تحولت الاتفاقية الموقعة في 10 آذار 2025 بين قائد قوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، والرئيس الانتقالي أحمد الشرع، إلى واحدة من أكثر القضايا مركزية في المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد. فالاتفاق الذي يتكون من ثمانية بنود لم يكن مجرد تفاهم سياسي مرحلي، بل اعتبره كثيرون محاولة جدية لإعادة بناء التوازن السياسي والاجتماعي في البلاد وفتح مسار يمكن البناء عليه لإنقاذ سوريا كدولة وشعب بعد عقود من الاستبداد وغياب منطق السياسة.
ويرى مؤيدو الاتفاق أن بنوده تشكل أساساً لإعادة تشكيل الدولة على قاعدة الشراكة والتعدد واحتواء الانقسامات العميقة التي خلفها سقوط النظام، ولا سيما في ضوء الأحداث الخطيرة التي شهدتها مناطق الساحل وما رافقها من أعمال قتل واستهداف واسع النطاق طالت مواطنين علويين، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة المقبلة ودورها في حماية جميع السوريين دون تمييز وضمان عدم الانزلاق نحو منطق الانتقام والعنف الجماعي.
ورغم أهمية جميع البنود الثمانية، إلا أن الاتفاق يواجه صعوبات حقيقية في التنفيذ تعود بالدرجة الأولى إلى بيئة سياسية مشوهة تتسم بالاستقطاب الحاد، والإرث الثقيل من الأحقاد، وانعدام الثقة الذي أنتجته عقود طويلة من الدكتاتورية والإقصاء وغياب الحياة السياسية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مسار تطبيق الاتفاق ومآلاته.
وفي هذا السياق، برزَ البند الرابع المتعلق بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية والمعابر والمطار وحقول النفط بوصفه بنداً محوريا في خطاب السلطة الانتقالية والجهات المحسوبة عليها إعلامياً، وهو تركيز لا يُمكن فَصله عن البُعد الاقتصادي للموضوع، إذ ترتبط المعابر والموارد مباشرة بالإيرادات المالية في وقت ما تزال فيه بقية البنود السياسية والدستورية تُراوح مكانها دون أي تقدم ملموس.
وينص البند الرابع على دمج المؤسسات ضمن إدارة الدولة السورية، غير أن هذا البند غالباً ما يجري التعامل معه بشكل انتقائي، حيث يتم اختزاله في الحديث عن نفط وأموال منطقة شمال وشرق سوريا، وكأن هذه المناطق وحدها تمتلك الموارد الوطنية، بينما يتم تجاهل بقية الجغرافيا السورية بكل ما تحتويه من معابر وموانئ ومطارات وموارد طبيعية.
ومن هنا، يتضح أن هذا الطرح يتجاهل جوهر الاتفاق الذي لا يقوم على نقل السيطرة من طرف إلى آخر، بل على بناء مسار تشاركي متكامل، فالدمج وفق نص وروح الاتفاق ليس عملية أحادية ولا تنازلاً من طرف لصالح طرف آخر، بل يُفترض أن يكون شراكة وطنية متوازنة تشمل جميع الأطراف على قدم المساواة ضمن إطار وطني جامع.
وفي هذا الإطار، يُلاحظ أن منطق السلطة الانتقالية في مقاربتها لمنطقة شمال وشرق سوريا لا يختلف كثيراً عن منطق النظام السوري السابق، إذ ينظُر كلا الطرفين إلى المنطقة بوصفها مساحة يجب استعادتها باعتبارها غنيمة سياسية واقتصادية، لا باعتبارها جزءاً من وطن له خصوصيته الاجتماعية وهو منطق يتعامل مع المنطقة من زاوية السيطرة والوصول إلى الموارد مهما كانت الكُلفة.
ولا ينطلق هذا المنطق من مفهوم الشراكة والمواطنة، بل من رؤية أمنية واقتصادية ضيقة، تتجاهل واقع المنطقة وتكوينها الاجتماعي وحقوق سكانها، كما تتجاهل الحاجة إلى عدالة حقيقية في توزيع الثروة والسلطة، وهي عناصر أساسية لأي مشروع دولة مستقر وقابل للاستمرار.
وفي ظل هذا الواقع، يبرُز سؤال جوهري يتم تجاهله في الخطاب السائد، وهو كيف يمكن الحديث عن دمج حقيقي في ظل غياب أي تقدم فعلي في البنود السياسية والدستورية، وكيف يمكن إقناع غالبية السوريين بجدية الشراكة بينما ما يزال القرار السياسي والاقتصادي محتكراً من قبل جهة واحدة دون وجود مؤسسات تمثيلية حقيقية أو آليات رقابة ومساءلة.
فكما يتم طرح أسئلة حول إيرادات النفط في مناطق الإدارة الذاتية، يحق أيضاً طرح أسئلة مشروعة حول أموال السلطة الانتقالية ومصادر دخلها وإيرادات المعابر البرية والبحرية والموانئ والمطارات، كما يحق التساؤل عن الجهة التي تملك قرار التصرف بهذه الموارد وكيف تُدار وأين تصرف وتحت أي معايير رقابية.
ولا تختزل الموارد الوطنية في النفط وحده، بل تشمل الغاز والفوسفات والمعابر والمطارات والموانئ، وكلها تُعد ملكاً عاماً للسوريين كافة، ما يفرض إدارتها ضمن رؤية وطنية شفافة تقوم على ميزانيات واضحة وتوافقات سياسية واقتصادية مُعلنة، بعيداً عن منطق الغَلَبَة والاستحواذ.
فالدمج الحقيقي يعني شراكة في إدارة هذه الموارد لا احتكارها، ويعني تقاسم المسؤوليات كما تقاسم الحقوق، ويعني بناء مؤسسات قادرة على حماية المال العام ومنع استخدامه كأداة للنفوذ السياسي أو لإعادة إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة.
ولا يمكن لأي عملية دمج أن تنجح إذا بُنيت على منطق الاستحواذ أو جرى التعامل معها كمنّة من طرف واحد، كما لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا أعيد استخدام مفهوم الدولة كغطاء لفرض أمر واقع بدل أن يكون إطاراً جامعاً لجميع مواطنيها.
إن استمرار التعامل مع موارد شمال وشرق سوريا بوصفها غنيمة سياسية لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإفشال أي مسار وطني جدي، بينما يبقى الخيار الوحيد القابل للحياة هو شراكة حقيقية تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام نص وروح اتفاق 10 آذار في جميع بنوده.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+
المصدر موقع .963+