عزت البغدادي…
دفاتر التحول – 8
حين تغيب الدولة بوصفها إطارًا جامعًا، لا يغيب التنظيم. ما يغيب هو المعنى السياسي للشرعية. في سوريا اليوم، يتكثّف هذا الغياب في العلاقة بين قوى أمر واقع ناضجة – مثل قسد – وسلطة انتقالية في دمشق لم تستكمل بعد شروط السيادة أو القدرة على الحكم. ما يجري بين الطرفين ليس صراعًا على الدولة، ولا شراكة في بنائها، بل إدارة دقيقة لمسافة رمادية: مسافة تسمح باستمرار الواقع القائم دون انفجاره.
في هذا الفراغ، يظهر التنسيق بوصفه اللغة المشتركة الممكنة. تنسيق أمني هنا، تفاهم خدمي هناك، قنوات اتصال غير مُعلنة، وحدود اشتباك مضبوطة. هذا التنسيق لا يعني اندماجًا، ولا اعترافًا سياسيًا متبادلًا، بل تفادي الاصطدام في لحظة لا يحتمل فيها أي طرف كلفة الانفجار. لكنه، في الوقت نفسه، لا ينتج نظامًا، ولا يفتح أفقًا للدولة، بل يجمّد الصراع في صيغة قابلة للإدارة.
التمييز بين التنسيق والإطار هنا حاسم. التنسيق هو فعل اضطراري قصير النفس، بينما الإطار هو ما يحدّد وظيفة كل طرف وحدودها ونهايتها. المشكلة أن الوسطاء الدوليين—المنهكين من فشل مشاريع الانتقال يميلون إلى الاكتفاء بالتنسيق، لأنهم لا يجدون أمامهم سوى قوى أمر واقع “جاهزة للتعاقد”. هذه القوى لم تنضج سياسيًا، بل اكتسبت نضجها من اقتصاد الحرب: السيطرة، الجباية، إدارة الموارد، وضبط العنف. في المقابل، لا تظهر حركات اجتماعية قادرة على فرض مسار بديل، لأن الحرب لم تنتهِ بما يكفي لولادة سياسة، ولم تستمر بما يكفي لحسمها. وكما يُقال: آلهة الحرب لا تعرف السلام، لكنها تمنع ولادته أيضًا.
في هذا السياق، تُفهم العلاقة بين قسد ودمشق بوصفها علاقة استمرارية لا انتقال. لا تسعى قسد إلى تسليم وظائفها لدولة لم تتشكّل، ولا تملك دمشق القدرة__ ولا ربما الرغبة___ في تفكيك بنية أثبتت قدرتها التشغيلية بدون دولة. النتيجة هي شرعنة صامتة للهياكل: ليست شرعنة سيادية، ولا اعترافًا دستوريًا، بل قبولًا عمليًا بدورها طالما أنها تمنع الأسوأ.
لكن الشرعنة، حتى حين تكون صامتة، خطِرة إن لم تُضبط. كل دور غير مشروط يتحوّل إلى امتياز، وكل امتياز طويل الأمد يتحوّل إلى سلطة. هنا يصبح غياب الإطار أكثر كلفة من غياب الدولة. فالهياكل تتصلّب لأنها لا ترى نهاية لدورها، والمجتمع يتآكل لأنه لا يملك أدوات مساءلة، ولا أفقًا يتجاوز إدارة يومه.
الإطار المطلوب في هذه العلاقة ليس عقدًا سياسيًا شاملًا، ولا مشروع دمج فوري، بل سُلّم معايير: ما الذي يُسمح لقسد بإدارته؟ ما الذي يجب أن يبقى مؤقتًا؟ أين يُفصل السلاح عن الخدمة؟ كيف تُدار الموارد بشفافية؟ وكيف تُفتح قنوات مراجعة مجتمعية ___ حتى لو كانت محدودة___ تكسر منطق الأمر الواقع المغلق؟ هذه المعايير لا تبني دولة، لكنها تمنع تحوّل الترتيبات إلى قدر دائم.
العلاقة بين هذا الإطار والسلطة الانتقالية في دمشق ليست علاقة ولاء، بل علاقة توقيت. الإطار لا ينافس الدولة المؤجَّلة، بل يحمي شروط إمكانها المستقبلية. وكلما كان الإطار أوضح وأكثر تواضعًا في ادعاءاته، كان دمجه لاحقًا أسهل حين تتغيّر الموازين الإقليمية والدولية. الغموض، خلافًا لما يُظن، لا يحمي الانتقال، بل يكرّس الانقسام.
الأخطر أن استمرار التنسيق دون إطار يُنتج وهمًا مزدوجًا: وهم الاستقرار لدى الخارج، ووهم السيطرة لدى الداخل. كلاهما مؤقت. وحده الانتقال من التنسيق إلى الإطار—من إدارة الخوف إلى تنظيم الضرورة—يمكنه أن يمنع استهلاك فكرة الدولة قبل أن تولد، حتى لو بقيت مؤجَّلة.
هذه الدفاتر لا تقدّم وصفة جاهزة، بل تحاول تسمية ما يجري بدقّة: لسنا في مسار بناء دولة، ولا في لحظة حسم. نحن في مرحلة إدارة أمر واقع مُشرعن وظيفيًا، والسؤال ليس كيف نُجمّله، بل كيف نضع له حدودًا قبل أن يتحوّل إلى نظام كامل بلا دولة.