لا مبالغة في القول إن الولايات المتحدة أعادت تعريف نفسها مع صدور استراتيجية الأمن القومي الأميركي (NNS) في 4 ديسمبر/ كانون الأول الحالي. وعندما تُعيد الولايات المتحدة تعريف ذاتها يتغيَّر العالم كلُّه. ثمّة كثيرٌ تغيَّر في التفكير الاستراتيجي الأميركي، وقد تكون هذه الاستراتيجية الجديدة وثيقةً تاريخيةً عالميةً بالفعل، من أهم ما استجدَّ فيها العودةُ إلى ما كان في القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى مبدأ جيمس مونرو، الرئيس الخامس للولايات المتحدة، الذي حكم بين عامَي 1817 و1825، وهو من الآباء المؤسّسين المتأخّرين، وينتمي إلى جيل ما بعد الاستقلال. وبموجب مبدأ مونرو؛ فإنّ الاهتمام الأول يكون للنصف الغربي من الكرة الأرضية، الذي يشمل دول الأميركيتين.
وتضمّنت الاستراتيجية الأميركية أخيراً ما سُمِّي “ملحق ترامب على مبدأ مونرو”، إذ استدعى ترامب مونرو وحده، من دون إضافة روزفلت إليه؛ فأولوية الأميركيتين في ملحق ترامب تجنَّبت فكرة أن تكون الولايات المتحدة شرطيَّ نصف الكرة الغربي، كما ورد في ملحق روزفلت على مبدأ مونرو.
وثيودور روزفلت هو الرئيس السادس والعشرون حكم من عام 1901 إلى 1909. ما يهم هنا أن مبدأ مونرو، حتى من دون إضافة روزفلت، ترك فراغاً في الشرق الأوسط، وقد نقول إن هذا الفراغ أسهم في تعزيز الاستعمار والنفوذ الأوروبي في ذلك الزمان، وصولاً إلى “سايكس– بيكو”، وتقاسم تركة الدولة العثمانية. وهي النتائج نفسها التي تنتقدها الولايات المتحدة الرسمية هذه الأيام؛ إذ قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية ولبنان، توم برّاك، إن “سايكس– بيكو” كانت خطأً، وأدَّت إلى تقسيم المنطقة لأهداف استعمارية، وإنها لن تتكرّر. وإذا تجاهلنا التناقض القائم بين هذا التصريح والفهم الذي يقبع خلفه، وبين الاستراتيجية الجديدة القائمة على تكرار حدوث الفراغ نفسه الذي نتج تاريخياً من تطبيق مبدأ مونرو؛ فإننا نتجاهل أيضاً أن هذه الإدارة الأميركية لا تمتلك ما يكفي من التأهيل السياسي لفهم العمق الدلالي للتفكير الاستراتيجي وأثره في العالم. ومن ثمّ، فإنها لا تمتلك ما يكفي من تقاليد العراقة في الدولة الأميركية العميقة بما يتيح للسياسيين والباحثين في العالم الثقة بأميركا، والقدرة على التنبؤ بسلوكها وتحوّلاتها، والنظر إليها بوصفها دولةً عظمى لا تحتاج إلى كلمة “مرّة أخرى” كما تظهر في اسم حركة ماغا (MAGA) التي يستند إليها ترامب، والتي تعني جعل أميركا عظيمة “مرة أخرى”.
وكأن ترامب وإدارته لم يهتدوا إلى تعريفٍ للذات الأميركية كلّها إلا بدلالة عداء الديمقراطيين، وتحديداً جو بايدن، وباراك أوباما، لا أكثر ولا أقل. في كل الأحوال، هذا موضوعٌ طويل، غير أن ثمّة أطروحة تستحقّ التفكير، أن هذا الفريق المكوَّن من رجال أعمال جاؤوا إلى السياسة من خلفية الشركات متعدّدة الجنسيات، قد غزوا السياسة العالمية، وحوَّلوها إلى مسرحٍ سخيفٍ يشبه الظاهرة المنتشرة في النسخة الأميركية من مجتمع الشركات الكبرى المضطرب نفسياً، الذي لا يهتم إلا بالربح المصحوب بنشر التسطيح والتفاهة بين الموظفين؛ فلا يعمل الموظفون استناداً إلى خبراتهم العلمية، وإلى ما تعلّموه في الجامعات، لأن تقويمهم لا يتم بموجب عملهم وتأهيلهم، بل بمقدار استعدادهم للتفاهة والسطحية والتبعية، وتغييب الأخلاق تحت شعارٍ عريض من “الأخلاقيات” المُعلنة.
على أيّ حال، عودةً إلى موضوعنا. كان على الشرق الأوسط أن ينتظر قدوم جيمي كارتر (ترأّس أميركا من 1977 إلى 1981) ليُدرج في المجال الحيوي الأميركي؛ إذ اعتبر مبدأ كارتر أن الخليج العربي تحديداً أولويةٌ لأميركا، وأن أمنه من أمنها القومي. ومع كارتر، تغيَّر كثير في الشرق الأوسط، فقد ظهر النفط، وبدأت الحرب الباردة، ودخلت الولايات المتحدة هذا الفراغ الذي صنعه قرنٌ من الإهمال الممنهج لهذه المنطقة. وأمّا اليوم، فقد قضت هذه الاستراتيجية الترامبية الجديدة على مبدأ كارتر في الشرق الأوسط، وانحسرت أهمية الخليج أميركياً، وعدنا إلى مصطلح “نصف الكرة الغربي”، وإلى مبدأ مونرو؛ لذلك من المنطق أن نتذكَّر كارتر هذه الأيام، ليس لأن مبدأه انتهى في الشرق الأوسط فحسب، بل لأن ترامب بدا وكأنّه أراد أن يعمل مبدأ كارتر مرةً أخرى، ولكن ليس في أميركا، بل في أوروبا.
يمكن أن نفكِّر في الأمر المهم الآتي، وندعو باحثي المنطقة وسياسييها إلى التفكير فيه أيضاً بالجدّية والأهمية اللتين يستحقهما بوصفه تاريخياً، ويتطلّب إعادة نظر عميقة في سياسات دول الشرق الأوسط، العربية منها تحديداً، والخليج العربي خصوصاً. ويتلخّص الأمر في الطرح الآتي: صحيحٌ أن استراتيجية الأمن القومي أخيراً قد أنهت مبدأ كارتر في أميركا، إلا أنها لم تقتله، بل نفته إلى أوروبا؛ فما ورد في الاستراتيجية بشأن أوروبا، من دفعها إلى زيادة الإنفاق العسكري، وتقاسم الأعباء، والاعتماد على ذاتها، مع انكفاء أميركي أكبر عن قضاياها، يعني عملياً قدراً من التوريط الأميركي لأوروبا لكي تقوم بالدور نفسه الذي كانت الولايات المتحدة تؤدّيه في الشرق الأوسط في عهد كارتر. وكأن الاستراتيجية تسعى إلى تحويل أوروبا من قوة معيارية تفرض القواعد إلى قوة استراتيجية تُدار بمنطق الصراع. وهذا، بطبيعة الحال، من شأنه أن يقوِّض الأساس الفلسفي الذي نشأ عليه الاتحاد الأوروبي، ويعني في نهاية اليوم إرسال مبدأ كارتر إلى أوروبا كي يغتالَ فلسفة كانط هناك، ويُجهز على منهجية السلم الدائم الأوروبية العريقة التي حضرت مثلاً في حوار فرويد وأينشتاين حول السلم الدائم، وحضرت أيضاً في الخلفية الذهنية لتشكيل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (ECSC) عام 1951، ثم السوق الأوروبية المشتركة عام 1957، وصولاً إلى معاهدة ماستريخت وولادة الاتحاد الأوروبي عام 1992، وكأنه تجسيدٌ عمليٌ لفلسفة إيمانويل كانط.
ولكن كارتر، الذي يعبر به ترامب حالياً عبر الأطلسي سيعمل ضدّ كانط؛ فمبدأ كارتر يقوم على الاستثناء الدائم والخطر الدائم، في حين سعت الكانطية في الفلسفة السياسية الأوروبية إلى تقليص منطقة الاستثناء وتوسيع القاعدة القانونية. ويبدو أن ما يريده ترامب من أوروبا اليوم هو مبدأ كارتر نفسه بصورته الأكثر تجريداً: أي نموذج الأمن القائم على الردع (Security-through-deterrence paradigm). وإن شئنا التعبير بطريقة العلوم السياسية؛ فيمكن أن نقول إن أوروبا تُدفع من قبل ترامب لكي تكون مجرّد حارسٍ ذاتيّ التسليح للولايات المتحدة، فتصبح قوةً عسكرية من دون وحدة سياسية شاملة، ومن دون سيادة استراتيجية موحّدة، وتتخبّط في إشكالية السيادة، ويتعمّق الجدل (القائم أصلًا) بين ما هو سيادي وما هو اتحادي.
ولذلك، يبدو مسوَّغاً أن يكون قلق أوروبا من هذه الاستراتيجية قلقاً وجودياً؛ فهو قلقٌ على التعبير الألماني الراسخ عن الاتحاد بأنه “مشروع سلام” (Friedensprojekt)، يتحقَّق بوساطة تحويل الحرب الأوروبية إلى تنافسٍ اقتصادي– قانوني داخل شبكة مؤسّسات. وإذا كان القلق في أوروبا وجودياً؛ فإنه في الشرق الأوسط أمنيٌّ أولاً، ومن ثم اقتصاديٌّ وتنمويٌّ بطبيعة الحال، ولا سيّما في حالة الخليج العربي. أمّا في ضفة المتوسط الشرقية، فثمة قلقٌ حقيقي من تنامي القمع، وسياسات الاستثناء بالمعنى الذي طرحه جورجيو أغامبين في تنظيره لفكرة “الإنسان المستباح” (Homo Sacer)؛ فهناك خشيةٌ من المُضي قدماً في تغييب القانون من دون رادع في سورية والعراق ولبنان؛ فسايكس- بيكو لن تكون فعلاً ممكنة مرّةً أخرى على الأرض، ولكنّها، في ظلّ هذه الحالة، قد تكون فكرةً ممكنةً في الوجدان الشعبي، وتؤسَّس بأيادٍ محلية؛ ففي النهاية، لا تريد أميركا بموجب الاستراتيجية الجديدة إعادة تشكيل الشرق الأوسط كما كان يُعتقد طوال العقود الماضية، ولكنّها ستتركه ليُشكِّل نفسه بالقوة، مع الالتزام بالحفاظ على أمن إسرائيل بطبيعة الحال بوصفها مسألةً غير قابلةٍ للمساس.
حتى إن مصطلح “الإرهاب الإسلامي” الذي أحبّ ترامب استخدامه فيما مضى، سقط من هذه الاستراتيجية في العالم كلّه، ولم يبقَ إلا في أفريقيا، لأن الشرق الأوسط بات منطقة “إدارة شركاء”، بينما لا تزال أفريقيا فراغاً أمنياً تنافسياً؛ فالإرهاب في أفريقيا لا يزال يُفهم في الولايات المتحدة بأنه غيابٌ للتحكّم أو للدولة، أمّا في الشرق الأوسط فيبدو أن الولايات المتحدة تريد الإرهاب أداةً بيد الدولة نفسها.
وهذا بتقدير كاتب هذه السطور ما توافق عليه الصين أيضاً، إذ تدلّ المؤشّرات أنها لا تخشى ما سبق في هذه الاستراتيجية؛ لا العودة إلى مونرو، ولا نفي كارتر إلى أوروبا، ولا الشرق الأوسط، بل تخشى الربط الذي تقيمه الاستراتيجية الجديدة بين الاقتصاد والأمن القومي، والتركيز في سلاسل التوريد، والتحالف التكنولوجي في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وأشباه الموصلات، والإشارة الواضحة إلى تحويل الردع من عسكري إلى اقتصادي– تقني. ولا نبالغ إذا قلنا إن الصين هي الاختبار النهائي لهذه الاستراتيجية، ويبدو أن الصينيين يدركون ذلك جيّداً.
العربي الجديد