التظاهر حقٌّ مشروع للسوريين كلّهم؛ إلا أنه في غياب العمل السياسي الحزبي والنقابي والمدني، وكما كان منذ 2011، يحمل ما يحمل من مخاطر التدخّل الخارجي عبر التطييف خصوصاً. وهذا ما حصل طوال سنوات الثورة مع كل الفصائل العسكرية والكيانات السياسية التي تلقّت التمويل، ويحصل في السويداء مع دعم دولة الاحتلال سيطرة الزعيم الديني الشيخ حكمت الهجري. ومؤكَّدٌ وجود محاولاتٍ من هذا النوع حصلت في تظاهرات العلويين في الساحل السوري الأحد الماضي. وسواء خرجت تظاهرات الساحل بدعوة من رئيس المجلس الإسلامي العلوي في المهجر، الشيخ غزال غزال، أو بدوافع أخرى، فهي تعبيرٌ عن انعدام قنوات التواصل مع السلطة الجديدة.
ففي حين أن غزال، الطامح إلى سلطة طائفية تشابه سلطة الهجري، يستغلّ أيَّ حدثٍ لاستمالة العلويين، ويبدو أنه جنّد بعضاً منهم ليهتفوا باسمه، وعُمِّم مطلب الفيدرالية من دون الخوض في المقصد منها وإمكاناتها حلّاً لتأزّم السوريين العلويين، طُرحت مطالب عدة تتعلّق بمحاكمة ضبّاط وعناصر النظام البائد المعتقلين منذ قرابة العام، والبدء بمسار العدالة الانتقالية، ومطالب معيشية بسبب فقدان مصادر الدخل، ومطالب بحماية العلويين من الانتهاكات المستمرّة منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. وهناك من يطالب بالمواطنة والديمقراطية والعلمانية، ومن يرفض التقسيم، ويرفض زعامة غزال وتقديم السلطة لفادي صقر، المتهم بجرائم في دمشق، ممثّلاً للعلويين.
في كل الأحوال، هذا التشتّت في المطالب يعني أن الحراك غير مُسيَّس لجهة بعينها، وهو تعبير عن معاناة ومخاوف؛ ومن المجدي البحث في سياسات السلطة تجاه العلويين والسوريين كلّهم، خصوصاً مع استخدام الحلّ الأمني الطائفي عبر تجييش “الفزعات” و”الجهاديين” في معالجة مشكلات سياسية تحتاج إلى حوار وانفتاح وشراكة. وهذا ما عمّق استعصاء محافظة السويداء وقوّى وضخّم موقف الهجري، فيما تتصاعد الاحتجاجات في الساحل السوري، ويتجدّد التصعيد مراراً في حلب بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والقوات الحكومية، مع استمرار الحديث عن تطبيق اتفاق 10 مارس (2025) حول الاندماج، في ظلّ غياب نيّات الطرفَيْن لاتخاذ خطوة حقيقية في هذا الاندماج، واختلافهما في تفسيره.
أمّا أسباب تأزّم العلويين فهي مركّبة، ولا تُناقش بمستوى واحد يتعلّق برفضهم الانضواء في الدولة السورية وانسياقهم وراء مشاريع تقسيم مدعومة خارجياً ومن “قسد”. لا يمكن قراءة هذه التظاهرات بمعزل عن عامٍ مضى من الاستهدافات الطائفية بوتيرة منخفضة للعلويين، وعن الصمت تجاهها من النُّخب السورية وعديد من منظّمات المجتمع المدني، وعن رداءة مسار العدالة الانتقالية الذي اختارته السلطة، فضلاً عن أن معالجة السلطة مجازر الساحل الحاصلة في مارس/ آذار الماضي ردّاً على تمرّد مجموعة من فلول نظام الأسد لم تكن ذات مصداقية لدى السوريين؛ فالتقرير الوطني الصادر بشأنها سُلِّم إلى الرئيس أحمد الشرع من دون أن يُنشر منه سوى عدد المتّهمين المتورّطين، ويتطابق عددهم مع ما ورد في تقرير الأمم المتحدة، ومن دون ذكر أسمائهم، ويبرئ الحكومة السورية من مسؤوليتها، والتقى التقريران في الإشارة إلى عناصر تتبع قوات حكومية ارتكبت الانتهاكات، لكنهما لا يحملان الحكومة نفسها المسؤولية. أمّا المحاكمات التي تجري في حلب، فقد بدت، في عرف سوريين كثيرين، أقرب إلى الاستعراض. وأصدرت السلطة تقريراً آخر حول اختطاف النساء العلويات نفت فيه ما ورد في تقارير صحافية وحقوقية.
بات واضحاً أن السلطة غير جادّة في المضيّ في مسار العدالة الانتقالية، ولا ثقة لمؤيّديها بقدرتها على بناء هذا المسار، الذي يحتاج إلى مشاركة المتضرّرين وذوي الضحايا ومؤسّسات المجتمع المدني والنُّخب والخبرات السورية، وألّا يقتصر على جرائم الأسد، بل أن يشمل انتهاكات الفصائل. فمنذ 8 ديسمبر 2024، اعتمدت السلطة أشخاصاً من المتورّطين في ارتكاب المجازر ممثّلين عن العلويين، وأعطتهم دوراً في ما سمّته بـ”السلم الأهلي”، في تجاوز لمسار العدالة الانتقالية. وصالحت رجال الأعمال الداعمين لحرب الأسد ضدّ الشعب، واعتمدت قادة الفصائل العاملة في الشمال قياديين في وزارة الدفاع، إضافة إلى متشدّدين سوريين وأجانب. وبدلاً من التعاطي مع السوريين من دون تمييز وعلى أساس أنهم مواطنون متساوون أمام القانون، تعاملت معهم طوائف وعشائر وإثنيات، وفق ما سمّتها “المكوّنات”. وهكذا، في غياب أيّ تأسيس لمسار العدالة الانتقالية، يصبح العلويون، كلّ العلويين، “فلولاً” ومتهمين بجرائم الأسد التي لا تنوي السلطة المحاسبة عليها، بل حلّها بمسار “السلم الأهلي” الذي أثبت فشله، مع استمرار الأعمال الانتقامية التي لا تقف عند المجرمين، بل تتجاوزهم إلى استباحة العلويين.
تعاطي السلطة مع المجتمع على أنه “مكوّنات” مقصودٌ؛ لأنه يسهم في ترسيخها سلطةً تمثّل “المكوّن الأكبر”، أي العرب السُّنة، من وجهة نظر مؤيّديها وداعميها والساعين إلى الحصول على المكاسب في كنفها. وقد قبل هؤلاء بالتفسير الطائفي لبنية نظام الأسد، وأن السلطة الجديدة تمثّلهم، وتصاعد الخطاب التكفيري والتحريضي ضدّ العلويين والدروز والأكراد. ووفق الفكرة الأخيرة، أي إن السلطة تمثّل وتعبّر عن السُّنة، بدأت تنشط أطراف معارضة طائفية بدورها في السويداء، وبدعم إسرائيلي جليّ، وسيطرت مستغلّةً المجازر التي قامت بها القوات الحكومية وعناصر جهادية وعشائر. وحصل هذا التوجّه الانفصالي على دعمٍ من “قسد” لتقوية موقفها في مفاوضاتها مع السلطة عبر تشكيل ما يسمّى بـ”حلف الأقليات”، وضمّت إليه الشيخ غزال بوصفه رئيس المجلس الإسلامي العلوي، الذي شُكّل على عجل بعد سقوط نظام الأسد، رغم أنه لا يحظى بشعبية كبيرة بين العلويين، خصوصاً أن غزال غادر الساحل السوري. وهناك مشاريع علوية تنافسه من فلول النظام البائد يموّلها رامي مخلوف، أو محمّد جابر وآخرون. ويحظى هذا التوجّه كلّه بدعم إسرائيلي خصوصاً، لأنه يحقّق سياساتها التفتيتية للمنطقة على أساس هُويَّاتي.
يغفل داعمو هذا التوجه التقسيمي أنهم، بالقدر الذي يضعفون فيه قدرة السلطة على السيطرة، يقوّونها ضمن حاضنة متخيّلة “عربية سُنّية”. والسلطة الجديدة تعتمد على هذا الوهم في الدفع بأزماتها الداخلية إلى الأمام: أن منجز التحرّر من نظام الأسد يتعرّض لخطر مشاريع غير وطنية تتبنّاها الأقليات. وهذا يقوّي موقف الشرع في الاستفراد بالحكم، وإقامته على أسس عائلية وعلى أساس الولاء وتقاسم الدولة غنيمةً، بدلاً من المؤسّسات القائمة على القانون.
وأخيراً، ككل الشعوب، يميل السوريون، ومنهم العلويون، إلى الاستقرار لا إلى التمرّد والثورات. الخروج إلى الشارع جاء بدافع اليأس من الحلول، وهو ليس حلّاً. كما أن الخضوع أمام سلطة عابثة ومستهترة بتضحيات السوريين طوال السنوات الماضية ليس هو الحلّ. ما يحتاجه السوريون البرامج الوطنية التي تتبنّاها نخب سياسية جديدة تتجاوز ما هو طائفي وإثني، وتقدّم للسوريين مشروعاً وطنياً في مواجهة مشروع السلطة الطائفي، والمشاريع الطرفية كلّها المُستنسَخة منه.
العربي الجديد