاع عن حقوق النساء خارج التحريض والتجييش، وفي ضرورة عدم استخدام أجساد النساء لتصفية حسابات الرجال أو العائلة أو الحسابات السياسية في سياقها التاريخي، لكننا نختلف معها في قراءتها للعنف ضد النساء كما لو أنهنّ مكوّن متماهٍ مع بعضه بعضاً أو كتلة متجانسة، وفي توبيخ النسويات اللواتي انطلقنَ تماماً من الحساسية التاريخية التي تشير إليها الدكتورة مية، والمتعلقة باستعمال أجساد النساء وخياراتهنّ كساحة لتصفية الحسابات.
اختزال العنف في تغييب السياق
لا يمكن فصل قصة ميرا عن سياقها الزماني والمكاني، وعن السياق السوري الحالي بشكل عام، فهي ليست مجرّد حادثة فردية لا تذهب أبعد من اختيارٍ للشريك و«تحدّي الأهل» و«هروبٍ من حصار العائلة»، بل تشكل واحدة من مؤشرات أعمق على هشاشة الحماية، وعلى النزوع المستمر إلى تحميل النساء وحدهنّ عبء التفسير، والتبرير، والتكيُّف، كما أنها وقعت في ظل وضع أمني منفلت في مناطق مختلفة من سوريا وعلى رأسها المحافظة التي حصلت فيها حادثة اختفاء ميرا.
عانت حمص وريفها بعد سقوط نظام الأسد من انفلات أمنى عالي المستوى شهد عدة حالات خطف لرجال ونساء، إضافةً لانتهاكات أخرى، فقد وثَّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تَصاعُداً في وتيرة عمليات العنف والقتل خارج نطاق القانون في مدينة حمص بلغ ذروته خلال الفترة الممتدة من 23 حتى 28 نيسان (أبريل) 2025، وأشارت تحقيقات الشبكة إلى طبيعة الاستهداف الهوياتي لهذه العمليات في ظل جو من الإفلات من العقاب وغياب آليات المحاسبة. لذا لا نمتلك ترف التأني، تحديداً في التعامل مع هذه القضايا في حمص على وجه الخصوص.
اختزال العنف بوصفه عابراً للطوائف والأعراق
المنظور التقاطعي، الذي تطالب الرحبي النسويات باستخدامه في تحليل الواقع، غالباً ما يُستخدَم دون تفكيك، خاصة عندما يرافقه تعميم من قبيل أن «العنفُ الواقع على النساء عابرٌ للسياسات والمناطق والأعراق والطوائف». من جهة، هناك أشكال للعنف عابرة للهويات، غير أن التقاطعية في أساسها لا تقرّ بوحدة تجارب النساء ووحدة شكل العنف الموجه ضدهنّ، بل إن تعميم العنف ضمن سردية واحدة وعنوان عريض، وهو «العنف ضد المرأة»، يُفقِدُ النساء الأكثر هشاشة أصواتهنّ. يتطلّب المنظور التقاطعي إدراكاً للاختلافات والتعقيدات المتداخلة والسياقات المحيطة بهويات النساء المتعددة وخلفيات التمييز الذي يتعرضنَ له على أساسها.
من المهم ألا ننظر إلى القضايا بعين تبادلية أو إلغائية، إذ تعاني النساء في سوريا من أسباب هشاشة سابقة للثورة نابعة من المنظومة الذكورية الاستبدادية، أسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، عزَّزتها سنوات النزاع كما أدت لظهور أسباب جديدة للهشاشة. وتحدث حالات الخطف في امتداد هذا السياق، لذا فالتركيزُ على أثر حالات الخطف على حركة النساء ووصولهنّ إلى حقوقهن في التعليم والعمل، إضافة على أثره عليهن في الانكفاء من الفضاء العام، يصب في صُلب تمكين النساء من مقاومة الهشاشة والضغط لتغيير الواقع المعادي للنساء.
تم استعمال قضية ميرا للتأجيج الطائفي من دون شك، تم ذلك على اتساع طيف التجييش. غير أنه لم تتم الإجابة في المقال المشار إليه على الأسئلة الأكثر إلحاحاً، والتي رافقت تطور الأحداث، أبعدَ من جزئية التجييش، وفي مقدمتها، المخطوفات. ومن هنا نطرح نحن هذه الأسئلة، التي تقع في صلب ما تُناصِرُ من أجله النسويات الناشطات في قضية المختطفات، ويُشكل مصدر حساسيتهنّ لأي قضية اختفاء تمس النساء.
الإجراءات القانونية الواجبة في إجراءات الصلح والحماية
ما تزال الأجهزة الأمنية الجديدة ناشئة وتفتقر إلى أسس العمل الحسّاس للجندر، إذ أنها تبوأت مهام تقتضي التفاعل مع فضاءات مدنية بالاعتماد على خبرة عسكرية صرفة. في حين تقتضي الإجراءات القانونية الواجبة في مثل هذه الحال من قوى الأمن العام/الشرطة أن تدلي ببيانٍ رسمي يوضح ملابسات هذه القضية، وغيرها من قضايا العائدات من الاختطاف/الإخفاء، إلا أن إحاطة منزل أهل ميرا بعناصر مسلحين لإعادتها في «صُلحة» بالسلاح لا يقدم لميرا أي حماية لاحقاً في حال أراد أحدٌ من أهلها الانتقام منها، هذا إذا أخذنا الرواية الرسمية بجدية تامة. وهنا نحن لسنا بصدد تفنيد نية الأمن العام من تطويق منزل أهل ميرا، ولا تصديق الرواية أو تكذيبها، لكن على أجهزة الدولة أن تستجيب انطلاقاً من إجراءات معيارية نابعة من أطر عمل واضحة لا من نوايا يقع على الجمهور تفسيرها.
الناشطات النسويات، والعديد من الجهات الحقوقية والمنظمات التي تعنى بحقوق النساء، خرجت ببيانات تطالب بمعرفة مصير المختطفات وإعادتهنّ لعوائلهنّ وفتح تحقيق بهذه الحوادث ومحاسبة الجناة. والإجراءات المطلوبة يجب أن تتّسق مع ما تقوم به البلدان التي تتبع الإجراءات القانونية الواجبة والممارسات المهنية المعيارية في هذه الحالات، إذ تدلي الشرطة ببيان توضيحي، وتقدم للضحية حمايةً وسكناً آمناً في حال وجود مخاوف حول سلامتها، وتمتنع طبعاً عن زجّها في المزيد من اللغط والتجييش.
صناعة الرواية وامتلاك السردية
العديد من نداءات أهالي المخطوفات وشهاداتهم/شهاداتهنّ، التي يقولون فيها إنهم قاموا بتسجيل بلاغاتهم لدى الأمن العام ومراكز الشرطة، تجزم بحدوث حالات خطف للنساء من مناطق تتصف بمشهد أمني هش. كثيراتٌ من النساء المشار لهنّ في قضايا الخطف من خلفية هوياتية واحدة، منهنّ من عُدنَ في ظروف متنوعة بعضها تم تسليط الضوء عليه وبعضها لا، ومنهنَّ من لا تزلنَ قيد التغييب، مع وجود مخطوفين ومخطوفات من خلفيات أهلية متنوعة طبعاً. كما أن مبعوث الأمم المتحدة لسوريا نوّه لقضية المخطوفات في إحاطته الأخيرة في جلسة مجلس الأمن في 25 نيسان (أبريل) 2025. وغطت القضية وسائل إعلام عالمية كاللوموند الفرنسية وشبكة بي بي سي البريطانية (د57 من التغطية)، فالذي تخشاه الدكتورة مية من أن يحصل عندما قالت «على أي حالة عنف أو اختطاف يمكن أن تتعرض له أي فتاة مستقبلاً» قد حصل، وهذه المطالبات بالتالي ليست هذياناً منفصلاً عن الواقع.
بالعودة إلى صناعة الرواية وامتلاك السردية، تم التعامل مع ظهور ميرا الأول على الإعلام وكأنه مدعاة للراحة والتأكد من مصيرها، وتمَّ التطبيع مع تواجد عناصر الشرطة بالشكل الكثيف، وتم وصف الأمر على أنه «لملمة للموضوع». هذا السلوك غير منفصل عن التغطيات التي سبقتها لحالات (الاختفاء)، التي ظهرت فيها آية قاسم وسيما حسنو ونور الخضر، والتي كان رسائلها الرئيسية: «لا حوادث اختطاف للنساء»، «الأمن العام والفصائل التي تتبع للإدارة الانتقالية لا تقف وراء عمليات الاختفاء»، «كفّوا عن المبالغة»؛ حيث تنهي نور الخضر مقابلتها، بسؤال استنكاري: «لا أعرف ماذا يتوجب علي، هل يجب علي الاعتذار من الأمن العام؟».
وهنا نشهد مرة أخرى غياباً لاتّباع الإجراءات المهنية الملائمة من الأجهزة المختصة. فلا توجد مُحقِّقات ضمن سلك الشرطة والأمن العام اليوم، كما لم تُعرَض الناجيات على مختصة نفسية أو تقديم الدعم الطبي أو الرعاية الصحية المستجيبة جندرياً في مثل هذه الحالات. تُترك الناجيات أو العائدات اللواتي ظهرنَ على شاشات التلفاز، بعد بضعة ساعات في زيارة الأمن، مع سرديات أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تترك للتساؤل باباً مفتوحاً أكثر مما تجيب عليه، لتكون قصصهنّ مادةً سهلة وزيتاً يُصَبُّ في نار الاستقطاب، في غياب تحقيق جاد مستقل يتوجه للسوريين والسوريات بجدية ومن دون تطفيل.
اختزالُ السردية العامة وسردية الناجيات في كونهنّ نساء متهورات، أنقذهنَّ الأمن العام وسطَ حملة يصفها العديد من المناصرين المتشددين للإدارة الانتقالية بأنها حملة للنيل من الإدارة لا لحماية النساء، يجب أن يجعلنا نراجع على أي مسافة نقف من حماية النساء، جميع النساء، في هذه المرحلة الانتقالية المشوبة بشكل غير مفاجئ بتحديات أمنية جسيمة، وإلى أي مدى نتحلى بالشجاعة للإقرار أن الدولة الوليدة ما زالت مبتدئة في العديد من القضايا الاختصاصية، وأن دعمها يكون بتقديم الخبرة التقنية لا بتجميل قدراتها وإسكات النسويات والضحايا من النساء في كنفها.
سردية الناجيات وأهالي الضحايا (ضحايا الأمس وضحايا اليوم) يجب أن تنبع منهنّ، وعلى وقتهنّ. نعلم جيداً من خبرتنا في العمل مع الناجيات من العنف في سياقات مختلفة أن الناجية قد تحتاج لأشهر أو لسنوات، مع خدمات دعم وحفظ خصوصية، لتُقدم قصتها بشكل علني. وهنا فإن المطلوب من الإعلام التزامُ المهنية بالتغطية والبحث مع الأجهزة المختصة في نتائج التحقيق والظروف المحيطة بقضية الاختفاء، وإجراءات المحاسبة المتخذة في القضايا التي تم التوصل فيها إلى أشخاص متورطين باستدراج أو غير ذلك.
حملات التحريض والتجييش… مسؤولية من؟
«الفوضى الإعلامية»، «المعمعة الإعلامية»، «الهبّات الإعلامية»، «الترندات الإعلامية»، هي بعض ما تُوصَف به أي قضية رأي عام. اختزالُ أي شكل من أشكال العنف الذي تتعرض له النساء على أنه شخصي هو حجة لسحب نقاش هذا العنف من الفضاء العام إلى الحيز الخاص. حجة سمعناها مراراً وتكراراً في قضايا العنف الأسري، حيث تُلام منظمات حقوق النساء والنسويات، ومن تكسرنَ قدسية الصمت عن العنف الأسري، بأنهنَّ هدّامات للأسرة وتَجعلنَ «من الحبة قبة». إذاً، هناك فرق جوهري بين المنظور النسوي الذي يرى في الشخصي سياسي وبين التحريض والتجييش.
بالحديث عن التحريض والاستقطاب، تركزت روايات قصة ميرا من جانبٍ أول حول إثبات وجود سرديات وصمية لمجتمعات بعينها وللنساء عموماً واستخدام أوصاف سبَّبت ألماً للمجتمع مرتبطة بروايات النظام ومبالغات حتى لو على حساب المختطفات، في محاولة للنيل من «خصم» غالب؛ ومن الجانب الآخر حول نفي عمليات الخطف الهوياتي جملة وتفصيلاً؛ فقد قررت نساء من منبت واحد، تعرَّضَ لعنفٍ ممنهج في الأشهر الماضية، الاختفاء معاً إما لحبيب مُبتغى أو في زيارة لصديقة غفلنَ خلالها عن إخطار أهلهم وأحبتهم لعشرة أيام، أو من أجل وعود عمل في معامل خياطة تعطي راتب مقابل، كل ذلك في محاولة لتكذيب «خصم» مغلوب. هنا كانت النسويات تركزنَ على حفظ أمن النساء وخياراتهنّ، ويطالبنَ السلطة بممارسة دورها في حماية المدنيين، ويدافعنَ عن ضرورة كشف الحقيقة على يد لجان مستقلة مختصة.
تزامنت قصة ميرا أيضاً مع قصة الاعتداء على الصحفي عبد الرحمن كحيل، الذي كان يستقل سيارته مع خطيبته، وقد تمت إهانتها من الجهاز نفسه الذي قام بحماية ميرا. طُلب من عبد الرحمن إثبات أن السيدة خطيبته إثباتاً ورقياً، في وقت لم تكن تسجل فيه الدوائر الحكومية حتى حالات الزواج والولادة والوفاة. وقام الجمهور بين مُدافِع عن الإدارة الإنتقالية ومُهاجِم لها، حتى أصبحت قصة عبد الرحمن وخطيبته تكاد تكون ثانوية مقابل النزاع بشأن الموقف من الإدارة. مرة أخرى تُزَجَّ النساء السوريات وأجسادهنّ في معركة تسجيل نقاط العفة والطهرانية. إذاً، الجمهور غير معني بخيارات النساء وسلامتهنّ، إلا إن كانت تخدم معركته السياسية. مرة أخرى، تضامنت النسويات مع عبد الرحمن وخطيبته من باب حفظ الحريات الشخصية ورفض الاعتداء على مواطنين مدنيين.
في هاتين الحالتين، والحالات المذكورة آنفاً، تُركت الضحايا مادة لخطابات شعبوية تسعى لإثبات سردية مُسبَقة عوضاً عن البحث عن الحقيقة، بينما كان الخطاب النسوي بمجمله يتفاعل مع الأحداث بمرونة، ولم تتردد نسويات كثيرات في الإقرار بتسرّعهن عندما شعرنَ أن عليهنّ فعل ذلك.
تجاهل مركزة الضحايا والناجيات
مُطالبة ومُساءلة الإدارة الانتقالية حول دورها في الكشف عن مصير المختطفات، وتحويلُ مصيرهنّ إلى قضية رأي عام، يقع في صُلب العمل النسوي. التأني ولعب دور المُحقِّقات قد يكلف نساءً حياتهنّ. وهنا تكمن أهمية التركيز على الخطف الهوياتي اليوم في سياق تركة العنف الأسدي، التي ترمي بظلالها على البلاد.
استعملَ نظام الأسد اعتقال النساء (من الناشطات وغير الناشطات) كأداة حرب، كما استخدم العنف الجنسي في المعتقلات ضد النساء (والرجال) كأداة حرب. ترسّخ هذه المنهجية الهمجية غبناً عميقاً أبعد من الضحايا والناجين/الناجيات، يمتدّ إلى مجتمعهنّ المباشر وإلى المجتمع السوري ككل. فجوة العدالة الممتدة في سوريا ما بعد الأبد، ومع هروب الأسد ورؤوس نظامه وتأخُّر مسارات حقيقية للعدالة الانتقالية تردُّ الحقوق وتجبر الضرر، أدت إلى تنامي غضب تجاه «المكون الداعم للأسد» أو «المكوّن المُنتهِك»، وغيرها من التسميات التي وُسِمَ بها العلويون، في ظل عقلية ما زالت فصائلية ويعززها غياب تدريبات على مدونات سلوك تراعي حقوق الإنسان أو متطلبات الأمن الحساس للجندر في دورات إعداد الكوادر الأمنية. . اختزالُ الطائفة العلوية في نظام الأسد هو اختزالٌ يشبه اختزالَ الإسلام أو المسلمين السنّة بالإدارة الإنتقالية وأجهزتها؛ وصفةٌ جاهزة لتغذية العنف الطائفي شهدنا ترجمته في مجازر الساحل.
هل خُطفت وتُخطف النساء لأسباب أخرى في سوريا؟ نعم. تُخطف النساء للفدية والتجنيد والاتجار بالبشر، لذا يجب أخذ خطفُ امرأة واحدة، أو احتماله، على أشدَّ محامل الجدية في ظل الانفلات الأمني وغياب الممارسات المهنية المعيارية والاستقطاب الطائفي. لذلك نحن بحاجة لإجراءات وقائية إضافة إلى الإجراءات القانونية الواجبة، إذ تُعزز الإجراءات الوقائية من فرص حفظ وبناء السلم الأهلي الذي وضعه الرئيس الانتقالي وحكومته كأحد أولويات البلاد. فمن أهم عوامل حفظ السلم الأهلي هي نُظُم الإنذار المبكر. نداءات أهالي الضحايا المباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومزاج الخوف العام لدى مكونات مُستهدفة هوياتياً من حركة النساء، تُعَدّ بمثابة إنذار مبكر لقضية تهدد أمن النساء السوريات والسلم الأهلي على حد سواء.
نحن اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى وضع الضحايا والناجيات في مركز القضية قبل أي اعتبار آخر. إكراماً لضحايا وناجي/ناجيات الثورة، وتعلُّماً من دروس النزاعات ومنطق الغلبة الذي يقتصّ بالمثل وليس عن طريق آليات العدالة. ليس المطلوب أن نتبنى السرديات السائدة دون تَحقُّق، ولا أن نُؤدلج أي قضية نسوية، بل المطلوب أن نفهم أن العنف ضد النساء لا يُحلَّل خارج سياقه، النساء لا يجب أن يَكُنّ موضوعاً للتحليل البارد، بل فاعلات في روايته، ومصدراً للمعنى والمطالبة بالعدالة. القضية التي أثارت الجدل ليست في نتيجتها النهائية (هل اختُطفت أم لا؟)، بل في قدرتها على فضح هشاشة النظام الحامي للنساء، واستدعاء سؤال أكبر: ما هو دور الحركة النسوية؟
هذا النص ليس استقطاباً داخل الخطاب النسوي، بل توسيعاً لأفق القراءة، وتأكيداً أن مساءلة المنظومة الأوسع، بما فيها الأهل والإعلام والسلطة والهيئات الدينية، هي جوهر المشروع النسوي، لا هامشه. وما يسعى إليه هذا النص هو الردّ على خطاب بدا، وإن بنية حسنة، وكأنه يطلب من النساء أن يصمتنَ حتى تتضح الصورة. إذن هو دفاع عن حق النساء في أن يُصغَى إليهنّ منذ اللحظة الأولى، لا بعد إعادة ترتيب الرواية في ظلّ غياب أصحاب وصاحبات روايات كثيرة.
-