كلما سنحت لرئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، الفرصة للقيام بدور حمامة السلام بين الأحزاب الكردية المتنازعة داخل الإقليم أو طرح مبادرة سلام لنزع فتيل الأزمة القائمة بين أربيل وبغداد، لم يتوانَ عن القيام بها حفاظًا على السلم الأهلي الكردي والعراقي. وقد حقق في محاولاته التحكيمية المتواصلة نجاحات متكررة أكسبته الكثير من الاحترام والمكانة المرموقة بين الأعداء قبل الأصدقاء. ورغم انتمائه إلى “الحزب الديمقراطي الكردستاني” الحاكم، فإن موقفه من فض النزاعات وتعزيز السلام بين الأطراف المتنازعة، وخاصة مع غريم الديمقراطي اللدود “الاتحاد الوطني الكردستاني”، كان محايدًا تمامًا. وإذا ما تصفحت حياته السياسية كرئيس للحكومات الكردية المتعاقبة وكرئيس للإقليم فيما بعد، ستكتشف حقيقة أنه كان دائمًا عاملًا مساعدًا لترسيخ السلام والاستقرار في الإقليم والمنطقة، لا عامل توتر ونزاع.
ولم ينحصر نشاط بارزاني الدبلوماسي السلمي داخل الإقليم وبين أطرافه السياسية، بل تعداه إلى بغداد، حيث “العمق الاستراتيجي للإقليم”، وهي العبارة التي يرددها دائمًا أمام وسائل الإعلام ويعمل على ضوئها. لذلك كثف من زياراته المكوكية إلى العاصمة العراقية، والتقى بقادتها ومراجعها، وتباحث معهم حول الحلول العملية لوضع حد للمشكلات العالقة بين الطرفين وفق الدستور والاتفاقات السياسية المبرمة.
وكما أولى نيجيرفان أهمية للعلاقة الكردية – الكردية على أساس الأرضية المشتركة، فإنه سعى إلى تحسين العلاقة بين أربيل وبغداد اعتمادًا على مبدأ التوازن والتوافق وفق الدستور. كما برز في الساحة السياسية الإقليمية كرجل دبلوماسي من الطراز الأول، يساهم في تهدئة التوترات من خلال وساطاته بين تركيا والإمارات، ونجح في تخفيف الخلافات الناشبة بين الدولتين، بحسب موقع المونيتور الأميركي الذي أشار إلى “ذكاء رئيس إقليم كردستان الذي يتمتع بروابط ودية مع زعيمي الدولتين”، ووصفه بأنه “مفاوض ماهر ومؤثر” استطاع تخفيف التوترات بين الزعيمين التركي والإماراتي.
كما أولى نيجيرفان أهمية للعلاقة الكردية – الكردية على أساس الأرضية المشتركة، فإنه سعى إلى تحسين العلاقة بين أربيل وبغداد اعتمادًا على مبدأ التوازن والتوافق وفق الدستور
وفي ذروة خلافات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لعب نيجيرفان دور الوسيط بين الرئيسين، واستطاع أن يقنع الطرفين بعدم التصعيد والركون إلى السلام، فالمنطقة لا تتحمل مزيدًا من التوترات. ولمكانته المرموقة لدى فرنسا، قام الرئيس ماكرون بإرسال دعوة لحضوره حفل افتتاح كاتدرائية نوتردام في باريس عام 2024، دون سائر قادة العراق، ضمن خمسين رئيسًا من رؤساء وقادة دول العالم وكبار المسؤولين، بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كل المواهب الدبلوماسية التي يمتلكها نيجيرفان بارزاني يسخرها من أجل ترسيخ السلام في منطقة ساخنة وغير مستقرة. وقد ساهم بشكل كبير في المحافظة على هدوء واستقرار إقليم كردستان الصغير، المحاط بدول إقليمية كبرى متصارعة ودول غربية عظمى لها مصالحها ومشاريعها الإستراتيجية في المنطقة، وهو إنجاز كبير يُحسب له.
وبما أن العراق يقترب من انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفًا لعبد اللطيف رشيد، فإننا، وكثيرًا من الشخصيات السياسية المرموقة في العراق من الكرد والسنة والشيعة، نؤيد تولي نيجيرفان بارزاني هذا المنصب، باعتباره سياسيًا محنكًا ذا خبرة طويلة في إدارة الدولة وقيادتها في هذا الظرف الاستثنائي الصعب، الذي تتصارع فيه دولتان عظميان، الولايات المتحدة وإيران، في محاولة كل منهما لفرض نفوذها على أغنى وأهم دولة في المنطقة. ولم يكن السؤال الذي وجهه إليه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في لقاء جمعهما في الحنانة عام 2022: “لماذا لا يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية؟” سؤالًا اعتباطيًا، بل جاء عن علم ودراية بأنه الأجدر بهذا المنصب.
وأخيرًا، نستشهد برأي الذكاء الاصطناعي عن نيجيرفان بارزاني، الذي يمتدح: “خبرته السياسية وعلاقاته الواسعة وقدرته على إدارة الأزمات وحل الخلافات العميقة بين أربيل وبغداد”، خصوصًا وأن المنصب الرئاسي في العراق يُنظر إليه كأداة تأثير مهمة تتطلب الحكمة والحنكة، وهو ما يمتلكه بارزاني.
المصدر العرب اللندنية