خليل حسين محرر بموقع السفينة
في الحروب الكبرى، لا تُفتح الجبهات دفعة واحدة، بل تُختبر تدريجيًا عبر ما يشبه جسّ النبض الاستراتيجي. وما يجري اليوم في المناطق الحدودية بين إيران والعراق يندرج في هذا الإطار: محاولة استكشاف ما إذا كان بالإمكان تحويل الجغرافيا الكردية إلى مساحة ضغط إضافية على طهران، أو إلى ساحة استنزاف موازية تُربك حساباتها الأمنية والعسكرية.
هذا الاحتمال، إن تطوّر، قد يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة الصراع. فالمناطق الكردية في غرب إيران تمثّل تقاطعًا جغرافيًا حساسًا بين الداخل الإيراني وامتداداته الإقليمية، كما أنها تحمل تاريخًا طويلًا من التوتر السياسي مع السلطة المركزية. لذلك، فإن فتح هذا المسار لا يعني مجرد تحرك عسكري محدود، بل يحمل في طياته أبعادًا سياسية وأمنية أوسع، قد تعيد إدخال “العامل الكردي” إلى قلب التوازنات الإقليمية.
لكن في المقابل، فإن تحويل هذا الاحتمال إلى واقع ليس مسألة بسيطة. فالمعادلة الكردية نفسها شديدة التعقيد، وتخضع لتوازنات دقيقة تتجاوز حدود إيران. فإقليم كردستان العراق، الذي يُنظر إليه جغرافيًا بوصفه البوابة الطبيعية لأي تحرك من هذا النوع، يتعامل مع المسألة بحذر واضح. فالقيادة الكردية في أربيل تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد يضع الإقليم في قلب صراع إقليمي لا يملك ترف خوضه، خصوصًا في ظل شبكة العلاقات الحساسة التي تربطه بكل من واشنطن وطهران وأنقرة.
في المقابل، تتحرك طهران وفق منطق الردع الاستباقي. فالغارات التي تستهدف جماعات كردية مسلحة والرسائل العسكرية المتكررة تعكس محاولة واضحة لمنع تشكّل أي بنية ميدانية قد تتحول لاحقًا إلى جبهة نشطة. بالنسبة للنظام الإيراني، فإن أخطر ما في هذا السيناريو ليس حجم القوة الكردية بحد ذاته، بل احتمال تحوّلها إلى شرارة يمكن أن تتقاطع مع اضطرابات داخلية أو ضغوط خارجية أوسع.
أما أنقرة، فهي الطرف الثالث الذي لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة. فتركيا تنظر تقليديًا إلى أي تصعيد مرتبط بالحركات الكردية المسلحة من زاوية أمنها القومي، وهي تراقب عن كثب نشاط حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) وغيره من التنظيمات المرتبطة بالحركات الكردية الإقليمية. ولذلك، فإن أي محاولة لتحويل المناطق الكردية إلى جبهة نشطة ضد إيران قد تضع تركيا أمام معادلة صعبة بين حساباتها الإقليمية ومخاوفها الأمنية.
عند هذا التقاطع المعقّد من المصالح والمخاوف، يتحدد المسار الحقيقي للأحداث. فالمسألة لا تتعلق فقط بإمكانية فتح جبهة جديدة، بل بطبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه “الورقة الكردية” في المرحلة المقبلة: هل ستبقى أداة ضغط محدودة تُستخدم ضمن لعبة التوازنات الإقليمية، أم أن تطورات الصراع قد تدفع بها تدريجيًا نحو التحول إلى جبهة كاملة في حرب تتسع دوائرها يومًا بعد يوم؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تتوقف فقط على إرادة القوى الكردية أو حسابات طهران، بل على شبكة أوسع من التوازنات الدولية والإقليمية. وفي الحروب الكبرى، غالبًا ما تتحول الأوراق التي تبدأ كوسائل ضغط تكتيكية إلى عناصر حاسمة في إعادة رسم خرائط الصراع. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تظل الجغرافيا الكردية مجرد مساحة اختبار، أم أنها تقف على أعتاب لحظة قد تغيّر موقعها في معادلات المنطقة بأسرها؟