سامر العاني
في ظل الحديث المتصاعدة حول قرب اندلاع معركة عسكرية في منطقة دير حافر بين القوات الحكومية السورية وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تشهد منطقة دير الزور تحشيداً عسكرياً مكثفاً على طول سرير نهر الفرات، ما أثار حول أنّه إذا كانت المعركة المنتظرة في دير حافر، فلماذا التعزيزات في دير الزور؟
يبرز هذا السؤال في ظل عدم وضوح في الوضع الميداني، يترافق مع تحركات لقوّات الجيش العربي السوري على الأرض، ومعلومات مقتضبة من مصادر عسكرية، ممّا يتطلّب فحصا دقيقا للوقائع والتحركات، والدوافع المحتملة وراء هذه التحشيدات.
دير حافر ودير الزور في بؤرة التوتر
منذ أسابيع، تصدرت منطقة دير حافر في ريف حلب الشرقي عناوين التحليلات العسكرية بعد تكرار الحديث عن احتمال شنّ عملية عسكرية كبيرة بين الجيش العربي السوري وقسد، وتُعد دير حافر موقعاً استراتيجياً على الطريق الدولي M4 الذي يربط حلب بشرق سوريا، وهو ما يجعل السيطرة عليه ذات قيمة لوجستية وعسكرية كبيرة لأي طرف.
في المقابل، ظهرت تحركات لافتة في دير الزور، خصوصاً على امتداد ضفتي نهر الفرات، حيث تم رصد تعزيزات عسكرية للفرقتين 66 و86 التابعة لقوّات الجيش السوري، وهو ما حوّل التركيز الإعلامي والعسكري من دير حافر إلى دير الزور.
يقول مصدر عسكري في الجيش السوري، لموقع تلفزيون سوريا، إن تعليمات رُفعت إلى الوحدات العسكرية في دير الزور برفع مستوى الجاهزية، مشيراً إلى أن هذا التحشيد لا يقتصر على تحريك آليات أو تشكيلات قتالية، بل يشمل أيضاً تعزيز خطوط الاتصال، والإمداد، والتنسيق بين الوحدات المختلفة على الأرض.
المصدر نفسه أكد أنهم تلقوا تعليمات بالتعامل مع أي تحصينات جديدة تقوم قسد بإنشائها على سرير نهر الفرات بـ”السلاح المناسب”، مع التأكيد على عدم إلحاق أذى بالمدنيين، في إشارة واضحة إلى حرص القيادة العسكرية -كما قال المصدر- على تفادي وقوع خسائر بشرية بين المدنيين.
وأضاف أن قسد استبدلت مؤخراً العناصر الموجودة في نقاط عدة على سرير النهر بمقاتلين جُلبوا من خارج دير الزور، ما يشير إلى أنّها خطوة تصعيدية تستدعي رداً لأي تحصين جديد.
لماذا في دير الزور وليس في دير حافر فقط؟
لتفسير التحشيد في دير الزور، لا بد من فهم أهميته الاستراتيجية، حيث أنّ نهر الفرات يشكّل محوراً مهمّا في شرق سوريا، والسيطرة على ضفتيه تمنح أي طرف قدرة على تأمين طرق الإمداد، وتحركات القوات، ومناطق النفوذ، ومن زاوية عسكرية، فإن أي نية لشنّ هجوم كبير في دير حافر من الممكن أن تتطلب تأمين خطوط إمداد إضافية من الشرق، ما يجعل دير الزور قاعدة خلفية مهمة.
يقول المحلل العسكري حاتم العبيد، إنّ استبدال قسد لعناصرها في مواقع عدة، وإحضار مقاتلين من خارج دير الزور، إلى أنّه يهدف إلى تعزيز الدفاعات حول مواقع حساسة على نهر الفرات، مضيفا أنّ مثل هذه التحركات عادة ما تفسّر بكونها محاولة للاستعداد لرد محتمل على أي عملية يقودها الطرف المقابل، أو كتحصين لمواضع إستراتيجية مهمة.
ويضيف العبيد، إذا كانت الحكومة السورية تخطّط لتحرك شامل نحو دير حافر، فمن المرجّح أن يشمل ذلك عمليات متزامنة في مناطق أخرى لتأمين المسرح العملياتي بشكل كامل، وبالتالي فإن وجود تعزيزات في دير الزور يمكن أن يكون جزءاً من خطة أوسع لتأمين محاور متعددة قد تشمل، حماية خطوط الإمداد، والضغط على مواقع قسد في أكثر من اتجاه، وضمان عدم ترك مناطق خلفية دون رقابة في حال اندلاع المواجهات الرئيسية في دير حافر.
تداعيات الأشرفيّة والشيخ مقصود
من المتوقّع أن تطرأ تغييرات كبيرة جداً، تندرج جميعها تحت عنوان تداعيات ما حصل في الشيخ مقصود والأشرفية، وستتأثّر الكثير من المناطق بسلوك قسد الذي ظهر خلال هذه المعارك، وهذا السلوك وجّه رسائل صريحة إلى مختلف الأطراف، قد تدفعها إلى تغيير مقارباتها في التعامل مع قسد، سواء كانت قوى محلية في دير الزور والرقة، أو الحكومة السورية، أو حتى البعد العشائري والمكوّنات الاجتماعية.
يقول الباحث وائل علوان، لموقع تلفزيون سوريا إنّ ما حصل في الشيخ مقصود والأشرفية هو أنّ قسد هي من بدأ بالاستفزاز والضغط والاعتداء، وذهبت بعيداً في الإفراط باستخدام القوة ضد المدنيين، وفي تهديد السلم الأهلي وحياة المدنيين، ثم لجأت بعد ذلك إلى التبجّح بشعارات المقاومة والثبات والصمود، لكنها سقطت خلال يومين أو ثلاثة أيام من المعركة، ولم تستطع أن تقدّم أي إنجاز يُذكر، لا على المستوى الإعلامي، ولا على المستوى الأمني والعسكري، فضلاً عن إخفاق كبير جداً على المستوى السياسي، حيث لم تقبل حتى بخروجٍ مقبول نسبياً لمقاتليها من الشيخ مقصود والأشرفية.
وهذا المشهد بحسب علوان، ستكون له انعكاسات كبيرة جداً على كامل الخريطة السورية، وعلى تموضع قسد داخلياً وخارجياً، مضيفا أنّ الثقة بقسد أصبحت مهزوزة بشكل واضح، سواء على المستوى السياسي ومستوى حكمة القرار، أو على المستوى الأمني والعسكري، وكذلك على مستوى التماسك الداخلي، وهذا الأمر ينعكس على جميع المناطق التي تسيطر عليها.
ويرى علوان أنّ ما بعد قسد في الشيخ مقصود والأشرفية هو قسد في دير حافر، وسد تشرين، ومسكنة، وكل المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، وهذا الواقع، إلى جانب موقف قسد غير المرن والمتشبّث، سيؤدي إلى مزيد من تدهور سمعتها على امتداد الخريطة السورية.
ويختم أنّ هناك حراك محلي، وهناك قدرة كبيرة جداً على الضغط من قبل الحكومة السورية على مناطق أخرى، أبرزها الرقة ودير الزور، إضافة إلى منطقة عين العرب التابعة إدارياً لمحافظة حلب، وهذه المناطق ستكون أيضاً محاور ضغط مستمر، وستشهد تحركات على المستوى المحلي، نتيجة عجز «قسد» عن إدارة موقف يتيح لها بناء قدر من الثقة داخل المناطق التي تسيطر عليها.
في المحصلة، يبدو أن التحشيد العسكري في دير الزور، بالتوازي مع قرب اندلاع معركة في دير حافر، يعكس توتّرا كبيرا وإعادة التموضع، فدير حافر تبقى هدفاً استراتيجياً، فيما تشكّل دير الزور عمقاً جغرافياً وعسكرياً لا يمكن تجاهله في أي سيناريو تصعيدي، وبين هاتين المنطقتين، تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية، ليبقى المشهد مفتوحاً على أكثر من احتمال، بانتظار ما ستكشفه التطورات الميدانية أو تفاهمات قد توقف المواجهة، أو تدفع بها إلى الواجهة.
موقع تلفزيون سوريا