يماثل حال اللبنانيين في انتظارهم نتائج ما ستسفر عنه المفاوضات، حال “فلاديمير” و”استراغون”، شخصيتي مسرحية “في انتظار غودو”، اللذين ينتظران شخصًا لا يصل أبدًا. فمنذ إعلان وقف إطلاق النار، الذي تحدد تاريخه في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، يعيش اللبنانيون، وخصوصًا منهم الجنوبيون، في انتظار المفاوضات والاجتماعات، والزيارات والاقتراحات، والطروحات والاستشارات، التي ستحدد ما إذا كانوا سيبقون في بلداتهم أم سينزحون عنها مجددًا، إذا لم يُكتب لهذه المفاوضات النجاح.
حينها فقط سيقرر الجنوبيون ما كانوا أجّلوه وخططوا له لأكثر من عام مضى. وضعوا تصورات لمشاريع وتفاصيل تطول لائحتها، من إعمار وإصلاح منازلهم ومؤسساتهم ومحالهم، تسوية حقولهم وأشجارهم، إقامة أفراحهم وأحزانهم، إنجابهم، نزهاتهم، سفرهم، مدارس أبنائهم، زياراتهم، أحلامهم، أثاث منازلهم، ارتباطاتهم العاطفية، وساعات نومهم.
هذا ليس تعدادًا عرضيًا يندرج في موضوع صحافي، بقدر ما هو تجسيد للواقع الرمادي الذي يلقي بظله الثقيل على أدق تفاصيل عيش الجنوبيين، فمنذ ما سُمّي بوقف إطلاق النار، باتت الاستهدافات التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي تتكرّر بشكل يومي، وتطاول مختلف القرى والبلدات جنوبًا وبقاعًا، ولم تستثنِ، مرات عديدة، الضاحية الجنوبية وغيرها من المناطق.
بين الحرب والسلم
لا يعرف الجنوبيون إذا كان ما يعيشونه اليوم حربًا أم سلمًا. لا يبدو في الأفق ما يشير إلى تغيرات جذرية فيما يتعلق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وهم في انتظارهم، الذي طال كثيرًا، استغنوا عن نمط عيشهم السابق بكامله، وخلقوا حياة موازية، أكثر ما يصلح في توصيفها أنها على الهامش، كل ما فيها طارئ ومؤقت وآني، ووفق ما تتيحه لهم الأوضاع الاقتصادية والظروف الأمنية.
على تخوم اليوميات التي يعيشها الجنوبيون اليوم، يوحي مشهد البلدات والمدن الظاهر بأن حياة ما قائمة شبه طبيعية. يذهب الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، ويلتحق الموظفون والعمال بدوائر عملهم ومصالحهم، كل يباشر عمله، ثم يحدث ما أصبح يحدث كل يوم: قصف أو استهداف من “الأم كا” و”الحربي” و”الدرون” و”المسيرة”.
أسماء حفظها الجنوبيون، وباتوا يعرفون وظيفة كل منها. تعم الشارع فوضى، وترتفع سحب الدخان من المكان المستهدف، ويندفع الطلاب من صفوفهم إلى الطوابق السفلية. تهرع سيارات الإسعاف، وتبث وسائل التواصل الاجتماعي صور المستهدفين وأسماءهم وانتماءاتهم. دقائق قليلة، ويتابع الناس ما كانوا باشروه من أعمال، ليشهدوا في اليوم التالي ما حصل في اليوم السابق.
الحياة مسألة حظ
ليس ما ذُكر مشهدًا من فيلم خيالي، بل هو وتيرة عيش يومية تقضّ مضاجع الجنوبيين وتسلبهم عافيتهم النفسية. باتت الحياة في نظر عدد كبير منهم مسألة حظ، كما أن النجاة هي أيضًا مسألة حظ. يقول محمد، الذي يعمل في إحدى ورش تصليح السيارات في “مرج خاروف”: “نعيش بالصدفة، ونموت قصدًا وبالصدفة. لم تكن سيارتي تبعد عن السيارة التي استهدفها جيش الاحتلال الإسرائيلي سوى أمتار قليلة جدًا، وقد شاهدت بأم عيني كيف انشطرت إلى قسمين، ومات من كان بداخلها. لو كنت أقرب بنصف متر فقط منها لكنت بين الضحايا”.
بدورهم، يعيش الأهل يوميًا حالة من الترقب والحذر بانتظار عودة من هم خارج المنزل. تقضي فاديا من بلدة “أنصار” وقتًا طويلًا من يومها في متابعة أبنائها أثناء ذهابهم وإيابهم من وإلى العمل، “الاحتمالات والافتراضات لا تفارق رأسي، ماذا لو كان أحد أبنائي أو زوجي أو أنا قرب المكان المستهدف، وكان أحدنا لا سمح الله من بين الضحايا. لا أستطيع تصور هذا الأمر”.
هناء، أم لثلاثة أولاد، من “النبطية”، تقول: “العناية الإلهية تدخلت ونجا زوجي وابنتي، البالغة من العمر ثماني سنوات، من الموت المحتم، بعد أن اخترقت الشظايا زجاج باب غرفة الصالون حيث كانا يجلسان”. منذ الحادثة المذكورة، تعيش هناء هاجس القصف والاستهدافات اليومية: “أشعر بأن أعصابي منهارة، والأمان مفقود، لم يعد لي قدرة على التحمل، ولا أعرف ماذا أفعل في ظل الوضع الكارثي الذي نعيشه”.
| لا يعرف الجنوبيون إذا كان ما يعيشونه اليوم حربًا أم سلمًا. لا يبدو في الأفق ما يشير إلى تغيرات جذرية فيما يتعلق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان |
كيف يصبح الاستثناء عاديًا
أن يصبح الموت والحرب جزءًا من حياة الجنوبيين اليومية، أمر يعجز كثيرون عن توصيفه وتقبله، إذ ليس الموت سوى طارئ واستثناء، فقد أصبح بالنسبة لهم عاديًا وأقرب إلى البداهة، في زمن بدت فيه الحياة الطبيعية الآمنة حلمًا مستحيلًا. فعلى مسافة قريبة جدًا من الموت اليومي، تتتابع الحياة في مكان آخر كأن شيئًا لم يكن. حال يصلح فيها قول الشاعر السويدي ترانسترومر: “الموت يأخذ مقاساتنا”.
علي (اسم مستعار): “أن يصبح الموت جزءًا عاديًا من يومياتنا، إنه لكابوس حقيقي، كل يوم شهيد أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر”. “يقع الاستهداف، يتجمهر الناس لساعة من الزمن عند وقوع الحادثة، ثم ينصرفون مباشرة بعد حضور سيارات الإسعاف ونقل الجثث”.
يتابع: “ما يؤلم أننا مجبورون على متابعة حياتنا رغم قساوة المشهد، فالذين يرحلون أمام أعيننا هم إخوتنا وأهلنا وأقاربنا وأصدقاؤنا، فيما أصبح الحداد ترفًا لا نملكه، في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية والنفسية الضاغطة. أحاول قدر المستطاع تقبل واستيعاب الوضع الكارثي الذي وصلنا إليه رغم بشاعته، لأن علينا مسؤوليات عائلية تتطلب منا أن نتحلى بالصبر والقوة، أدعو الله أن لا ينفذا”.
تصف “لينا، الزرارية” كيف “طلع الحربي واستهدف موقعًا مقابلًا للجامعة التي أدرس فيها في النبطية، بعد انتهاء الغارة عاد الصف للانتظام”. تتابع لينا: “أعيش وزملائي هاجس الغارات المفاجئة، ونحس أن الموت قريب منا في كل لحظة”.
أحلام العودة
تختلف أوضاع الجنوبيين بتنوع الأضرار التي أصابت قراهم وبلداتهم، وقد تراوحت نسبتها في قرى الحافة الأمامية، وفق التقارير المثبتة، بين 40 و 99 بالمائة، من بينها شبعا، الضهيرة، عيتا الشعب، مارون الراس، مركبا، عديسة، كفركلا، عيثرون، وبليدا. طاول الدمار في القرى المذكورة البنية التحتية بكاملها، إضافة إلى الوحدات السكنية والمؤسسات التجارية والتربوية ودور العبادة.
يعيش أبناء البلدات المذكورة اليوم على تخوم قراهم أو في بلدات قريبة منها أكثر أمانًا. بعضهم يذهب كل يوم إلى حدود قريته ليراقب عن قرب ما يجري فيها. ينتظر هؤلاء ما ستؤول إليه نتائج المفاوضات التي ستُقرّ على أثرها التعويضات التي تشكل الركيزة الأساسية لعودتهم واستقرارهم.
تختلف آراء أبناء القرى حيال العودة وإعادة الإعمار، فمنهم من لم يعد يرغب في وضع “حجر على حجر”، كما يقول علي: “عشت أنا وأهلي وإخوتي في بلدتنا، وكانت لنا فيها منازل ومحال تجارية بنيناها بعرق جبيننا. نلنا نصيبنا من الأضرار في الحروب السابقة، وعقب انتهاء كل منها كنا نقوم بإصلاح ما تدمر. ذهبت الحرب الأخيرة بكل منازل العائلة، ولم يعد لدينا، أنا وإخوتي، أي مكان نأوي إليه. إنها المرة الثالثة التي تتدمر فيها منازلنا. أقول اليوم إني مللت وفقدت أي رغبة في ترميم ما تدمر. أريد أن أعيش في مكان آمن لا أبدأ فيه كل يوم من الصفر. أفكر جديًا بالسفر”.
يراود حلم العودة إلى القرى والاستقرار فيها كبار السن أكثر من غيرهم. يخاف “أبو كامل” أن يأتيه الموت وهو خارج قريته، فهو لا يريد أن يُدفن بعيدًا عن الأرض التي وُلد وكبر وشاخ فيها، وهو الذي زرع بيديه حقل زيتون وأشجار تين ورمان وليمون ليأكل منها أحفاده.
تحولات ديمغرافية
أدى النزوح جراء الحرب الأخيرة إلى تحولات ديمغرافية في خارطة عدد من البلدات الجنوبية، وخصوصًا الآمنة منها التي أصبحت مزيجًا من أبنائها وأبناء البلدات النازحة. وقد لجأ عدد من أصحاب المهن إلى متابعة أعمالهم في القرى التي نزحوا إليها. هكذا فعل تجار وأصحاب مصالح متنوعة. يرفق أهل القرى المضيفة مهنة وبلدة كل تاجر من غير بلدتهم تمييزًا له عن أهاليها، من بينها (لحام عيتا) نسبة لعيتا الشعب، و(سجاد ميس) نسبة لميس الجبل، و(كهربا بليدا) وغيرها.
إذًا ما حصّلت حرب
من الطبيعي أن أحدًا من الجنوبيين لا يرغب بالنزوح من بلدته، وقد اختبروا جميعًا المرارة التي خلفها هذا الأمر عميقًا في وجدانهم. إلا أن أمرًا كهذا لم يعد اليوم مرهونًا بالرغبة أو عدمها، بقدر ما هو رهن الأوضاع الاقتصادية المزرية التي لحقت بالكثيرين منهم، فمعظمهم لا يستطيع تأمين إيجار منزل مهما كان بدله، ناهيك عن المصاريف اليومية التي يبدو تأمينها غاية في الصعوبة في ظل تعطل الأعمال والمصالح في الحرب. “يلي بيخرج من داره يقل مقداره”. مثل اختصرت به نزيهة عدم قدرتها على النزوح، مؤكدة أنها لن تخرج من منزلها إلى أي مكان آخر مهما كان الخطر داهمًا.
لا يتسع المجال لذكر كل ما عاناه اللبنانيون، وخاصة الجنوبيون منهم، جراء الحرب. من ذلك ما لحق طلاب المدارس من تأثيرات سلبية. هناء (معلمة وأم لولدين) قالت: “يعيش الأولاد اليوم حالة من الخوف والرعب جراء أصوات الطيران الحربي والدرون، ناهيك عن جدار الصوت الذي يرعب صداه الكبار والصغار. معظم الأولاد يعانون اليوم من تشتت الانتباه، وقدرتهم على التركيز ضعيفة إلى حد كبير. الحرب أصبحت جزءًا من يومياتنا، والأولاد يتأثرون بأهلهم الذين لا حول لهم ولا قوة. يعانون الخوف والعجز، ويتأملون بحسرة ما حل بأبنائهم”.
انتظار يليه انتظار
بين حرب وأخرى، يخوض الجنوبيون معركة من نوع آخر: انتظار يليه انتظار. يحدث في الانتظار فقدان أماكن وأهل وذاكرة. بين انتظار وآخر، تتوسع دائرة الاعتداءات، وتزداد مساحة الأراضي المحروقة، وتقل المساحات الخضراء. يرتفع عدد الشهداء، ويزداد عدد المنازل المهدمة، وترتفع أعداد الطلاب خارج مدارسهم، فيما تبدو الحياة في مكان آخر.
ضفة ثالثة