يندرج الجدل ضمن تغييرات أوسع في “سوريا الجديدة”، تشمل إعادة ترتيب الرموز لتعكس الثورة ورفض الحقبة السابقة، مع نقاشات حول الحفاظ على بعض الآثار كشواهد تاريخية.
دمشق– أثارت مطالبات بنقل ضريح الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الذي دفن في 2013 بجانب قبر السلطان صلاح الدين الأيوبي داخل ساحة الجامع الأموي بدمشق، إلى مقبرة عائلية جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي في سوريا.
ووصف ناشطون ومعارضون سوريون وجود الضريح في هذا الموقع التاريخي بأنه “إهانة رمزية مزدوجة” لصلاح الدين، الذي يُعتبر رمزاً للفتوحات الإسلامية، معتبرين أن البوطي، الذي كان يُنظر إليه كداعم لنظام الرئيس السابق بشار الأسد، يمثل “امتداداً رمزياً للحقبة التي منحها غطاءً دينياً وأخلاقياً خلال سنوات المجازر”.
وقتل البوطي في مارس 2013، عن عمر 83 سنة، في تفجير وقع في مسجد الإيمان بحي المزرعة في شمال دمشق.
وأحيطت بحادثة مقتل البوطي نظريات كثيرة. ومن التّحليلات التي تكاثرت لإثبات أنّ النّظام هو من قام بعمليّة الاغتيال؛ التّصوير الذي تمّ تسريبُه من كاميرا المسجد للتّفجير، والذي يظهر فيه البوطي وقد سوّى جلسته بعد التّفجير وعدّل عمامته بيديه، ووصل إليه أحد الأشخاص، وفور انصرافه عنه ظهر والدّم ينضح من فمه، فتمّ اعتبار هذا دليلًا على أنّ الرّجل قد أطلق الرّصاص بشكل مباشر على فم الدّكتور البوطي وقتله.
وهناك تحليلٌ ثانٍ يستندٌ في اتّهامه لنظام الأسد على قدرة المنفّذ على الوصول إلى المسجد الواقع في منطقة المزرعة، وهي منطقة أمنيّة في قلب دمشق، فكيفَ يتسنّى للمنفّذ الوصول بكلّ هذا اليُسر لو لم يكن من النّظام؟
والحقيقة أنّ مسجد الإيمان كان منطقة أمنيّة رخوة يستطيع عامة النّاس الوصول إليه دون كثير عناء في ذلك الوقت، كما أنّه لم يكن هناك تفتيش أمنيّ عند أبوابه للدّاخلين.
من جانبه قال الباحث المتخصّص في الحركات الجهاديّة حسام جزماتي إنه “في مارس 2013، بعد سنتين على اشتعال ‘الفتنة’ التي فرّغ البوطي وقته وجهده وعلمه لمحاربتها، وقارن الجيش الذي يقمعها بصحابة الرّسول؛ ضاقت أبرز الحركات الجهادية على السّاحة السّورية وقتها “جبهة النصرة” ذرعًا بتصريحاته المستفحلة. وجودَ شرعيّين وأمنيّين على رأسِ مناطق دمشق من العراقيّين الذين تمرّسوا في “ثقافة المفخّخات” و”الاستشهاديّين” كان له دورٌ كبيرٌ في التّوجّه إلى قرار اغتيال البوطي..”.
وطوى اغتيال البوطي صفحةُ أحد أهمّ الأعلام الشرعيّين في سوريا، وكان محيّرَ العقول بمواقفه، وموضع الجدل الأكبر في حياته وطريقة موته وحتى بعد وفاته على حدٍّ سواء، وما بين “شهيد المحراب” و”عمامة السّلطان” يبقى البوطي في الوسط الشرعي والشّعبي محور نقاشات واسعة.
وكتب رضوان زيادة، مدير مركز دمشق للدراسات الاستراتيجية “صدمت البارحة عند زيارة ضريح صلاح الدين الأيوبي بالقرب من الجامع الأموي أن الأسد امتلك الجرأة للعبث بهذا الضريح التاريخي الذي هو ملك الأمة الإسلامية جمعاء”:
وأشار أستاذ اللغات السامية عبدالرحمن السليمان إلى دعمه للنقل، قائلاً “يرقد في المسجد الأموي أنبياء وسلاطين ولا يليق بمجرم أفتى للنظام الطائفي المجرم بقتل الشعب السوري – كما فعل البوطي – أن يُدفن فيه”:
في المقابل، عبر بعض المدافعين عن البوطي عن رفضهم لأي نقل، معتبرينه “اعتداءً على رمز الأمة”، كما في تغريدة الناشط عمر رحمون:
وبحسب مراقبين، يندرج الجدل في سياق تغييرات سياسية أوسع في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، حيث يطالب ناشطون بإعادة ترتيب الرموز التاريخية لتعكس “سوريا الجديدة”.
يصف ناشطون سوريون وجود ضريح البوطي، الذي كان يُتهم بدعم النظام ومنح غطاء ديني لقمعه، بجانب صلاح الدين – البطل الإسلامي الذي هزم الصليبيين – بأنه “إهانة رمزية مزدوجة”، يمثل امتداداً للحقبة الاستبدادية ومحاولة لربط رموز المقاومة التاريخية بولاء النظام.
ويُعيد مراقبون هذا الجدل إلى مفهوم “الذاكرة السياسية” أو “الذاكرة الجماعية”، التي تشمل كيفية حفظ المجتمع لرموزه التاريخية مقابل محو آثار الأنظمة المهزومة. ففي المراحل الانتقالية، يصبح نقل القبور أو إزالة التماثيل أداة لـ”التطهير الرمزي”، يهدف إلى إعادة كتابة التاريخ وتأكيد الهوية الجديدة.
وأشار ناشطون إلى أن دفن البوطي بجانب صلاح الدين كان قراراً سياسياً من النظام السابق لربط شرعيته برموز إسلامية تاريخية، مما يجعل النقل اليوم ضرورة لـ”تصحيح الذاكرة” وإنهاء “الإهانة المزدوجة” للبطل الأيوبي ولضحايا النظام.
العرب اللندنية