بين الضرورات الميدانية والعُقد السياسية
تعود مسألة التوصل إلى اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية إلى واجهة النقاش السياسي، في ظل تحولات ميدانية وإقليمية متسارعة، وضغوط داخلية تدفع الطرفين إلى إعادة حساباتهما. ورغم تعدد جولات الحوار غير المعلنة بين الجانبين خلال السنوات الماضية، إلا أن أي اتفاق شامل ما زال يواجه عقبات بنيوية عميقة، تجعل من احتمالات التفاهم الجزئي أكثر واقعية من التسوية النهائية.
تستند فرص التقارب بين الطرفين إلى جملة من العوامل، أبرزها تغيّر موازين القوى. فقوات قسد، التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الأميركي، تجد نفسها أمام سيناريوهات مفتوحة في حال تراجع أو تبدّل السياسة الأميركية في سوريا، ما يدفعها للبحث عن مظلة سياسية وأمنية بديلة، ولو بحدود دنيا، مع دمشق.
في المقابل، تسعى الحكومة السورية إلى استعادة السيطرة التدريجية على كامل الجغرافيا السورية، وتعتبر مناطق شرق الفرات ذات أهمية استراتيجية واقتصادية، نظرًا لاحتوائها على موارد النفط والقمح. كما يشكّل التهديد التركي المستمر لمناطق سيطرة قسد عامل ضغط إضافيًا يدفع باتجاه التنسيق مع الحكومة السورية كخيار دفاعي، ولو مؤقت.
إلى جانب ذلك، تعاني مناطق الإدارة الذاتية من أزمات اقتصادية وإدارية متراكمة، في وقت تحتاج فيه دمشق إلى موارد تلك المناطق، ما يخلق مصالح متقاطعة قد تفتح الباب أمام تفاهمات عملية. ويُضاف إلى ذلك وجود سوابق لتنسيق أمني وعسكري محدود في مناطق مثل الحسكة والقامشلي وعين العرب، ما يشير إلى قابلية الطرفين للتفاهم عند الضرورة.
رغم هذه الدوافع، لا تزال الخلافات البنيوية تشكّل العائق الأكبر أمام أي اتفاق شامل. ففي صلب الخلاف يبرز التباين حول شكل الحكم في سوريا. إذ تطالب قسد بنموذج لامركزية سياسية وإدارية حقيقية، بينما تتمسك الحكومة السورية بنموذج الدولة المركزية وترفض أي صيغة قد تُفسَّر على أنها فدرالية أو تمهيد لتقسيم البلاد.
كما يشكّل وضع قسد العسكري نقطة خلاف رئيسية، حيث تصر دمشق على دمج قواتها بشكل كامل في الجيش السوري، في حين تسعى قسد إلى الحفاظ على خصوصيتها كقوة محلية منظمة. ويظل العامل الأميركي عنصرًا حاسمًا في هذا الملف، إذ يمنح وجوده قسد هامش مناورة سياسيًا وعسكريًا، ويجعل الحكومة السورية حذرة من تقديم تنازلات واسعة في ظل معادلة دولية غير محسومة.
أما الملف الكردي، فيبقى حاضرًا بقوة، إذ تخشى دمشق أن يؤدي أي اعتراف سياسي واسع بالإدارة الذاتية إلى خلق سابقة سياسية قد تنعكس على بنية النظام السياسي السوري مستقبلًا.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو التوصل إلى اتفاقات جزئية مؤقتة، تقتصر على التنسيق الأمني، وإدارة مشتركة لبعض الموارد، مع إبقاء القضايا السياسية الكبرى مؤجلة. أما سيناريو الاتفاق الشامل، فيظل ضعيف الاحتمال في المدى المنظور، ما لم يحدث تحول كبير في الموقف الأميركي أو تسوية إقليمية أوسع تشمل الملف السوري برمته.
في المقابل، يبقى سيناريو الجمود قائمًا، مع استمرار قسد في إدارة مناطقها بحكم الأمر الواقع، إلى جانب تفاهمات أمنية متقطعة مع الحكومة السورية، دون الوصول إلى صيغة سياسية واضحة.
يمكن القول إن آفاق التوصل إلى اتفاق بين قسد والحكومة السورية قائمة، لكنها محكومة بسقف منخفض وبراغماتية متبادلة. فلا قطيعة كاملة بين الطرفين، ولا شراكة سياسية مكتملة. وبين الضرورات الميدانية والعُقد السياسية، سيبقى هذا الملف مفتوحًا على تسويات مؤقتة أكثر منه على حلول نهائية، في انتظار تحولات إقليمية ودولية قد تعيد رسم معادلاته من جديد.