كانت السنة 2025 سنة تراجع المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة. كان خروج سوريا من السيطرة الإيرانية أبرز دليل على هذا التراجع. تنتظر المنطقة في السنة 2026 تحولات كبرى في مقدّمها ما سيتمخض عنه. ستكون سوريا، من دون مبالغة، حجر الزاوية لمرحلة جديدة في المنطقة للمرّة الأولى منذ العام 1979 عندما أقام آية الله الخميني “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانية، رافعا شعار “تصدير الثورة”. تراجع المشروع الإيراني… ماذا عن سوريا ومستقبلها؟
الثابت الوحيد إلى الآن، أي منذ رحيل بشّار الأسد إلى موسكو، أنّ لا عودة إيرانيّة إلى سوريا. سيكون نجاح سوريا نجاحا عربّيا قبل أي شيء. لكنّ مشكلة هذا النجاح تكمن في أنّه ليس مضمونا خصوصا في ضوء الحاجة إلى تصحيح المسار الذي اختارته السلطة السورية المؤقتة الحالية برئاسة أحمد الشرع. سيكون تصحيح المسار الإشكالية الأبرز في المشهد السياسي السوري نظرا إلى أن التصحيح لم يعد خيارًا يُناقش، بل تحول إلى ضرورة قصوى، سواء جاء استجابة لضغوط داخليّة مطالبة بالاستقرار، أو نتيجة إرادة دولية لا تُمنح شرعيتها ومواردها إلا مقابل ضمانات فعلية وحقيقية للإصلاح.
السنة 2026 ستكون سنة مفصلية لسوريا والمنطقة كلّها وعنوانا لامتحان يتلخص بسؤال في غاية البساطة: هل في استطاعة سوريا الطلاق مع نظام آل الأسد والفكرتين اللتين تحكمتا به؟
يظلّ الهدف الأساسي تجاوز الشكل الحالي للسلطة في اتجاه جوهر جديد، أي نحو بناء سلطة وطنية جامعة، تعبّر عن إرادة السوريين جميعًا، وتعمل على جمع الشمل تحت مظلة مواطنة متساوية تحمي الجميع، وتجعل من الانتماء إلى سوريا الهوية العليا التي تعلو على أي انتماءات أخرى ذات طابع مذهبي أو طائفي أو قومي. هذا ما يدعو إليه أحمد الشرع علنا. إنه أمر يحتاج إلى خطوات عملية على أرض الواقع بغية التحول إلى نهج معتمد من السلطة الجديدة.
تكمن المُعضلة في أصل هذه السلطة، فهي لم تنبثق من إرادة شعبية عبر انتخابات ديمقراطية، وبالتالي تفتقر إلى الشرعية السياسية التقليدية. هذا الواقع صعب إلغاؤه، بل يفرض التعامل معه بمنطق براغماتي، كي تكون بوصلة العمل في اتجاه تحقيق المصلحة العليا للبلاد واستقرارها. هذه معادلة وجودية تتجاوز بكثير الأشخاص والكيانات الفاعلة الحالية، بما فيها الإدارة الحالية وجماعة “هيئة تحرير الشام”. إنها معادلة تتعلق ببقاء سوريا دولة متماسكة. تتعلّق عمليا بالنجاح في امتحان ما بعد نظام آل الأسد الذي لم يمتلك أي شرعيّة من أي نوع في يوم من الأيام. لا يعود ذلك إلى أنّه ولد من رحم انقلابات عسكرية متتالية بدأت يوم الثامن من آذار – مارس 1963 فحسب، بل يعود أيضا إلى أنّ نظام آل الأسد قام على فكرتين أساسيتين. كانت أولاهما الحصول على ضمانة أمنية إسرائيلية للنظام في مقابل تسليم الجولان الذي حصل في 1967 والثانية تكريس وجود طبقة تنتمي إلى الطائفة العلويّة تسيطر عمليا على المفاصل الرئيسية للبلد وتتحكم بها في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد.
من هذا المنطلق، فإن الخيار الإستراتيجي الأكثر واقعية في هذه المرحلة الحرجة لا يتمثل في السعي لإسقاط هذه السلطة، لأنه مسار محفوف بمخاطر الفوضى العارمة داخليّا وإقليميّا، بل في السعي الحثيث لإجبارها على إصلاح نفسها وتغيير مسارها.
تبرز هنا نقطة ضغط محورية، فالانفتاح الذي قامت به الإدارة السورية الجديدة، بخاصة مع الغرب، هو سلاح ذو حدين. فهو وإن كان يُرى كمنفذ للنجاة، فإنه في حقيقته يمثل فخا وضعت السلطة نفسها فيه، إذ أن هذا الانفتاح لن يكون بلا ثمن. يشكّل هذا الانفتاح الدولي النافذة التي تُدخل من خلالها آليات الرقابة والحوكمة. هذه الآليات نفسها ستتحول مع الوقت إلى أدوات ضغط مستمرة لإجبار السلطة السورية الحالية على مراجعة سياساتها وتعديل أساليب حكمها، في حال أرادت الاحتفاظ بأي دعم أو اعتراف دوليين.
إن فرض مسار إصلاحي على السلطة الحالية، رغم كل صعوباته وتعقيداته، مع الأساس المتطرف الذي انبثقت منه سلطة الشرع، يبقى المسار الواقعي الأوحد المتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
من هنا يأتي الدور المحوري للسوريين والسوريات والمجتمع المدني السوري. فالمظلة الدولية القائمة، والقلق الأوروبي المُلح حيال مسألة استقرار سوريا واستمراره والذي ينبع في معظمه من قضية اللاجئين واللاجئين فقط توفّر فرصة تاريخية. سيكون على القوى التي يتشكل منها المجتمع السوري استغلال هذا الاهتمام والضغط للدفع باتجاه تحقيق مطالب الشعب في الديمقراطية والتعددية والحكم الرشيد. يفترض أن يكون التركيز على تحويل المساعدات الدولية من مجرد منح لإطفاء الحرائق إلى أدوات للبناء المؤسسي المستدام، عبر ربط المنح والقروض الميسرة بمسارات موازية للإصلاح السياسي والرقابة المدنية، تقود نحو سوريا التعددية والديمقراطية المنشودة. من خلال عمليات الضغط الهادئ سيدرك الشعب السوري أن التغيير ليس مخيفا، وأن فكرة “السلطة الدائمة” هي وهم أسطوري مثل الغول والعنقاء والخل الوفي، فالدول تُبنى بالمؤسسات لا بالأشخاص. بكلام أوضح، تبدو الحاجة إلى طلاق فعلي مع نظام آل الأسد وممارساته.
من الواضح أن الإدارة الحالية، ممثلةً بالرئيس أحمد الشرع وحكومته، بدأت تدرك، ولو متأخرةً، خطورة هذه المعادلة، معادلة السعي إلى”السلطة الدائمة”. يدرك الرئيس السوري والحكومة التي شكلها أن الاستقرار الحقيقي يبقى وهما بلا مشاركة وطنية حقيقية، وأن تحقيق الشراكة الوطنية هو الضامن الوحيد لخلق بيئة جاذبة للاستثمارات العربية والدولية… وتوفير التمويل الضروري لإعادة الإعمار والتنمية. هذا الإدراك، رغم كونه ما زال ضعيفا، يبقى المدخل الواقعي الوحيد المتاح اليوم لإحداث التأثير والتغيير المرجو في سوريا.
إن فرض مسار إصلاحي على السلطة الحالية، رغم كل صعوباته وتعقيداته، مع الأساس المتطرف الذي انبثقت منه سلطة الشرع، يبقى المسار الواقعي الأوحد المتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا، والسبيل الأوحد لوضع حجر الأساس لمستقبل أفضل. إنه طريق شائك وصعب، لكنه الطريق الوحيد الذي يلتقي فيه منطق الضرورة القاسي مع بصيص الأمل في إمكانية ولادة سوريا جديدة.
في ضوء هذه الظروف، ستكون السنة 2026 سنة مفصلية لسوريا والمنطقة كلّها وعنوانا لامتحان يتلخص بسؤال في غاية البساطة: هل في استطاعة سوريا الطلاق مع نظام آل الأسد والفكرتين اللتين تحكمتا به؟
العرب اللندنية