شكل سقوط الأسد المتسارع في الثامن من ديسمبر 2024 صدمة سياسية في أوساط السوريين، خاصة في الساحل السوري، حيث بدا لهم المشهد ضبابياً حول مصيرهم بعد هروب الأسد ونظامه إلى موسكو، وتركهم يلقون مصيراً متعدد الخيارات مع “هيئة تحرير الشام”، والتي يحمل بعضهم فيها معتقدات ضد العلويين، ويعتبرونهم محركاً رئيسياً للنظام، إلا أن تحول “الهيئة” للعمل السياسي جنبها الدخول في هذه السيناريوهات نسبياً، عبر الانتقال لاستلام زمام الإدارة في البلاد.
تحول الساحل السوري بعد عام من سقوط النظام إلى نقطة تجاذب دولية بين الأطراف الفاعلة، حيث شهد العام الماضي سلسلة أحداث سياسية، واشتباكات عسكرية، ومحاولات متكررة لتقويض السلطة في دمشق، مدعومة من قبل أطراف إقليمية، لم تكن قادرة على استيعاب التغير الجديد في المنطقة، إضافة إلى وجود العديد من الأطراف الداخلية التي رأت فراغاً داخلياً يشتت أهالي الساحل في كلمتهم وموقفهم، استغله رجالات الأعمال، في محاولة لإنشاء كيانات وزعامات دينية في المنطقة، إلا أن ذلك لم يكن بقدر ما خُطط له نظراً لحالة الخوف والفقر الشديدين عند العلويين، خاصة بعد أحداث السادس من آذار / مارس 2025، عندما شنت عناصر من فلول النظام المخلوع هجوماً واسع النطاق على مواقع حكومية في طرطوس واللاذقية، وأعلنت الحكومة بعد أيام من الهجوم، استعادة ضبط الأمن في المناطق المستهدفة، وفتحت تحقيقاً في مقتل مئات المدنيين والعسكريين، لتحديد المسؤولين ومحاكمتهم.
واقع اجتماعي
تحول الساحل السوري بعد عام من سقوط النظام إلى مجتمع منهك ومتهم في كل تصرفاته، إذ لم تكن المؤسسات الإدارية الحكومية على قدر عال من الاحترافية في تعاملها مع أبناء الساحل، إذ تعرض قسم كبير منهم للإقصاء، والتهميش، والفصل من وظائفهم، إضافة إلى سحب صلاحياتهم من كافة مؤسسات الدولة، على أساس طائفي لا إداري، إلا أن ذلك كان مختلفاً بين مؤسسة إلى أخرى، وعليه شكلت قضية فصل الموظفين من المؤسسات الحكومية النواة الأولى لحالة الاحتقان الاجتماعي.
تطورت تلك الحالات إلى استهداف طائفي ارتكبه عدد من المتطرفين تجاه الأهالي، في استغلال واضح للفراغ الأمني الكبير والحالة الحكومية الجديدة، عدا عن استباحة البيوت في القرى، وسرقة الممتلكات، حيث تدخلت القوات الأمنية ولو بشكل متأخر لإيقاف مثل هكذا ظواهر.
إضافة إلى ذلك ارتفعت نسبة البطالة بشكل كبير بين الشباب الذين كانوا في معظمهم امتهنوا الجيش وظيفة لهم، ما جعلهم عرضة للتجنيد الخارجي بسبب الظروف الاقتصادية، والالتحاق في ركب الفلول، أو الانضمام إلى القوات العسكرية المقاتلة في شمال شرق الفرات، أو محافظة السويداء.
زعامة علوية
بدأت الحكومة السورية تعي المخاطر الاجتماعية للاحتقان الطائفي، وأنشأت لذلك لجنة “السلم الأهلي” لنقل مطالب الساحل للسلطات، خاصة بعد أحداث آذار، ويتولى عليها بشكل رئيسي أحد الاسماء البارزة والمقربة من الرئيس الشرع وهو خالد الأحمد، ومعه “فادي صقر” الاسم الأبرز في قيادة الدفاع الوطني بعهد النظام السابق، فيما برز من خارجياً رجل الأعمال رامي مخلوف وذراعه العسكرية “سهيل الحسن”، وظهر تكتل خاص تحت اسم “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” بزعامة الشيخ غزال غزال، وسط محاولات يائسة ومحاولات من رئيس الاستخبارات العسكرية السابق في النظام كمال حسن، ومعه رجل الأعمال أبو علي خضر تشكيل تكتل إضافي، وجميعها تيارات متصارعة فيما بيها تسعى للسيطرة على الشارع بعد فراغ اجتماعي وسياسي، أحدثه سقوط النظام، حيث لم يكن في الساحل من يجمع كلمتهم على اعتبار أنه الأسد هو مرجعيتهم العليا سابقاً.
شكلت هذه الزعامات نفوراً شعبياً تجاه العديد من الشخصيات التي ارتبط اسمها بجرائم النظام، كما كشفت التسريبات الصحفية اتصالاتهم مع إسرائيل، وقابليتهم تنفيذ أي مخطط مقابل الزعامة، إضافة إلى أن الشارع لم يلمس أي تغير ملحوظ تجاه تحقيق مطالبه الاجتماعية، وعليه بدأ للشيخ غزال غزال الثقل الأكبر نسبياً بتوجيه الشارع وحشده تجاه المطالب الفيدرالية، والتي لاقت انقساماً عليها في الساحل السوري.
مسار حكومي
تُظهر الاحتجاجات الأخيرة خللاً في التعامل الحكومي، وعليه يرجح أحد الاحتمالين، الأول عدم قدرة لجنة السلم الأهلي المحسوبة على الحكومة ملامسة الواقع الاجتماعي، والثاني متعلق بأن الحكومة لا تعطي للجنة أي اعتبار، وفي الحالتين الأمر خطير على المستوى الداخلي، إذ يشكل احتواء المحافظات الساحلية في سوريا نقطة رئيسية لاستقرار المنطقة وتقليل بؤر التوتر، والتي تتطلب اسعافات فورية متعلقة بإعادة عدد كبير من الموظفين إلى دوائرهم، وتوازنهم في المؤسسات الحكومية على مبدأ الكفاءة لا الطائفة أو الولاء.
كما يظهر أن الرئيس الشرع بدأ العمل على احتواء المشاكل في الساحل عبر اجتماعه مع وجهائهم والأعيان في الـ 14 كانون الأول / ديسمبر، مستمعاً إلى مطالبهم الأمنية، والسياسية، والاجتماعية، مطمئناً لهم بحزمة من القرارات ذات الصلة، إذ تشير مصادر سياسية مقربة أن الحكومة السورية بدأت تناقش خطوات فعلية وجادة في سبيل احتواء الأزمة، إلا أن ذلك لم يلق -حتى اللحظة- خطوات حقيقية على الأرض في وقت تتصاعد فيه دعوات “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” لتصعيد المواقف الشعبية في الساحل السوري.