غسان المفلح
“المعارضة” للسلطة الحالية في دمشق أصابها عطب يمنع تأسيسها منذ التحرير. لنقل بداية أنه عطب من أعطاب المرحلة الانتقالية.
سؤال من الأسئلة الأساسية التي يجب أن تطرحها المعارضة والموالاة على نفسها: أين كانت سوريا قبل التحرير؟ لتبيان حقيقة التركة الأسدية القاحلة. على المعارض الجديد أن يقرأ واقع سوريا قبل التحرير بكل تفاصيله. يدرس واقع القوى التي كانت متواجدة على الأرض السورية.
منذ أول يوم في التحرير كتبت أن على المعارضة أن تتبنى شعارين:
تبيئة النموذج الديمقراطي التركي، مع لامركزية موسعة. يتم العمل على هذين الشعارين. لكنني أعرف جيدا ان الداخل السوري في عهد الأسد لم يعد فيه أحزاب وتيارات وازنة. هنالك تجمعات صغيرة لها طابع مثقفاتي. أفراد مبعثرون هنا وهناك. المفاجأة كانت بروز تمثيلات طائفية منذ اليوم الأول لتحرير دمشق.
هذه التمثيلات ظهرت في ريف الساحل، رافضة للتحرير ورافعة الغطاء عن الجديد القادم. هذا مفهوم لحظتها بالنسبة لي لأنه ظهر بقيادات من مشايخ الأسد وضباطه، الذين قالت لهم السلطة بركاكة اذهبوا وأنتم الطلقاء.
أيضا في السويداء الشيخ حكمت الهجري وبعض فصائل صغيرة متحالفة مع قسد قامت بتحشيد طائفي درزي واضح، ورفعت الغطاء الوطني عن الجديد، عن التحرير. انقسمت السويداء بين نزعة هجرية ونزعة سورية. هذا الذي حدث لا علاقة له بطبيعة السلطة. هذا الانقسام موجود تاريخيا في السويداء.
أعلنت هذه الفصائل والناطقون مباشرة أو مداورة أن معارضتهم للسلطة تتم تحت العلم الإسرائيلي. وسط حضور قوي للشيخ موفق طريف شيخ عقل الطائفة الدرزية في إسرائيل، الذي لم يعد ينال رضا الهجري وجماعته.
هنا يطرح سؤالا مباشرا: لماذا كان مشروع الهجري طائفيا حصرا؟ لم يجبنا أحد من نخب السويداء على ذلك. بتاريخ الأول من كانون الثاني/يناير 2025 توجه رتل من الأمن العام بناء على طلب من فعاليات من السويداء، فوقفت فصائل الهجري ضد دخوله وانسحب الرتل.
بعدها بفترة وجيزة رفع العلم الإسرائيلي، حدث هذا قبل تدخل السلطة الكارثي في السويداء خلال تموز الماضي. إهانة العلم السوري أيضا وقعت منذ الأشهر الأولى. لم نسمع كلمة إدانة واحدة من الشيخ حكمت الهجري وأتباعه. تم الاعتداء على المحافظ أيضا، ولم يتم إدانة السلوك من الشيخ الهجري.
الآن لنقل بصراحة: تم رفع الغطاء عن السلطة الجديدة منذ الشهر الأول من قبل فاعلي الأسد العلويين تحت وهم عودة السلطة لهم. ثم من قبل مجاميع الهجري. وقسد أيضا منذ اليوم الأول. هنا حدث انقسام في تلك المناطق. بينما بقية الأقليات في سورية وفاعلوها دعموا ورحبوا بالتحرير من الأسدية. هذا لم نجده لا لدى غالبية متصدري ما يمكننا تسميته المشهد العلوي، ولا لدى فعاليات الهجري.
لم يتبن الشيخ حكمت الهجري وحلفاؤه خطا سوريا منذ التحرير. بدأ الانقسام في السويداء يظهر للعلن من خلال عدة مبادرات؛ والوحيد الذي كان يرفضها هو الهجري. كل المبادرات التي قدمت له من قبل السلطة في دمشق، كان فيها لا مركزية موسعة.
هنا يطرح سؤال: ما هي اللامركزية التي يريدونها؟ كي يهرب الهجري من هذه الإجابة هرب للأمام وأعلن جبل الباشان دولة مستقلة، تنتظر الطريق بين السويداء وتل أبيب. لم يسع لا هو ولا جماعته من أجل محاولة بناء معارضة سورية.
إذاً، مشروع الهجري ببساطة يتلخص بالتالي: السويداء لي بكل ما فيها وأشارك بحكم دمشق. هذا مع معادلة بسيطة جدا: أنا حر في إقامة علاقة مع إسرائيل أو أي جهة أخرى. ولا علاقة لدمشق ولبقية السوريين بها. هذا موقف قسد أيضا.
إذاً هي مطالب لامركزية تخص فقط الجهة التي تحمل السلاح تحديدا. ولا تخص الشعب الكردي الذي بالنسبة لي يمثل مطالبه المجلس الوطني الكردي. لأن المجلس لن يحكم منطقته ديكتاتوريا واحتلاليا كما تفعل قسد. من جهة أخرى لا تزال قسد علاقتها بإيران قائمة. وأنا أكتب هذه المادة قرأت مقابلة للسيد مظلوم عبدي مع صحيفة جيروزلم بوست الإسرائيلية.
هذه القصة كانت قسد تمارسها بتلاعب، لكنها الآن تمارسها بعلنية، محاولة جر دمشق لحرب أهلية. لا أعتقد أن دمشق بوارد هذا الخيار، حتى لو ذهب مظلوم عبدي لتل أبيب!! هذا الأمر في الحقيقة هو المقصود بالمطالبة بلامركزية سياسية. أن تكون دولة داخل دولة باختصار، أو أنها لن تقدم أي برنامج يلم البلد.
ما تقرؤونه في الإعلام القسدي هو عبارة عن عملية تذاكٍ، يساعدها في هذا الأمر بعض من سياسات تركيا تجاه هذا الملف. هذه السياسة تحتاج لأن نفرد لها مادة خاصة.
في الحقيقة يبرز سؤال مهم هنا، كي نعرف أن مشروع قسد والهجري لا علاقة له بما قامت وتقوم به سلطة دمشق. لأنه مشروع لا يسعى لبناء دولة سورية، بل يسعى لبناء دول داخل دولة.
نعود لأس من أسس المشكلة كي نحيط بها: لماذا أعداد مهمة من ضباط الأسد المجرمين لجأوا للهجري وفصائله، ولجأوا لقسد؟ منذ اليوم الأول للتحرير، أخذوا الحماية الكاملة من قسد، والهجري سلمهم مناصب في فصائله السياسية والمدنية والعسكرية. هذا سؤال يتجنب جماعة الهجري وقسد الإجابة عنه.
من جهة أخرى، قسد أبقت، حتى يوم سقوط الأسد، علاقتها وتواصلها مع العصابة الساقطة مستمرة. وتماثيل الأسد بقيت موجودة. والآن تمنع الناس من الاحتفال بالذكرى السنوية للتحرير، بينما المجلس الوطني الكردي السوري يقيم منصة احتفالية خاصة به.
هذا السرد السريع لأبين التالي: لا علاقة لمشروع قسد ولا لمشروع الهجري ببناء دولة سورية ديمقراطية. مشروعهما لا يحسب على المعارضة السورية للسلطة الجديدة. بل يحسب على محاولة تفتيت البلد. انضم لهما الشيخ غزال غزال شبيح الأسد السابق المختفي.
أختم بالقول إن مهمة السلطة البحث عن حلول مع الجهتين من أجل عدم إراقة دم سوري واحد. مهمتها لأنها ارتكبت أخطاء فادحة في الساحل وفي السويداء. كما أن مجاميعها أو قسما منها لايزال يفكر بطريقة ديكتاتورية.
مثلا، من حق الشعب الكردي السوري الحصول على شكل واسع من اللامركزية. من حقه أن تكون لغته لغة رسمية في مناطقه على الأقل إلى جانب اللغة العربية. بالتالي يجب على السلطة تقديم تصور أولي لرؤية ديمقراطية حقوقية لحل المسألة الكردية في سورية وفصل هذا الملف عن تفاوضها مع قسد.
من جهة أخرى، لا يمكن بناء فيدراليات ولا مركزيات على أسس طائفية. هذا الأمر لغم يهدد السلم الأهلي بشكل مستمر. هنالك لا مركزية جغرافية فقط. لا مركزية ذات بنية ديمقراطية من قبل سكان هذه المناطق وليست حكرا على جهة مسلحة. لا مركزية ديمقراطية تنتج قياداتها بعملية انتخابية حرة ونزيهة.
لهذا، أي معارضة سورية ذات جدوى يجب أن تتأسس على نقطتين: لا مركزية جغرافية مع نظام ديمقراطي في كل سورية. هذه المعارضة يجب أن تبعد نفسها عن مشاريع هذا الثلاثي الذهبي!