افتتاحية
تدخل سوريا، ولا سيما مناطق الإدارة الذاتية شرق الفرات، طورًا حاسمًا لم يعد فيه الصراع قابلًا للقراءة من منظور عسكري أو أمني ضيّق، بل بات يُختبر بوصفه أزمة حوكمة عميقة تتقاطع فيها أسئلة الشرعية، والتمثيل، والعقد الاجتماعي. ففي سياق ما بعد الحرب، لم تعد السيطرة على الأرض معيارًا كافيًا للاستمرار، بقدر ما باتت القدرة على إنتاج قبول اجتماعي مستدام هي المحدِّد الفعلي لبقاء أي مشروع سياسي.
ضمن هذا الإطار، تواجه تجربة قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية إشكاليات بنيوية تتصل بطبيعة النموذج الحاكم ذاته: إلى أي مدى استطاع الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة المجتمع؟ وإلى أي حد نجح في تحويل البنية العسكرية التحالفية إلى إطار حوكمة مدنية قادرة على استيعاب التعدد القومي والاجتماعي دون اختزاله في تمثيل شكلي أو خطاب جامع غير مُنتج؟
تُظهر التجربة، حتى الآن، فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الذي يستند إلى مفاهيم الديمقراطية التشاركية واللامركزية، وبين الممارسة الفعلية التي ما زالت أسيرة الاعتبارات الأمنية وضرورات الضبط. هذه الفجوة لا تُضعف فقط الثقة المجتمعية، بل تعيق تشكّل عقد اجتماعي حقيقي قائم على المشاركة، والمساءلة، وتكافؤ الفرص بين المكونات الكردية والعربية وغيرها.
كما يطرح الاعتماد طويل الأمد على الفاعلين الخارجيين معضلة إضافية تتعلق بهشاشة الشرعية السياسية، إذ إن المشاريع التي تُبنى على توازنات دولية متغيرة تظل معرضة للاهتزاز كلما تغيّرت أولويات الرعاة. وفي غياب قاعدة داخلية متماسكة، تتحول الحوكمة إلى إدارة أزمة مؤقتة بدل أن تكون مسارًا لبناء مؤسسات قادرة على الصمود.
إن السؤال الجوهري المطروح اليوم في شرق الفرات لا يتمحور حول من يملك القوة، بل حول من يملك القدرة على إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. فإما أن تنجح الإدارة الذاتية في إنتاج عقد اجتماعي جديد، يُعيد توزيع السلطة والموارد على أسس سياسية جامعة، أو أن تبقى عالقة في موقع سلطة الأمر الواقع، بما يحمله ذلك من مخاطر فقدان الشرعية وتفكك المشروع على المدى المتوسط.
وفي هذا المعنى، لا يمكن قراءة ما يجري في شرق الفرات بمعزل عن الأزمة السورية الأوسع، حيث يتقاطع فشل الدولة المركزية مع تعثّر البدائل المحلية في إنتاج نموذج حكم قابل للحياة. وهو تقاطع يضع مستقبل سوريا برمّته أمام سؤال مفتوح: كيف يمكن إعادة بناء الشرعية في بلد استُنزفت فيه السياسة لصالح العنف؟