عن الكتابة وغضب النساء  وداد نبي صفة ثالثة

img

 

الشاعرة الإغريقية سافو.. كتبت قصائدها عن الحبّ والرغب
في أثناء نقاش بيني وبين صديقة شاعرة ألمانية، حول العنصريّة وتلقي القارئ الألماني للأدب الذي نكتبه، نحن القادمون من سورية والشرق الأوسط عمومًا، على أنه أدب مكتوب من قبل لاجئين أو كتاب من العالم الثالث لا أدباء وشعراء وفنانين وحسب، قالت لي: إن العنصرية المتعلقة بهذه النقطة هي نوعان، النوع الأول واضح ولا يسبب القلق فهو يرفض كلّ ما يأتي من الآخر/الغريب، والنوع الثاني متخفٍ، يحتفي بالأدب الذي نكتبه لكنه يختزل من قيمة كاتبه بتصنيفه باللاجئ الذي يكتب أدبًا. هذا الاختزال أكثر سوءًا من العنصرية الفجّة، حيث يختزلك الناس مسقطين عنك هويتك وإبداعك وتعبك وجهدك، تاركين لك صفة اللجوء التي لا علاقة مباشرةً لها بتقدمك.

تعاني النساء بشدة من هذا الاختزال وأشكاله في كلّ العالم، خاصة الكاتبات، فحين تكتب شاعرة قصيدة إيروتيكية، يتم اختزالها لعاهرة، وإذا نجحت في الكتابة وباتت معروفة وكُتِبَ عنها ونالت الجوائز، يتمُّ اختزال نجاحها بأنها الشقراء أو الجميلة أو التي نامت مع محرر ومنظم المهرجان واللجنة التحكيمية، وهذا ما لا يحدث مثلًا مع الرجال الذين يكتبون، فلم نسمع يومًا أن الكاتب الفلاني ناجح أو حاز على جائزة ما لأن هناك محررة أو ناشرة أو صحافية تدعمه وتكتب المقالات والمديح عن أعماله، فالكاتب الرجل ناجح بالفطرة، أما المرأة فيجب أن تبذل أضعافًا مضاعفة من الجهد والتعب لتثبت للقرّاء والوسط الثقافي الذكوري أنها تستحق هذا النجاح وليست متسلقة وحسب.
هذه النظرة المختزلة والقاصرة ليست وليدة اليوم بل هي قديمة، ففي القرن السابع قبل الميلاد مثلًا كتبت الشاعرة الإغريقية سافو قصائدها عن الحبّ والرغبة، وعن الاحتفاء بالحياة والجمال، بطريقة لمّا يألفها المجتمع اليوناني في ذلك الزمن، فحاربتها العقلية البطريركية هي وشعرها لقرون طويلة وتم تشويه كلّ ما له صلة بسافو بحيث لم يبق من كتبها التسعة سوى القليل من القصائد، بعد أن أمرت الكنيسة عام 1073 بحرق قصائدها.
رغم ذلك وصلتنا بعض قصائدها، التي اكتشفت عام 1900 في مصر، حيث أننا وبعد مرور حوالي 2500 عام نتذكر اسم سافو، دون أن يُذكَر اسم شخص واحد من الذين هاجموها. وربما هذا المقطع من قصيدتها يصلح نبوءة لاختصار الحكاية:

برغم أنهن محض أنفاس وحسب

لكن الكلمات التي أمتلكها خالدة.

لكن ما حدث مع سافو من محاولات لطمس معالم شعرها وحضورها لم يكن عملًا يحدث لمرة واحدة فقط ومع امرأة واحدة إنما شكّل عقلية مجتمعية استمرت بالتوالد واضطهاد النساء من الشرق للغرب على مرّ العصور، كحرق الساحرات في القرون الوسطى، وهكذا دفعت النساء في كلّ زمن أثمانًا قاسية لتفردهن وتمردهنَّ على قواعد وقوانين اللعبة الذكورية، وعلى ضوء ذلك يتم في كثير من الأحيان  تقسيم النساء لنوعين: “الكاتبة والفنانة العاهرة” التي يلجؤون لحضنها ويستمتعون بحريتها وغوايتها، والفاضلة التي ينبغي أن تكون الأمّ والزوجة والأخت والعاملة، لذلك كان إصرار المرأة الدائم على محاولة كسر النمطية والدور المرسوم لها، محاولةٌ لأن تكون هي نفسها، بكلّ ما هي عليه، كما هو الرجل بكل ما هو عليه، دون طهرانية مزيفة، فنحن في النهاية بشر معجونون بالحب كما بالكره، بالغضب كما بالهدوء، بالغواية كما بالفضيلة.
ولذا كانت الحرب طويلة حتى يتم الاعتراف بهذا الجانب المركب للمرأة، خاضت خلالها النساء الكاتبات والمثقفات والعالمات القارئات تحديدًا معارك لا حصر لها، ليثبتن أن لديهن الموهبة كما الرجل دون مواربات أو تحايل على وضعهن كنساء. ويمكننا هنا ذكر ميليفا ماريك، زوجة أينشتاين الأولى، كنموذج الضحية لهذا الاختزال السطحي، فإلى يومنا يهاجم الفكر الذكوري العنيف صورها برفقة زوجها والمنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي ويتهمها الكثيرون بالقبح ما منح زوجها الأحقية في طلب الطلاق منها والزواج من امرأة ثانية!
عقول غارقة في العفونة، تسطحُ البشر كما الأشياء، فلو بحثوا قليلًا عن اسم هذه المرأة لكانوا قرأوا عن مشاركتها ومساعدتها أينشتاين في أبحاثه الأولى فيما فقدت مشروعها الخاص بعد أن تخلى عنها مع طفل مريض، وحيدة في مجتمع بطريركي، عنيف، تافه.
منذ أيام كتب روائي سوري على صفحته على الفيسبوك بانزعاج معبرًا (عن انزلاق نقّاد كبار إلى الكتابة عن نصوص طريّة لكاتبات خصوصًا، أملًا بطراوة متوهمة خارج النص). كان يمكن الاتفاق معه فيما يخصّ رغبته بوجود عملية نقدية لو أنه لم يستخدم كلمة الطراوة بمدلولها الجنسي المبتذل، الذي وضح رغبته بالانتقاص من الكاتبات تحديدًا.

أعادني كلامه إلى عام صدور ديواني “الموت كما لو كان خردة”، حيث كُتِبت عنه عدة مقالات، فسألني صديق مقرب يعمل في الحقل الثقافي ضاحكًا: “هل تدفعين لهم ليكتبوا كل هذه المقالات عن كتابك؟”.. بدا السؤال مضحكًا ووجدت نفسي أبرّر له، وأني لا أعرف الصحافيين الذين كتبوا المقالات معرفة شخصية، دافعت عن ذلك وكأنني متهمة حقًا ووجب عليّ الدفاع عن كتاباتي ونفسي أمام صديق دون أن أعلم أن هذا التساؤل يطفو غالبًا حين تكون الكتابة عن النتاج الأدبي لامرأة وليس لرجل.

يطغى هذا الضجيج على صوت الشعر في أحيانٍ كثيرة، الشعر الذي تكتبه النساء كما الرجال تمامًا بذات الألم والإبداع، لأنهن بحاجة للكتابة، فالقسوة والعنف يجففان الماء في المزهرية والبئر والقلب كذلك، لأن الكتابة لا تعرف التصنيف والمراوغات والحسابات.

لكن إن كانت النساء اخترن الصمت لقرون طويلة، فإنهن اليوم كما لو أن كؤوسهن امتلأت حتى الحواف، يظهر كغضب كبير على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، غضبٌ له وجهٌ وعينان وفمٌّ ودموع، غضبٌ يستند على إرث قديم ومتوارث من حكايات الجدات والأمهات والصديقات والأخوات عن أجساد مشوهة ومزرقّة من الضرب والقسوة، عن تهميش متقصد لكل امرأة تحاول الحياة خارج الدور المعدّ لها سلفًا ولكلّ من ستأتي بعدها من النساء، هذا الغضب هو الذي عبّرت عنه مؤخرًا الشاعرة السورية مناهل السهوي: ما يحصل هو لأننا غاضبات منذ سنين، ولأنك كلما شددت الحبل سينقطع في النهاية، لأننا تعبنا من سماع قصص الاضطهاد والظلم والتعنيف من جاراتنا وصديقاتنا، لأننا تعبنا من كوننا خائفات من رأي البعض ومن أحاديثهم عنا من خلف ظهورنا عن شكلنا ومظهرنا وشكل حياتنا التي لا تروق لهم أو العكس، لأننا تعبنا من السكوت عن كلّ أشكال التحرش المقززة من مثقفين يتغزلون بالنساء وأجسادهن أمام الجمهور ويقومون بضربهن في عقولهم وفي منازلهم، ما يحصل اليوم أن النساء غاضبات ولا شيء، لا شيء على الإطلاق يمكن أن يقلل من قيمة هذا الغضب والأحقية في انتزاع ولو جزء من حقوقهن، مهما سيحصل في النهاية، ما يجري اليوم هو خطوة صغيرة في انتزاع حقوقنا بأسناننا، بالغضب أو الصراخ أو الفضح أو المنطق أو السخرية، كلها طرق مشروعة ومن حق كل امرأة وفتاة أن تعبّر عن غضبها بالطريقة التي تناسبها.

*كاتبة كردية سورية مقيمة في برلين.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة