لم تعد الاتفاقات بين «قوات سوريا الديمقراطية» والحكومة السورية حدثًا سياسيًا عابرًا، بل باتت مؤشرًا واضحًا على عمق الأزمة التي تعيشها منطقة شرق الفرات، وعلى طبيعة القوى التي تتحكم بمصيرها. فهذه التفاهمات، التي تُبرم بعيدًا عن أي نقاش عام أو تفويض شعبي، لا تنطلق من مشروع وطني سوري جامع، بقدر ما تعكس محاولات إعادة تموضع تفرضها ضغوط إقليمية وحسابات دولية متغيرة.
في قلب هذه المعادلة، يبرز الدور المحوري لحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي حوّل الوجود الكردي في سوريا من قضية حقوق ومواطنة إلى ورقة صراع إقليمي، مستخدمًا شرق الفرات منصة لتصفية حساباته المفتوحة مع تركيا. فمن خلال سيطرته الفعلية على القرار العسكري والسياسي داخل «قسد»، جرى ربط مصير منطقة كاملة بأجندة عابرة للحدود، لا ترى في سوريا سوى ساحة مؤقتة للمواجهة، لا وطنًا وشعبًا ومستقبلًا.
هذا النهج لم يجلب للكرد السوريين اعترافًا سياسيًا مستدامًا، ولا أمانًا حقيقيًا، بل زجّهم في دوامة من التصعيد الدائم، وجعل مناطقهم عرضة للتدخلات العسكرية، والعزلة الاقتصادية، والابتزاز السياسي. أما الاتفاقات مع دمشق، فهي في جوهرها ليست حلولًا، بل ترتيبات مؤقتة تهدف إلى حماية النفوذ القائم، لا إلى معالجة جذور الأزمة أو ضمان شراكة عادلة داخل الدولة السورية.
الأخطر أن هذه السياسات تكرّس واقعًا تُدار فيه المنطقة بعقلية أمنية مغلقة، فيما تُهمّش الأسئلة الجوهرية: من يملك القرار؟ من يمثل السكان؟ وما هو شكل العلاقة المستقبلية مع الدولة السورية؟ وبين سلطة مركزية تسعى لاستعادة السيطرة دون إصلاح، وقوى محلية مرتهنة لأجندات خارجية، يُترك المجتمع المحلي بلا أفق سياسي حقيقي.
وهنا، فإن الرأي العام الكردي في سوريا مدعوّ اليوم إلى وقفة مراجعة صادقة ومسؤولة. فالقضية الكردية لم تكن يومًا قضية حروب بالوكالة ولا صراعات إقليمية، بل قضية حقوق مشروعة، وكرامة، ومشاركة حقيقية في وطن واحد. وإن استمرار رهن القرار الكردي السوري بحزب العمال الكردستاني لا يحمي هذه الحقوق، بل يعرّضها للمخاطر، ويضع المجتمع الكردي في مواجهة دائمة مع محيطه السوري والإقليمي.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن عسكرة القرار واحتكاره من قبل قوى عابرة للحدود لم ينتج استقرارًا ولا مشروعًا قابلًا للحياة. وحده القرار الكردي السوري المستقل، المنفتح على بقية المكونات، والقائم على السياسة لا السلاح، قادر على حماية المكتسبات ومنع تحويل شرق الفرات إلى ساحة صراع تخدم أجندات الآخرين أكثر مما تخدم أبناءها.
إن أي اتفاقات لا تفك هذا الارتباط، ولا تعيد الاعتبار لإرادة السكان ومصالحهم الحقيقية، ستبقى مجرد هدنة هشة، تؤجل الانفجار ولا تمنع وقوعه.