من أحدث أعماله المنشورة، رواية مترجمة إلى الفرنسية تحمل عنوان “الذهاب إلى هافانا” (ميتاييه، 2026)، وقد ترجمها رينيه سوليس. وهذه الرواية ليست مجرد سرد بوليسي تقليدي، بل هي تجربة سردية تأملية ووقائعية، تجمع بين سرد المدينة وتاريخها الشخصي والجماعي، حيث لا تظل هافانا مجرد فضاء جغرافي، بل تتحوّل إلى شخصية حية لها أبعاد حضرية وسياسية وثقافية، تتقاطع فيها الأحداث اليومية مع الذكريات والتاريخ الجماعي، لتقدم قراءة نقدية اجتماعية دقيقة لماضي المدينة وحاضرها، وموقع الفرد داخلها.
المدينة كسجل حضري ومرآة للتاريخ
في هذه الرواية تتحول هافانا إلى كائن حي، يتجسد في الرواية بأبعاده المختلفة: من الأحياء الفقيرة والمتهالكة إلى المناطق المرفهة المرتبطة بالسياحة، ومن ذكريات طفولة بادورا إلى الواقع الراهن المليء بالتناقضات. هكذا يصبح المكان شخصية متحركة، تتفاعل مع الزمن وتعكس التطورات الاجتماعية والسياسية، مما يجعل النص أكثر من مجرد وصف للمدينة، بل تحقيقًا سرديًا في حضارة كاملة، في ذاكرة جماعية متشابكة مع حياة الفرد اليومية.
يستفيد بادورا من خبرته الطويلة في مدينة هافانا ليقدّم وصفًا دقيقًا لتفاصيل الحياة اليومية، من الشوارع المزدحمة، الأسواق المتهالكة، إلى البنايات المتهدّمة التي تعكس التحديات الاقتصادية والسياسية. ولكنه لا يقف عند حدود الرواية الواقعية؛ بل يدمجها مع تذكراته الشخصية وتاريخ المدينة السياسي، فيسبر أعماق العلاقة بين المدينة وسكانها. هذه الممارسة تجعل من الرواية نصًا تأمليًا حضريًا، يوازن بين الرؤية الجمالية للمدينة وبين النقد الاجتماعي والسياسي لماضيها وحاضرها، في إطار سردي يحافظ على ثقل الحدث وأصالة المكان.
من خلال هذا الإطار، يقدم بادورا مدينة متعددة الطبقات، حيث يظهر كل حي بمناخه الخاص وسماته الفردية، كما لو كانت كل زاوية تحمل ذاكرة مختلفة من ذاكرة المدينة. هذا الأسلوب يعكس معرفة عميقة بالمدينة، ويتيح للقارئ إمكان أن يعيش التجربة الكوبية بطريقة غير مسبوقة، عبر رؤية مركبة بين المكان والزمان، بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي. الرواية، بهذا المعنى، تحوّل القارئ من مجرد مراقب إلى شاهد على المدينة، يتلمس صخبها وهدوءها، جمالها وفسادها، ويشعر بالارتباط العاطفي والوجودي بها.
الحنين القاسي والنقد الاجتماعي والسياسي
تتميز الرواية بعمق النقد الاجتماعي والسياسي، إذ لا يقتصر النص على سرد الحياة اليومية أو تصوير المدينة فحسب، بل يقدم قراءة نقدية صارمة للواقع الكوبي المعاصر. يواجه بادورا القارئ بالحقائق الصعبة: التدهور الاقتصادي، الفوارق الطبقية، ضعف البنى التحتية، وغياب فرص الشباب في مواجهة المستقبل، كل ذلك في إطار سردي يجمع بين الحب العميق للمدينة والانتقاد الواقعي لما آلت إليه حالها.
أما الحنين الذي يحضر في الرواية فهو ليس حنينًا نوستالجيًا بحتًا، بل هو حنين قاسٍ يتوازى مع الواقع الاجتماعي والسياسي المؤلم. يوضح الكاتب كيف أن الثورة الكوبية التي رفعت آمالًا كبيرة لم تحقق الطموحات المرجوة للجميع، بل تركت أثرًا من الركود والتفاوت الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، يحافظ النص على توتر مستمر بين الحب للمدينة وما آلت إليه حالها، مما يعكس النزاع الداخلي بين تقدير الماضي وما تحقق من إنجازات وبين النقد الواقعي للمشكلات التي تواجهها المدينة اليوم.
من خلال هذا النقد، يتحوّل النص إلى مرآة لهوية المدينة وسكانها، ويطرح تساؤلات وجودية حول معنى البقاء في وطن يتداعى، وما إذا كان البقاء تعبيرًا عن ولاء للتاريخ أو مجرد مواجهة للواقع القاسي. هذا التوتر يجعل الرواية أكثر من مجرد سرد حضري، بل تحليل نفسي واجتماعي عميق لمدينة وشعب، يوضح كيف تتأثر الجماعات بتغيرات سياسية واقتصادية وكيف يمكن للذكريات والحنين أن تشكل صمود أو استسلام الفرد والجماعة.
عبر فصول الرواية، تُقدّم الشخصيات بشكل يجعلها حاملة للذاكرة الجماعية للمدينة، فتظهر التجارب الإنسانية اليومية، من الفقر والحرمان إلى البهجة البسيطة والمقاومة الروحية، كأنها سجل لمجتمع كامل يعيش تحت ضغط التحوّلات الاقتصادية والسياسية. وهذا ما يمنح الفضاء الروائي بعدًا عالميًا، إذ يمكن للقراء من خارج كوبا أن يشعروا بالتوازي بين تجربة هافانا وتجارب مدن أخرى عاشت تحولات اجتماعية وسياسية مشابهة، فيصبح النص رحلة إنسانية تجمع بين المحلي والعالمي، الفردي والجماعي.
المدينة كرمز للذاكرة والهوية
أما البعد الرمزي في الرواية، فيتجلى في تصوير هافانا ككيان يحمل ذاكرة المدينة وتاريخها وهويتها الثقافية. هافانا في نص بادورا ليست مجرد موقع جغرافي، بل حالة إنسانية ومجتمعية متشابكة، حيث تتداخل الأحداث التاريخية مع التجارب اليومية، وتتقاطع الحياة الفردية مع مصير المجتمع. هذه الرؤية تجعل من المدينة رمزًا للهوية والذاكرة المشتركة، وتعكس التحديات التي تواجه الإنسان حين يتصادم ماضيه مع واقع حاضره.
يطرح بادورا أسئلة فلسفية عميقة عن البقاء والانتماء: هل البقاء فعل ولاء للتاريخ؟ أم أنه تحدٍّ يومي للواقع القاسي؟ الرواية تستدعي القارئ ليقف أمام هذه الأسئلة ويقرأ المدينة ليس فقط كمكان مادي، بل كمجتمع حيّ، يتشكل عبر الذكريات والتجارب الإنسانية والجماعية. المدينة هنا تصبح نصًا أدبيًا وشخصية لها وعيها وتاريخها ووجودها، كما لو أن هافانا نفسها تحكي وتواجه أحداثها، وتدعو القارئ للتفاعل معها.
تجمع الرواية إذًا بين التوثيق الواقعي والسرد الشاعري، وتقدم رؤية متكاملة للمدينة من خلال شخصياتها، أزقتها، مبانيها، وذكرياتها. كل ذلك يجعل النص يفتح نافذة على فهم أعمق للهوية الكوبية، وفي الوقت نفسه، يتيح تأملًا عالميًا حول العلاقة بين الإنسان والمدن التي يسكنها، وبين الذاكرة الجماعية والواقع الراهن، وبين الحب والحنين والخيبة.
في الأخير، تمثل رواية “الذهاب إلى هافانا” خطوة جديدة في مسيرة ليوناردو بادورا الروائية، فهي عمل يمزج بين السرد البوليسي والتأمل الحضري والنقد الاجتماعي والسياسي العميق. الرواية لا تصوّر هافانا كمكان فقط، بل أيضًا كمجتمع حيّ، له تاريخ، ذاكرة، وهوية، وأمل. من خلال دمج التأمل الشخصي مع السجل الاجتماعي والسياسي للمدينة، يقدم بادورا نصًا فنيًا غنيًا ومعقدًا، يمزج بين الواقع والخيال، بين الفرد والمجتمع، بين الماضي والحاضر، ليخلق تجربة قراءة فريدة، ويذكّرنا بأن المدينة ليست مجرد مكان للعيش، بل كيان حيّ يتشكل من خلال البشر وذكرياتهم وتجاربهم، وأن الأدب قادر على تحويل هذا الكيان إلى نص حيّ يحمل معاني الإنسان والهويّة والمجتمع.