ملخص
يطمح أردوغان إلى ترسيخ نفوذ إقليمي لتركيا مستنداً إلى إرث عثماني ورؤية كبرى، لكن قدرات بلاده الداخلية وحدودها الاقتصادية والمؤسسية، إضافة إلى مقاومة إقليمية تقودها إسرائيل، تجعل هذا الطموح أبعد من المنال. وبينما تمنح الشراكة مع ترمب زخماً رمزياً، يبقى النفوذ التركي محكوماً بمعادلات غير مستقرة وبتحديات داخلية تهدد مشروع “القرن التركي” من أساسه.
حين دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البيت الأبيض في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، كان في حاجة إلى تحقيق مكسب سياسي ملموس من زيارته. فالرؤية الكبرى التي عرضها أمام الجمهور التركي عن دور بلاده القيادي في الشرق الأوسط بدأت تتعرض لاهتزازات مع تزايد الشكوك حولها. وفي الداخل، كانت الخلافات السياسية والأزمات الاقتصادية تستنزف اهتمامه باستمرار، مما يهدد إرثه بعد 23 عاماً في السلطة. وقد بدا أن إطاحة نظام بشار الأسد في سوريا، على يد قوات معارضة مدعومة من تركيا في ديسمبر (كانون الأول) 2024، تمثل فرصة ذهبية لتوسيع نفوذ تركيا، لكن سرعان ما اتضح أن المهمة الهائلة المتمثلة في إعادة إعمار سوريا تفوق قدرات تركيا بمفردها.
وبدا أن التوجه إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد يمنح أردوغان الزخم السياسي الذي يبحث عنه. فعلى رغم الخلافات التي طرأت في الآونة الأخيرة بين أنقرة وواشنطن – من شراء أنظمة صواريخ روسية إلى التوغلات التركية المتكررة في سوريا – رأى ترمب في أردوغان شريكاً يمكن التعويل عليه في السعي لإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط. كذلك تمتلك تركيا نفوذاً على حركة “حماس”، وهو ما قد يفيد في مفاوضات وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة مع إسرائيل، وتستطيع أنقرة الإسهام في جهود حفظ السلام وإعادة الإعمار في غزة وأوكرانيا. وعلى عكس أسلافه في البيت الأبيض، أبدى ترمب إعجاباً بنهج أردوغان السلطوي وبراعته في المناورة الجيوسياسية، واصفاً إياه مراراً بـ”الصديق” و”الزعيم القوي”. ومن جانبهم، كان المسؤولون الأتراك يأملون في أن تتيح الشراكة المتجددة مع ترمب – الذي يقارب العلاقات الخارجية بمنطق الصفقات – فرصة لتركيا كي تعزز موقعها في الشرق الأوسط.
في البداية، بدا أن الحسابات التركية تؤتي ثمارها. فبعد أيام قليلة من زيارة أردوغان إلى واشنطن، شارك رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن في محادثات وقف إطلاق النار في غزة الجارية في مصر. وعلى رغم أن أنقرة كثيراً ما دعمت القضية الفلسطينية، فإن هذه كانت المرة الأولى التي تنتظم فيها رسمياً في مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وعندما وقع الاتفاق في الـ13 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقف أردوغان إلى جانب ترمب وزعيمي مصر وقطر، في مشهد رآه أنصاره دليلاً على عودة تركيا إلى مسرحها التاريخي. فقبل أكثر من قرن، قاد الجنرال إدموند ألنبي الجيش البريطاني إلى القدس منهياً أربعة قرون من الحكم العثماني، لكن المشهد بدا الآن وكأن تركيا تستعيد حضورها السياسي في الأراضي المقدسة. ففي الأعوام الأخيرة، كثفت أنقرة نشاطها العسكري في العراق وليبيا وسوريا، وجاءت مشاركتها في مفاوضات غزة لتشكل، بالنسبة إلى مؤيدي أردوغان، استعادة مكتملة الرمزية لدور تركيا في الشرق الأوسط.
أو في الأقل هذا ما أراد أردوغان أن يرسخه في أذهان الأتراك. لكن الواقع هو أن تركيا لا تزال قوة دون مستوى طموحه في إقامة نظام إقليمي بقيادتها. فالتقارب مع ترمب منح أنقرة مكسباً رمزياً على صعيد الصورة، غير أن سياسة الرئيس الأميركي الخارجية، بما تتسم به من تقلب وافتقار إلى الاتساق، تبدو بعيدة من تعزيز نفوذ تركيا في المنطقة أو إقناع دول الشرق الأوسط بقبول دورها القيادي. وفي الداخل، تواجه تركيا مزيجاً من الأزمات البنيوية: اقتصاد متعثر، دولة تآكلت قدراتها المؤسسية، وضغوط سياسية مستمرة. أما خارجياً، فتواجه تركيا معارضة واسعة، ولا سيما من إسرائيل الواثقة من موقعها والماضية في سياسات هجومية، وهو ما يحد من قدرتها على بناء نظام إقليمي وفق شروطها. وإذا أخفق أردوغان في تحقيق وعده بإطلاق حقبة جديدة من النفوذ التركي، فقد تتزايد الضغوط الداخلية عليه فيما تمضي تركيا في انزلاقها الاستراتيجي داخل عالم أشد خطورة.
الاستراتيجية الكبرى
يعتمد مشروع أردوغان الجيوسياسي على فكرة بسيطة: تركيا ليست مجرد قوة متوسطة، بل قدرها هو أن تقود منطقة الشرق الأوسط الأوسع. بعد أسبوع من سقوط الأسد، أعلن أردوغان أن “تركيا أكبر من تركيا”، وقال “كأمة، لا يمكننا أن نحصر رؤيتنا في 782 ألف كيلومتر مربع”. مردفاً أن تركيا “لا يمكنها الإفلات من مصيرها. وأولئك الذين يقولون ‘ماذا تفعل تركيا في ليبيا أو الصومال؟’ لا يفهمون هذا”.
ورغم أن رؤية أردوغان تحمل قسطاً من الحقيقة، فإنها مشبعة بقدر كبير من صناعة الأساطير. فداخل تركيا، روّجت آلة الدعاية الحكومية الواسعة لحملة “قرن تركيا” وقدمتها بوصفها وروجت لفكرة أن تركيا تتجه نحو استعادة عظمتها. وأُعيد إخراج الإرث العثماني – الذي اعتادت النخبة السياسية في تركيا الحديثة النظر إليه كرمزٍ لعصر الانحطاط – بوصفه نموذجاً للنظام والتعددية. وفي المسلسلات التلفزيونية، والمؤتمرات شبه الأكاديمية، وحتى في قوائم المطاعم التي تقدّم أطباقاً مثل “لذة السلطان”، تُستعاد الحقبة العثمانية كـ”عصر ذهبي” أطاح به في النهاية التدخل الخارجي والخيانة من الداخل.
كذلك فإن المؤسسة الأمنية التركية، التي أصبحت خاضعة لسلطة الرئاسة منذ دخول التعديلات الدستورية حيز التنفيذ عام 2018، تتبنى بدورها فكرة إقامة نظام إقليمي بقيادة تركيا. والجيش، الذي كان في السابق يتسم بضبط النفس، أصبح الآن يؤيد مواقف تركيا الدفاعية المتقدمة في العراق وليبيا وسوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط. تسلط البيانات الأخيرة الصادرة عن مجلس الأمن القومي التركي الضوء على دور تركيا في تحقيق الاستقرار ومسؤولياتها في هذه المناطق، فضلاً عن استعدادها للمساعدة في حفظ الأمن في غزة. وفي الجلسات الخاصة، يصف المسؤولون الأتراك تركيا بأنها الجهة الضامنة للاستقرار من القوقاز إلى بلاد الشام، مؤكدين التوافق بين تركيا والأنظمة الصديقة.
في عهد أردوغان، وسعت تركيا بالفعل حضورها الإقليمي. وقد بسطت نفوذها العسكري على امتداد القوقاز والمشرق العربي وأجزاء من أفريقيا، بينما استعرضت قوتها البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. على مدى العقد الماضي، وقعت أنقرة شراكات دفاعية وأمنية مع ألبانيا والجزائر وأذربيجان والبوسنة وإثيوبيا وليبيا والنيجر وباكستان وقطر، والصومال، وسوريا، وتونس. وفي ليبيا، تبرم تركيا صفقات اقتصادية وتقدم الدعم الأمني، الذي يشمل تدريب قوات إنفاذ القانون والجيش. عام 2020، دعمت تركيا التوغل العسكري الأذري لاستعادة أراضٍ من أرمينيا، وبعد ذلك اضطلعت الشركات التركية بدور رائد في إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية في المناطق التي تم الاستيلاء عليها حديثاً. وتسعى تركيا الآن إلى تطبيع علاقاتها مع أرمينيا أيضاً، وإنشاء تحالف اقتصادي إقليمي من شأنه أن يحد من نفوذ إيران وروسيا في القوقاز ويوسع نطاق وصول تركيا المباشر إلى الأسواق. كذلك فإن الصناعات الدفاعية التركية المتنامية منحت أنقرة نفوذاً في علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين ومدخلاً إلى أسواق أفريقيا وآسيا. وإضافة إلى الطائرات المسيرة، التي تعتبر أهم صادرات تركيا في مجال الدفاع، تنتج الشركات الخاصة والحكومية الذخيرة والسفن الحربية والصواريخ والدبابات والمركبات المدرعة، وستضيف إلى هذه القائمة قريباً أول طائرة مقاتلة في البلاد.
في خضم سعيها إلى بسط نفوذها، لا تولي تركيا اهتماماً خاصاً بالحكم الداخلي في الدول المجاورة، بل تركز في المقام الأول على الترتيبات التي تعزز مصالحها الاقتصادية والأمنية. ومن هذا المنحى، فإن رؤية أردوغان اليوم أضيق نطاقاً من الأجندات التي طرحتها حكومته في وقت سابق، مثل عقيدة “لا مشكلات مع الجيران” التي طرحها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو. كانت تلك الفكرة، التي طبعت توجهات أنقرة الإقليمية في الأعوام الأولى من حكم أردوغان، تهدف إلى تحقيق التوازن بين تحالفات تركيا التقليدية مع الغرب وتوسعها نحو الشرق، وتعزيز نفوذ البلاد في الشرق الأوسط وأفريقيا من خلال طرحها كنموذج إقليمي للإصلاح الديمقراطي. غير أن سياسة داوود أوغلو تداعت خلال الربيع العربي، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم تحقق التحول السياسي الذي حاولت تركيا الضغط من أجل تحقيقه في مصر وسوريا واليمن. والآن، فيما لم تعد تركيا نفسها دولة ديمقراطية، أصبحت أقل اهتماماً بتغيير الأنظمة السياسية لجيرانها من اهتمامها باستخدام القوة القسرية والصفقات التبادلية بغية تعزيز التضامن بين الأنظمة السنية غير الليبرالية.
حقل تجارب
في الآونة الأخيرة، أصبحت سوريا ساحة لتجارب تركيا الطموحة في المنطقة. وتبسط تركيا نفوذاً واسعاً على أجزاء من شمال سوريا، وقد قامت ببناء مدارس ومستشفيات ومحاكم في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة المدعومة من تركيا خلال فترة حكم نظام الأسد. وتحظى جماعة “هيئة تحرير الشام” التي أطاحت نظام الأسد بدعم تركيا منذ فترة طويلة. منذ أن تولى تنظيم هيئة تحرير الشام وزعيمه أحمد الشرع السلطة في دمشق، ساعدت تركيا النظام الجديد من خلال توفير التدريب الأمني والمعدات الأمنية، وإدارة الحدود، والمساعدات الإنسانية، والمعدات والبذور الزراعية، وأعمال الإصلاح العاجلة لشبكة الطاقة في سوريا. وبدأت الشركات التركية في المشاركة في عطاءات لمشاريع البناء والطاقة والطرق داخل سوريا. والأهم من ذلك بالنسبة إلى دمشق، أن أنقرة نجحت في التأثير في واشنطن والرياض والعواصم الأوروبية من أجل رفع العقوبات التي فرضت على البلاد في عهد الأسد.
كذلك فإن ظهور نظام حليف في سوريا مهد الطريق أمام أنقرة لإحياء عملية السلام المتوقفة مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو جماعة انفصالية خاضت تمرداً استمر عقوداً ضد الدولة التركية. وبدأت حكومة أردوغان محادثات مع زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبدالله أوجلان في أواخر عام 2024، في محاولة واضحة لجذب الناخبين الأكراد في الانتخابات المحلية. وقد جعلت إطاحة الأسد في دمشق التوصل إلى تسوية يبدو أكثر قابلية للتحقيق. طوال الفترة التي نشطت فيها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، وهي تحالف من الميليشيات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، بشكل مستقل في شمال شرقي سوريا وترأست جيشاً كبيراً، كانت أنقرة تخشى من تهديد أمني محتمل. لكن هذا التهديد تبدد بمجرد رحيل الأسد ودخول “قسد” في محادثات استكشافية مع كل من دمشق وأنقرة – وهي عملية غالباً ما يلعب فيها السفير الأميركي لدى تركيا توم براك دور الوسيط – لتحديد دور الأكراد في حكم سوريا ما بعد الأسد. لا تزال الخلافات مستمرة حول السيطرة على موارد المياه وعائدات النفط، ومدى الاستقلال السياسي للمنطقة التي يسيطر عليها الأكراد، وشروط اندماج “قسد” في الجيش السوري، لكن كلفة فشل المحادثات باهظة للغاية لدرجة أن لا أحد يستطيع التخلي عن التفاوض.
إن إحياء عملية السلام مع الأكراد يخدم غرضاً استراتيجياً أكبر بالنسبة إلى أردوغان: فهو يمنحه سبباً لتخفيف حدة القومية المتشددة التي ميزت حكمه على مدى العقد الماضي وإعادة تصور تركيا باعتبارها قائداً إقليمياً مناسباً. يصف كل من أردوغان وحليفه القومي المتطرف دولت بهتشلي – الذي كان أول من دعا علناً إلى استئناف المحادثات مع حزب العمال الكردستاني في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 – التحالف التركي – الكردي – العربي الآن بأنه ركيزة الاستقرار الإقليمي. ويتيح لهم هذا التركيز أيضاً استحضار ذكرى الإمبراطورية العثمانية متعددة الأعراق. وكتب أردوغان أخيراً على منصة إكس “إن التاريخ مليء بأمثلة لا حصر لها على النجاحات التي حققناها في الداخل والخارج عندما كان الأتراك والأكراد والعرب متحدين”.
يأمل أردوغان الآن في إثبات نموذج حكم متعدد الأعراق – وإن غير ليبرالي – يستوعب التنوع المجتمعي تحت مظلة قيادة سنية قوية. ويعتقد الإسلاميون الأتراك أن هذا كان سبب نجاح الإمبراطورية العثمانية واستمراريتها، ونقطة ضعف الجمهورية التركية العلمانية. لذلك، فإن التوصل إلى تسوية في سوريا لن يمنح تركيا حدوداً جنوبية آمنة ويحد من طموحات الأكراد في نيل الاستقلال فحسب، بل من شأنه أن يبرهن صحة مفهوم النظام الإقليمي بقيادة تركيا.
ومع ذلك، إذا تعثرت المحادثات مع الأكراد في تركيا أو سوريا، فإن الهيكلية برمتها ستبدأ في الترنح، إذ سيدفع تجدد الاضطرابات الكردية بتركيا إلى نشر قواتها الأمنية، مما يستنزف الموارد اللازمة للدبلوماسية الإقليمية الأوسع نطاقاً. علاوة على ذلك، فإن عدم الاستقرار في شمال سوريا من شأنه أن يقوض ادعاء أنقرة بأن تركيا قادرة على فرض النظام حيث فشل الآخرون.
دولة جوفاء
ومع ذلك، حتى لو تمكنت أنقرة ودمشق من التوصل إلى اتفاق مع الأكراد، فإن حلم أردوغان بتدشين قرن تركي جديد يرتكز إلى أسس هشة. بالنسبة إلى عامة المواطنين الأتراك الذين يكافحون من أجل تغطية حاجاتهم الأساسية، تبدو العظمة الإمبراطورية بعيدة كل البعد من معاناتهم اليومية. لقد أسفرت أعوام من السياسة النقدية غير التقليدية عن زيادة التضخم في تركيا وتدهور عملة البلاد. وأدت عودة وزير المالية السابق محمد شمشك، الذي عين مجدداً عام 2023 لمساعدة الاقتصاد على استعادة استقراره، إلى ترميم قدر من الثقة لكن التضخم ثابت في ارتفاعه القوي وثقة المستثمرين منخفضة. ونتيجة لذلك، تفتقر تركيا ببساطة إلى القدرة الاقتصادية على تمويل إعادة إعمار سوريا أو أي مشروع إقليمي كبير آخر. لقد أرغمت القيود المالية التركية الحكومة السورية الجديدة بالفعل على اللجوء إلى قطر والمملكة العربية السعودية لتغطية حاجاتها المالية العاجلة، مثل الرواتب والمعاشات التقاعدية، وهو تحول يعزز نفوذ الخليج في دمشق على حساب تركيا.
وبعد عقدين، بدأ النظام شديد المركزية الذي يقوده أردوغان يظهر حدود فاعليته. وقال لي أحد كبار المسؤولين إن “العبء الفعلي للدولة يقع على نحو 10 رجال من ذوي الكفاءة”. وتحت هذه الدائرة الضيقة من التكنوقراط، ضمرت الوكالات الحكومية، فيما أدت عمليات التطهير والتعيينات القائمة على الولاء إلى محو الخبرة المؤسسية. وبات صنع القرار متمحوراً في القصر الرئاسي، مما جعل البيروقراطية التركية عاجزة عن تطوير سياساتها وتنفيذها بفاعلية. ولأن أي استراتيجية حقيقية للتأثير الإقليمي تقتضي وجود جهاز دولة قادر على الالتزام الاقتصادي المستدام، والتنسيق الدبلوماسي المتواصل، والإدارة الصبورة للتحولات السياسية – في ليبيا وسوريا وغيرها – لا مجرد استعراضات عسكرية متفرقة، فإن تركيا تحتاج إلى قدرة مؤسسية أبعد مما يتوفر حالياً. وفي الوقت الراهن، تفتقر أنقرة ببساطة إلى البنية المؤسسية التي تواكب طموحاتها.
من الناحية السياسية، تقلصت قاعدة أردوغان في وقت شدد فيه قبضته على السلطة. اكتسحت المعارضة الانتخابات البلدية عام 2024، إذ حصد حزب أردوغان 35 في المئة فقط من الأصوات، في أسوأ أداء له منذ وصوله إلى السلطة عام 2003. ونظر إلى اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس (آذار) 2025 بتهمة الفساد، وما تلاه من اعتقالات أكثر من 10 رؤساء بلديات آخرين ينتمون إلى حزب المعارضة الرئيس، على نطاق واسع، على أنها عمليات ذات دوافع سياسية. وكشفت عن انعدام ثقة الحكومة بنفسها: فأردوغان، الذي لم يعد واثقاً من قدرته على الفوز في الانتخابات، حول النظام القانوني إلى سلاح لضرب خصومه.
إن تآكل الدعم الذي يحظى به حزب أردوغان يحد في نهاية المطاف من طموحاته الإقليمية. فالقيادة الحقيقية في الشرق الأوسط تتطلب الاستمرارية. يجب أن تكون وعود تركيا بتقديم المساعدة الاقتصادية ذات صدقية وأن تحافظ على التزاماتها الدبلوماسية. كذلك يجب أن تشارك النخبة الاقتصادية في البلاد، التي لا تزال غالبيتها مؤيدة للغرب وذات ميول ليبرالية، في هذا المسعى، وهو أمر غير مرجح في ظل استمرار عدم اليقين في شأن التوجه الجيوسياسي لتركيا ومسارها الداخلي غير الليبرالي. لا يمكن لأنقرة أن تقدم أي ضمانات مهما كانت، في ظل التساؤلات المطروحة حول خلافة أردوغان وما إذا كانت فترة الشراكة بين أنقرة وإدارة ترمب ستدوم.
إسرائيل باعتبارها عنصر تخريب
يتمثل التحدي الخارجي الأكثر وضوحاً لرؤية أردوغان في تزايد حدة التنافس بين تركيا وإسرائيل. على مدى العام الماضي، برزت إسرائيل كقوة مهيمنة في المنطقة بعد حربها مع إيران وحملاتها العسكرية داخل لبنان وقطر وسوريا. ببسيط العبارة، إن هيمنة إسرائيل العسكرية الواضحة وشبكة شراكاتها الأمنية الآخذة في التوسع تصعب على تركيا أن تتكلم بصدقية عن نظام تقوده تركيا في بلاد الشام وما وراءها. وكثر في تركيا غير راضين عن تعاظم نفوذ إسرائيل في المنطقة، فيما يتزايد الغضب الشعبي الحقيقي من حرب إسرائيل في غزة ويتجاوز بكثير قاعدة أردوغان. ويشجع هذا الشعور العام أنقرة على اتخاذ مواقف معادية لإسرائيل، في حين أن ذلك يعقد جهود تركيا الدبلوماسية في المنطقة وعلاقاتها مع واشنطن. ومن جانبها، لا تريد إسرائيل لتركيا أن ترسم السياسة الإقليمية، لا سيما في ظل دعم أنقرة “حماس” وانتقادها العمليات العسكرية الإسرائيلية. ويخشى بعض الإسرائيليين أيضاً من أن يؤدي محور سني بقيادة تركيا إلى تقويض جهود إسرائيل للسيطرة على جيرانها
لكن الصراع الرئيس يدور حول سوريا. مع رحيل الأسد، إسرائيل مصممة على منع أي قوة خارجية – وبخاصة تركيا المعادية – من تعزيز سيطرتها في سوريا ومساعدة الحكومة الجديدة على بناء جهاز عسكري وسياسي قادر على تهديد الحدود الشمالية لإسرائيل. وقد سعت إسرائيل، التي تنظر بعين الريبة الشديدة إلى حكومة الشرع، إلى فرض سيطرتها العسكرية على منطقة عازلة تزيد مساحتها على 100 ميل مربع داخل الأراضي السورية. أما أردوغان، فيرى في دمشق المتحالفة مع تركيا محور رؤيته الإقليمية. وهاتان مقاربتان لا يمكن التوفيق بينهما. تريد تركيا حكومة سورية قوية ومركزية قادرة على تأمين كامل أراضيها، وتحقيق الاستقرار، وقمع أي حركات مسلحة معادية لتركيا في الشمال، وتثبيت سوريا بقوة في فلك أنقرة، بينما تفضل إسرائيل أن تظل سوريا لا مركزية، مع منح الأقليتين الدرزية والكردية الحكم الذاتي، لمنعها من أن تصبح قوية بما يكفي لتحدي إسرائيل.
وقد وضعت هذه المشاريع المتنافسة القوات والوكلاء التابعين لتركيا وإسرائيل على مسار تصادمي. وبينما تعمل كل دولة على تشكيل نظام ما بعد الأسد وفقاً لمصالحها، تتداخل بصمات الدولتين العسكرية وأنشطتهما الاستخباراتية بشكل متزايد، مما يزيد من خطر المواجهة بينهما. وقد ظهرت التوترات بالفعل: ففي أبريل (نيسان)، قصفت إسرائيل موقعاً مخصصاً لقاعدة تركية في مدينة تدمر السورية. وأخيراً، أقامت تركيا وإسرائيل خطاً ساخناً للأزمات لتجنب الاشتباكات المباشرة بين جيشيهما، لكن هذا الإجراء لا يمثل سوى ضمانة ضعيفة في وقت يختبر فيه الطرفان حدود نفوذ بعضهما بعضاً، وتظل العلاقات الدبلوماسية والسياسية الأوسع نطاقاً مجمدة.
وقد تجاوزت المنافسة حدود سوريا أيضاً، إذ أدت انتقادات أنقرة الصريحة لحملة إسرائيل في غزة، ودعمها القضية الفلسطينية والقضايا القانونية الدولية التي تطالب بمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين على ارتكابهم جرائم حرب، وتوسيع إسرائيل شراكاتها الاستخباراتية مع اليونان وقبرص إلى إحداث شرخ أوسع. وما دامت تركيا وإسرائيل تخشيان طموحات بعضهما بعضاً في المنطقة، فمن المرجح أن تظلا عالقتين في مأزق أمني، إذ تفسر كل منهما تحركات الأخرى على أنها تهديد، وترد بخطاب مبالغ فيه وإجراءات مضادة غير متناسبة، بما في ذلك القيام بأنشطة بالوكالة في سوريا، مما يعمق عدم الاستقرار الذي تسعيان إلى تجنبه.
وبالنسبة إلى أردوغان، فإن هذا التنافس يشكل عائقاً. فتركيا التي تنشغل بأنشطة إسرائيل في سوريا لا تستطيع أن تسعى بشكل كامل إلى تحقيق أجندتها الأوسع نطاقاً في المنطقة. وستضطر إلى تحويل مواردها العسكرية والدبلوماسية والمالية نحو احتواء إسرائيل بدلاً من بناء التحالفات والمؤسسات الضرورية لتعزيز رؤية اقتصادية وسياسية متماسكة.
ترمب الميسر؟
ساعد ترمب أردوغان في تسويق رؤيته للشرق الأوسط من خلال منحه ما يصبو إليه: حضوراً بارزاً في الدبلوماسية الإقليمية ومكانة مرموقة كشريك أمني للولايات المتحدة. وفي إشارة استثنائية إلى طموحات أردوغان العثمانية الجديدة، تحدث براك عن نظام الملل العثماني باعتباره نموذجاً لنظام إقليمي معاصر، وهو النظام الذي كان يمنح مختلف المكونات العرقية والدينية قدراً من الحكم الذاتي في شؤونها الداخلية مقابل ولائها النهائي للإمبراطور.
وعلى خلاف الإدارات الأميركية السابقة، التي رأت في سعي تركيا إلى إقامة منطقة نفوذ في العراق وسوريا وشرق البحر المتوسط تهديداً محتملاً للاستقرار الإقليمي ولمصالح الولايات المتحدة، أتاحت إدارة ترمب لتركيا توسيع مجال نفوذها في سوريا ورحبت بانتظامها في الدبلوماسية الإقليمية. وتتوافق الإدارة إلى حد كبير مع أنقرة في شأن دعم السلطة المركزية في دمشق، وإبقاء الشبكات العسكرية الإيرانية خارج سوريا، ومنع قيام فيدرالية كردية داخل البلاد. ويبدو أنها راضية في أن تفسح المجال لتركيا لكي تتابع تحقيق هذه الأهداف، مما يتيح لواشنطن تحويل طاقتها الدبلوماسية والعسكرية إلى ساحات أخرى تزامناً مع تحسين علاقاتها المتوترة منذ زمن مع حليف رئيس في “الناتو”.
ومع ذلك، فإن تأييد ترمب المتقلب في مواقفه لا يوفر لتركيا ضمانة قوية لاستمرار الدعم الأميركي، ولا يغير الحقائق الأساسية. فإسرائيل لا تزال تحافظ على تفوقها العسكري في سوريا. وعلاوة على ذلك، أظهر ترمب ميلاً لافتاً لمجاراة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يعارض بشدة توسيع دور تركيا في سوريا أو غزة. كذلك فإن دول الخليج لا تزال حذرة من الطموحات التركية، ويمكنها تعقيد مشروع أنقرة عبر حجب الدعم المالي عن سوريا، وتوجيه أموال إعادة الإعمار بطرق تهمش الشركات التركية، أو خفض الاستثمارات التي تعهدتها داخل تركيا. وفوق ذلك، لا يستطيع الاقتصاد التركي الهش والمثقل بالديون والمنهك أن يتكفل بتمويل إعادة الإعمار في سوريا وغزة، أو تحمل كلفة المساعدة الاقتصادية والاستثمار الدبلوماسي والوجود العسكري اللازم لضمان نفوذ إقليمي مستدام.
لا تزال رغبة أردوغان في إقامة “نظام تقوده تركيا” Pax Turkica قائمة، لكن مرتكزات هذا النظام هشة. وإذا عجز أردوغان عن تحقيق هذه الرؤية الكبرى، فإنه يخاطر بوقوع تركيا في حلقة من التدهور الداخلي تغذي نفسها بنفسها، إذ تعمق خيبة الجمهور وتآكل الشرعية الضغوط على اقتصاد يعاني أساساً الضعف. وقد يتحول المشروع الإقليمي الذي يستهدف إبراز صعود تركيا إلى تذكير بالفجوة بين الطموح والقدرة. قد يتمكن أردوغان من كسر هذه الحلقة، إذا وسع تحالفه السياسي الداخلي، وأعاد بناء مؤسسات الدولة، واستعاد ثقة النخبة المهنية وقطاع الأعمال. لكن كل ذلك قد يعرض حكمه للنقد ويقوض قبضته القوية على السلطة. وعلى رغم أحلام أردوغان العثمانية، فإن تركيا الحديثة لا تزال متعثرة في محيطها القريب وغارقة في مشكلاتها الداخلية. وعلى رغم أن أنقرة ستظل لاعباً رئيساً في النظام الإقليمي، وقوة مهيمنة في سوريا، فإنها لن تستطيع استعادة زمن كانت فيه القوة المهيمنة الوحيدة في الشرق الأوسط.
مترجم عن “فورين أفيرز” 25 ديسمبر (كانون الأول) 2025
أصلي آيدن تاشباش زميلة ومديرة برنامج تركيا في معهد بروكينغز
